تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٤ / ١٨٢١ ]
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (سؤال عن معنى " بني الإسلام على خمسة أركان " وما يترتب عليه).
٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، هذا سؤال من الحقير عبد الله بن محمد الكبسي إلى مولانا المالك الندي العلامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، حفظه الله، وبارك لنا في إمامته. . .
٤ - آخر الرسالة:. . . فهؤلاء فرطوا فيما أوجب الله عليهم من التعليم، كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية والحمد لله أولا وآخرا.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: (٦) صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٥ - ٢٨) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (٩ - ١١) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
[ ٤ / ١٨٢٣ ]
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: سؤال عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه.
٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ".
٣ - أول الرسالة: سؤال عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه، وما المراد في بناء الإسلام على خمسة أركان؟ هل يصير له حكم البناء القائم؟
٤ - آخر الرسالة: كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: (٤) صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٢ - ٢٨) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٣) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
[ ٤ / ١٨٢٦ ]
[سؤال: عن معنى بني الإسلام على خمسة أركان وما يترتب عليه، وما المراد في بني الإسلام على خمسة أركان؟ هل يصير له حكم البناء القائم على أركان إذا اختل البعض منها اختل الأصل؟ فإذا كان هذا المراد فأصل الإسلام كلمة التوحيد المحتوية على النفي والإثبات، فهل لا بد لكل مكلف من معرفة قول لا إله إلا الله واستحضار هذا المعنى والموجب لهذا الاستشكال إنما ينبعث أشياء: منها ما صار خلقا وعادة عند تشييع الجنازة، فتنطلق طائفة بالنفي وتقتصر عليه، وطائفة بالاستثناء فقط، ثم قوله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فهل يكون ذلك في سائر الأركان كالصلاة والزكاة والحج؟ فما حكم من تركها؟ وهل يثبت حكم الإسلام لمن أتى بالبعض منها؟ هذا حاصل السؤال] (١).
_________________
(١) هذا نص السؤال من (ب).
[ ٤ / ١٨٢٩ ]
[بسم الله الرحمن الرحيم]
الحمد لله رب العالمين، هذا سؤال من الحقير عبد الله بن محمد الكبسي إلى مولانا المالك البدر العلامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني حفظه الله وبارك لنا في إمامته، والسؤال هو عن معنى حديث بني (١) الإسلام على خمسة أركان (٢) وما يترتب عليه، وما المراد من بناء الإسلام على خمسة؟ هل يصير له حكم البناء القائم على أركان إذا اختل (٣) البعض منها اختل أصل البناء، فإذا كان هذا هو المراد فأصل الإسلام وأساسه كلمة التوحيد المحتوية على النفي والإثبات، فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا جل وعلا، ولا ثبت في تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعلا، فلا توجد تلك الحقيقة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٨)، ومسلم رقم (١٦)، والنسائي (٨/ ١٠٧ رقم ٥٠٠١)، والترمذي (٥/ ٥ رقم ٢٧٣٦).
(٢) الأركان في اللغة: جمع ركن، وهو: أحد الجوانب التي يستند إليها الشيء ويقوم بها، وهو جزء من أجزاء حقيقة الشيء، يقال: ركن الصلاة وركن الوضوء، " المعجم الوسيط " (١/ ٣٧٢). والركن في الاصطلاح: " ما يقوم به ذلك الشيء، من التقوم؛ إذ قوام الشيء بركنه، لا من القيام "، " التعريفات للجرجاني " (ص ١١٧). وقيل: الركن - بضم أوله وسكون ثانيه -: ج أركان وأركن، الجانب القوي من الشيء، والركن: ما لا يقوم الشيء إلا به، ومنه أركان الصلاة، " معجم لغة الفقهاء " (ص ٢٢٦).
