فأجاب ﵁: الحمد لله، أما عثمان وعلي والحسين - ﵃ - فقُتِلوا مظلومين شهداءَ باتفاق أهل السنة والجماعة، وقد ورد في عثمان وعلي أحاديث صحيحة في أنهم شهداء وأنهم من أهل الجنة، بل وفي طلحة والزبير أيضًا كما في الحديث الصحيح: «أن النبي ﷺ قال للجبل لما اهتزَّ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي: اثبُتْ حِرَاءُ - أو أُحُدُ - فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان» بل
_________________
(١) هذه المسألة نشرت مؤخرًا في جامع المسائل (٦/ ٢٥٣ - ٢٧٠).
[ ٧١ ]
قد شهد النبي ﷺ بالجنة للعشرة وهم: الخلفاء الأربعة، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح.
أما فضائل الصدِّيق فكثيرةٌ مستفيضةٌ، وقد ثبتَ من غير وجهٍ عن النبي ﷺ أنه قال: «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله - يعني نفسَه -.
وقال: إنَّ أَمَنَّ الناسِ علينا في صُحبتِه وذاتِ يدِه أبو بكر. وقال: لا يبقينَّ في
[ ٧٢ ]
المسجد خَوخَة إلاَّ سُدَّتْ إلاَّ خوخة أبي بكر».
وقال لعائشة: «ادْعِيْ لي أباك وأخاكِ حتى أكتُبَ لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناس من بعدي. ثم قال: يأبي الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر».
«وجاءتْه امرأة فسألَتْه شيئًا، فأمرَها أن تَرجعَ إليه، فقالت: أرأيتَ إن جئتُ فلم أجدْكَ - كأنها تَعنِي: الموت - قالَ: إن لم تجديني فائْتِي أبا بكر».
وقَال: «أيها الناس، إني جئتُ إليكم فقلتُ: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبتَ. وقال أبو بكر: صدقتَ. ووَاسَانِي بنفسِه وماله؛ فهل أنتم تَارِكُو لي صاحبي».
وهذه الأحاديث كلها في الصحاح ثابتةٌ عند أهل العلم بالنقل.
[ ٧٣ ]
وقد تواترَ أنه أمره أن يُصلِّي بالناس في مرضِ موته؛ فصلَّى بالناس أيامًا متعددةً بأمرِه، وأصحابُه كلُّهم حاضرون - عمر وعثمان وعلي وغيرهم - فقدَّمَه عليهم كلِّهم.
وثبت في الصحيح أن عُمَر قال له بمحضرٍ من المهاجرين والأنصار: «أنتَ خيرُنا وسيِّدُنا وأحبُّنا إلى رسولِ الله ﷺ».
[ ٧٤ ]
وثبت في الصحيح: «أنَّ عَمْرو بن العاصي سألَه عن أحبِّ الرجال إليه، فقال: أبو بكر».
وفضائل عمر وعثمان وعلي كثيرةٌ جدًّا ليس هذا موضع بَسطِها، وإنما المقصود أن مَنْ هو دون هؤلاء مثل طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، قد تُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ كما ثبت ذلك في «الصحيح» عن عمر: «أنه جعلَ الأمر شورى في ستَّةٍ: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وقال: هؤلاء الذين تُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ». بل قد ثبتَ في الصحيح من حديث علي بن أبي طالب: «أن حاطب بن أبي بَلْتَعَة قال فيه رسول الله ﷺ: إنه شهدَ بدرًا، وما يُدريك أنّ الله اطَّلع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر. وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يَدخلُ النارَ أحدٌ بايعَ تحتَ الشجرة» وكان أهل الشجرة ألفًا وأربعمائةٍ كلهم رضي الله عنهم ورَضُوا عنه، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، فهم أعظم درجةً ممن أنفقَ من بعد الفتح وقاتلَ. وثبتَ في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيْفَه». وثبت في الصحيح «أن غلامَ حاطبٍ قال: والله يا رسول الله، ليَدخلَنَّ حَاطبٌ النارَ. فقال النبي ﷺ له: كذبتَ؛ إنه قد شهدَ بدرًا والحديبية»، وهذا وقد
[ ٧٥ ]
كان حاطبٌ سَيِّئ المَلَكَةِ وقد كاتبَ المشركينَ بأخبار رسول الله ﷺ في غزوةِ الفتح، ومع هذه الذنوب أخبر النبي ﷺ أنه ممن يدخلُ الجنَّة ولا يدخلُ النار، فكيف بمن هو أفضَلُ منه بكثيرٍ كعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.