(٣) قال القاضي عياض في " الإيمان من إكمال العلم ": فهي دعائم الإسلام، فمن جحد واحدة منها كفر، ومن ترك واحدة منها لغير عذر وامتنع من فعلها مع إقراره بوجوبها قتل عندنا وعند الكافة، وأخذت الزكاة من الممتنع كرها، وقوتل إن امتنع، إلا الحج لكونه على التراخي. وقيل: قتل من ترك الفرائض مع الإقرار بوجوبها إنما يكون بعد الاستتابة، قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي: " لا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي "، انظر: " مجموع الفتاوى " (٧/ ٢٥٩، ٦١٠)، " المنهاج " (١/ ٢١٢، ٢/ ٧٠).
[ ٤ / ١٨٣٠ ]
لغيره، فهذا التركيب الشريف في قولنا: لا إله إلا الله هو نفي الإلهية عن كل شيء، وأنها نهايته، فهل لا بد لكل مكلف من معرفة قولنا لا إله إلا الله، واستحضار هذا المعنى عند التلفظ بها أصلًا والموجب لهذا الاستشكال أني تتبعت أشياء، منها ما صار خلقا وعادة عند تشييع الجنائز من التهليل، فتنطق طائفة بالنفي وتقتصر عليه، والطائفة الأخرى تنطق بالاستثناء فقط، وأنكرت ذلك أنا وغيري مرارا، ولا أحد فهم وجه الإنكار، وقوله ﵌: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " (١).
ومن حقها فيهم اشتملت عليه [١ ب]، وإذا كان الأمر في هذا الركن المشتمل على التوحيد على هذه الصفة فهل يكون ذلك في سائر الأركان (٢)، فالصلاة الواجبة أو ما لا تصح إلا به قطعا لا يتم الإسلام إلا بها، فما حكم من تركها مستمرا، أو في بعض الأحيان، أو ترك ما لا يتم إلا به قطعا، وكذلك الزكاة والصوم والحج؟ فهل يثبت حكم الإسلام لمن
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٩٩، ٦٩٢٤ و٧٢٨٤ و٧٢٨٥)، ومسلم في صحيحه رقم (٣٢/ ٢٠)، وأبو داود رقم (١٥٥٦)، والنسائي (٥/ ١٤ - ١٥)، والترمذي رقم (٢٦٠٧)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (٢/ ٤٢٣، ٥٢٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) فرق بعض أهل العلم بين الفرائض في مسألة القتل حدا أو كفرًا لمن أقر بوجوبها ولم يأت بها:
(٣) إنه يقتل كفرًا لا حدًا بترك واحدة من الأربع حتى الحج إذا عزم على تركه بالكلية، وهو قول طائفة من السلف، وإحدى الروايات عن أحمد، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٤) إنه يقتل حدا لا كفرًا، وهو المشهور عند كثير من السلف، وكثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد، وصححه النووي وغيره.
(٥) إنه يقتل كفرًا لا حدا بترك الصلاة دون غيرها، هو رواية عن أحمد، وقال به كثير من السلف وبعض المالكية والشافعية.
(٦) إنه يقتل كفرًا لا حدا بترك الصلاة والزكاة دون غيرهما.
(٧) إنه يقتل كفرًا لا حدا بترك الصلاة، وبترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ترك الصوم والحج، وانظر: " مجموع الفتاوى " (٧/ ٢٥٨، ٢٥٩، ٣٠٢)، المجموع (٣/ ١٣ - ١٧).
[ ٤ / ١٨٣١ ]
أتى بالبعض وترك البعض الآخر؟ فمن تفضلاتكم وعميم إحسانكم الإفادة على كل واحد من الخمسة الأركان، وفيمن أتى بالأكثر منها وترك الأقل، مثل أن يأتي بالصلاة والصوم والحج ويقول الشهادة ويترك الزكاة مثل ثعلبة (١) بن حاطب، أو تساهل بالصلاة وأتى بالأركان الأخرى، وهل يستوي التارك لركن واحد هو والتارك للجميع أصلا؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٢).
[ويتلو ذلك جواب مولانا العلامة البدر شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده، وبارك للكافة في أوقاته آمين، بما لفظه:] (٣)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره " جامع البيان " (٦ ج ١٠/ ١٨٩)، والبغوي في تفسيره (٣/ ١٢٤)، والسيوطي في " الدر المنثور " (٣/ ٢٦١)، وابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨٤ - ١٨٥). وفي القصة: " أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النبي ﷺ: " قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه "، وذكر الحديث بطوله في دعاء النبي ﷺ له وكثرة ماله ومنعه الصدقة، ونزول قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله. . . .) [التوبة: ٧٥]. تنبيه: قال ابن حزم في " المحلى " (١١/ ٢٠٧ - ٢٠٨): " على أنه قد روينا أثرًا لا يصح، وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وقال: " وهذا باطل لا شك لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر ﵇ عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان، فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلمًا ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته، ولا بد، ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرًا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب، فسقط هذا الأثر بلا شك. وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن، وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك -، وكلهم ضعفاء، وللشيخ " عذاب الحمش " رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم سماها " ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه "، وانظر: " الإصابة " (١/ ٥١٦ - ٥١٧ رقم ٩٣١)، " الثقات " (٣/ ٤٦).
(٢) هذا نص السؤال في (أ).
(٣) زيادة من (أ).
[ ٤ / ١٨٣٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
معنى قوله ﵌: بني الإسلام على خمسة أركان أن هذه الخمسة هو التي عليها عمدة الإسلام، لا يتم إلا باجتماعها، فهو من باب الاستعارة تشبيها للأمر المعنوي وهو الإسلام بالأمر الحقيقي الموجود في الخارج وهو الشيء المبني، فكما أن الأبنية الموجودة في الخارج لا تتم إلا بما لا بد منه [٢ أ] كذلك الإسلام لا يتم إلا بهذه الأمور الخمسة، وقد أشار إلى هذا المعنى الحقيقي الشاعر بقوله:
والبيت لا ينبني إلا بأعمدة ولا عمود إذا لم ترس أوتاد
وقد أشار إلى معنى هذا الحديث ما صح عنه ﵌ في الصحيحين (١) وغيرهما من طرق أنه لما سئل عن الإسلام فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم [١] رمضان، وتحج البيت "، فأخبر ﵌ أن ماهية الإسلام هي هذه الخمسة، ومما يؤيد أنه لا يتم الإسلام إلا بالقيام بهذه الأركان ما ثبت عنه [﵌] (٢) من الحكم بكفر من ترك أحدهما كما في قوله ﵌: " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " (٣)، ومثل قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (٤)، ومثل ما صح عنه ﵌ في الصحيحين (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٥٠)، ومسلم في صحيحه رقم (٥/ ٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (١/ ٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) زيادة من (ب).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٨٢)، وأحمد (٣/ ٣٨٩)، وأبو داود رقم (٤٦٧٨)، والترمذي رقم (٢٦٢٠)، وابن ماجه رقم (١٠٧٨) من حديث جابر، وهو حديث صحيح.
(٤) [آل عمران: ٩٧].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٥)، ومسلم في صحيحه رقم (٣٦/ ٢٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٤ / ١٨٣٣ ]
وغيرهما من طرق أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويحجوا البيت "، ثم عقب (١)، ذلك بأن من جاء بهذه فقد عصم ماله ودمه، فأفاد ذلك أن دم من لم يقم بهذه غير معصوم، وكذلك ماله، ولا يكون ذلك إلا لعدم خروجه من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام [إلا بها] (٢) [٢ ب]، وكذلك أجمع الصحابة [﵃] (٣) على قول أبي بكر الصديق ﵁: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) (٤)، فقاتل هو والصحابة ﵃ المانعين من الزكاة وحدها، وحكموا عليهم بالردة، وسموا قتالهم قتال أهل الردة وأما ما [ذكر] (٥) السائل عافاه الله من أنه [هل] (٦) يجب تصور معنى لا إله إلا الله؟ فهذا التركيب يفهمه كل عربي لا يخفى على أحد كما يفهم معنى قول القائل: ما في الدار إلا زيد، وما جاءني إلا عمرو، وهذا يكفي في القيام بكلمة الشهادة التي هي مفتاح باب دار الإسلام وأعظم ركن من أركانه، وإذا قالها الكافر وجب الكف عنه حتى يشرح الله صدره للإسلام، فيقوم ببقية الأركان، ولهذا ثبت عنه ﵌ أنه قال لأسامة بن زيد ﵁ لما قتل كافرا بعد أن قال: لا إله إلا الله، واعتذر بأنه قالها تعوذا من القتل، فقال له ﵌: " أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ "، ثم كرر عليه ذلك حتى تمنى أسامة [﵁] (٧) ما تمناه، وفي قصة أخرى أنه قال ﵌: " ما أمرت أن أفتش عن قلوب الناس " (٨) أو
_________________
(١) أي: قوله ﷺ في الحديث:. . . فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
(٢) زيادة من (أ).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٣٩٩) و(١٤٠٠)، ومسلم في صحيحه رقم (٣٢/ ٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في (ب): ذكره.
(٦) زيادة من (أ).
(٧) زيادة من (أ).
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٥٨/ ٩٦) من حديث أسامة بن زيد ﵁.
[ ٤ / ١٨٣٤ ]
كما قال.
وأما ما ذكره السائل [عافاه الله] (١) من أنه قد يقول بعض من يحمل الجنازة بالنفي فقط ثم يجيبه الآخر بالإثبات، فلا يخفى [٢] أن هؤلاء لهم عذر واضح، وهو أنهم قد جعلوا أنفسهم بمنزلة الشخص الواحد، فكأن مجموع النفي والإثبات [قائم] (٢) بكل واحد منهم، وهم لا يريدون غير هذا، ولو قيل للنافي: كيف قلت: لا إله فقط، فإن ذلك يستلزم نفي إلهية الرب سبحانه؟ لقال: لم أرد هذا [٣ أ]، بل أردت أنه الإله وحده اكتفاء بالاستثناء الواقع من الآخرين، فهذا اللفظ وإن كان مستنكرا (٣) وبدعة، ولكنه لا يستلزم ما فهمه السائل، والعمدة على ضمائر القلوب ومقاصد النفوس، ومثل هذا في الابتداع ما يلهج به كثير من المتصوفين (٤) في أنه يهمل اللفظ الدال على النفي، ويقتصر على اللفظ الدال على الاستثناء تحرجا منه عن مدلول [بلفظ] (٥) النفي الشامل، وهو جهل منه، فإن الكلام بتمامه
_________________
(١) زيادة من (أ).
(٢) في (أ): قام.
(٣) قال النووي في " الأذكار " (ص ٢٠٣): واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: " الزم طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين ". وقد صدر عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الرابع من " الفتوى " رقم (٧٥٨٢): سؤال: هل يصح تشييع الجنازة مع التهليل والأذان بعد وضعه في اللحد؟ جواب: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه شيع جنازة مع التهليل ولا الأذان بعد وضع الميت في لحده، ولا ثبت ذلك عن أصحابه ﵃ فيما نعلم، فكان بدعة محدثة، وهي مردودة لقوله ﷺ: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨).
(٤) انظر: البدع والمحدثات وما لا أصل له (ص ٣٥٩ - ٣٦٠)، " أحكام الجنائز وبدعها " للألباني (ص ٩٢).
(٥) زيادة من (ب).
[ ٤ / ١٨٣٥ ]
[و] (١) لا يتم إلا بمجموع النفي والإثبات، وهو شأن كل استثناء (٢) متصل، ومع هذا فتعليم الشارع لأمته أن يقولوا: لا إله إلا الله، يدحض كل شبهة، ويرفع كل جهل، وقد جاء بذلك القرآن الكريم في غير موضع، فهذا المتصوف الجاهل تحرج عن تعليم الله [﷿] (٣) ورسوله ﵌، وظن بجهله أنه قد جاء بما هو أولى من ذلك، مع أنه جاء بكلام غير مفيد وتركيب ناقص، وليس بمعذور كما عذر الجماعة الذي يقول أحدهم بالنفي والآخر بالإثبات؛ لأن أولئك قد نزلوا أنفسهم منزلة الشخص الواحد وأما قول السائل: فهل يكون ذلك في سائر الأركان إلخ؟ فنقول: نعم لا بد أن يأتي بكل واحد منها على الصفة المجزية التي لا اختلال فيها، باعتبار ما هو الواجب الذي لا تتم الصورة الشرعية إلا به، فإن انتقض من ذلك ما يخرج [ما] (٤) جاء به عن الصورة الشرعية [٣ ب] فهو بمنزلة من ترك ذلك من الأصل، لكنه إذا كان ذلك لجهله بالوجوب عليه وترك التعلم لما يلزمه فهو من هذه الحيثية [أثم بترك] (٥) واجب التعلم [٣] معذور بالجهل، فلا يكون كمن ترك عالما عامدا؛ لأن جهله بوجوب التعلم مع ظنه بأن الذي افترضه الله عليه هو ما فعله على تلك الصورة الناقصة يدفع عنه معرة الكفر، ولا يدفع عنه معرة الإثم، وقد ثبت أن بعض أهل الكفر تكلم بكلمة (٦) الشهادة،
_________________
(١) زيادة من (أ).
(٢) وانظر: " الكوكب المنير " (٣/ ٣٣١)، " نهاية السول " (٢/ ١٢٤).
(٣) زيادة من (أ).
(٤) في (ب): عما.
(٥) في (أ): أنه ترك.
(٦) أخرج البخاري في صحيحه رقم (٢٨٠٨) من حديث البراء ﵁ يقول: " أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ: عمل قليلا وأجر كثيرًا ". وقال الحافظ في " الفتح " (٦/ ٢٥): " أخرج ابن إسحاق في المغازي قصة عمرو بن ثابت بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه كان يقول: أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة؟ ثم يقول: هو عمرو بن ثابت، قال ابن إسحاق: قال الحصين بن محمد: قلت لمحمود بن لبيد: كيف كانت قصته؟ قال: كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بدا له فأخذ سيفه حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى وقع جريحًا، فوجده قومه في المعركة فقالوا: ما جاء بك؟ أشفقة على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما أصابني، فقال رسول الله ﷺ: " إنه من أهل الجنة ".
[ ٤ / ١٨٣٦ ]
ثم عرض الجهاد فجاهد وقتل، فأخبر النبي ﵌ بأن الله [تعالى] (١) أدخله الجنة ولم يصل ركعة، فجعل اشتغال هذا بواجب الجهاد عذرا، والجاهل لو علم أن صلاته الواجبة لا تتم بالصلاة التي جاء بها على الصورة الناقصة لجاء بالصورة التامة، وبادر إلى تعلمها، لكن اجتمع تفريط أهل الجهل [عن] (٢) التعلم، وتفريط أهل العلم عن التعليم، فاشتركت الطائفتان في الإثم؛ لأن الله سبحانه أوجب على العلماء أن يعلموا، وأخذ [الله] (٣) عليهم الميثاق، فذلك كما في قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (٤)، وفي الآية الأخرى: ﴿إن الذين يكتمون﴾ (٥) إلى آخر الآية (٦) المصرحة باستحقاقهم للعنة الله ﷿ ولعنة اللاعنين.
فهؤلاء فرطوا فيما أوجب الله عليهم من التعليم، كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية [لمن له هداية] (٧)، والحمد لله أولا وآخرا [٤ أ]، [وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه] (٨).
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) في (ب): من.
(٣) زيادة من (أ).
(٤) [آل عمران: ١٨٧].
(٥) [البقرة: ١٥٩].
(٦) (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون).
(٧) زيادة من (ب).
(٨) زيادة من (ب).
[ ٤ / ١٨٣٧ ]
(٤٨) ١٤/ ٥