وأما الحسين فهو وأخوه سيّدا شباب أهل الجنة، وهما رَيْحانةُ رسول الله ﷺ من الدنيا، كما ثبت ذلكَ في الصحيح، وثبتَ في الصحيح: «أنه أدارَ
[ ٧٦ ]
كساءَه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين، وقال: اللَّهمّ هؤلاء أهلُ بيتي، أَذهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيرًا»، وإن كان الحسنُ الاكبر هو الأفضل، لكونه كان أعظمَ حلمًا وأرغبَ في الإصلاح بين المسلمين وحَقْنِ دماءِ المسلمين، كما ثبتَ في صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: «رأيتُ النبي ﷺ على المنبر والحسنُ بن علي إلى جانبه، وهو يُقْبِلُ على الناس مرةً وعليه أخرى، ويقول: إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وفي صحيح البخاري عن أسامة قال: «كان النبي ﷺ يأخذني فيُقعِدني على فخذِه، ويُقعِد الحسنَ على فخذِه الأخرى، ويقول: اللهمَ إني أحِبُّهما، فأَحبهما وأَحِبَّ من يُحِبُّهما»، وكانا من أكرهِ الناس للدخول في اقتتال الأَمة.
والحسين - ﵁ - قُتِل مظلومًا شهِيدًا، وقتَلَتُه ظالمون متعدُّون، وإن كان بعض الناس يقول: إنه قُتِلَ بحق؛ ويحتِجّ بقول النبي ﷺ: «من جاءكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يُرِيد أن يُفرِّق بين جماعتكم فاضربوا عُنُقَه بالسيف كائنًا من كان» رواه مسلم، فزعم هؤلاء أن الحسين أتى الأمةَ وهم مجتمعون فأراد أن يُفرِّق الأمة؛ فوجبَ قتلُه، وهذا بخلاف من يتخلَّف عن بيعة الإمام ولم يَخرُج عليه، فإنه لا يجب قتلُه، كما لم يقتُل الصحابة سعد بن عُبادة مع تخلُّفِه عن بيعةِ أبي بكر وعمر، وهذا كذِبٌ وجهلٌ؛ فإن الحسين - ﵁ - لم يُقتَل حتى أقامَ الحجةَ
[ ٧٧ ]
على من قتلَه، وطلبَ أن يذهبَ إلى يزيدَ، أو يرجعَ إلى المدينة، أو يذهبَ إلى الثَّغْر، وهذا لو طلبَه آحادُ الناس لوجبَ إجابتُه، فكيف لا يجب إجابةُ الحسين - ﵁ - إلى ذلك، وهو يطلب الكفَّ والإمساك. وأما أصل مجيئه فإنما كان لأن قومًا من أهل العراق من الشيعة كتبوا إليه كتبًا كثيرةً يشتكون فيها من تغيُّرِ الشريعة وظهور الظلم، وطلبوا منه أن يقدمَ ليبايعوه ويعاونوه على إقامة الشرع والعدل، وأشار عليه أهلُ الدين والعلم - كابن عباس وابن عُمَر وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - بأن لا يذهب إليهم، وذكروا له أن هؤلاء يَغُرونَه، وأنهم لا يُوفُون بقولهم، ولا يَقدِر على مطلوبه، وأن أباه كان أعظمَ حرمةً منه وأتباعًا؛ ولم يتمكَّن من مرادِه، فظنَّ الحسين أنه يَبلُغ مرادَه، فأرسلَ ابنَ عمّه مسلم بن عَقِيل، فآوَوه أوّلًا، ثمَّ قتلوه ثانيًا، فلما بلغَ الحسينَ ذلك طلبَ الرجوعَ، فأدركَتْه السريَّةُ الظالمةُ، فلم تُمكِّنْه من طاعة الله ورسوله، لا من ذهابه إلى يزيد، ولا من رجوعِه إلى بلدِه، ولا إلى الثَّغْر، وكان يزيدُ - لو يجتمعُ بالحسين - من أحرصِ الناس على إكرامِه وتعظيمه ورعايةِ حقِّه، ولم يكن في المسلمين عنده أَجَلَّ من الحسين، فلما قتله أولئك الظَّلَمة حَملُوا رأسَه إلى قدّام عُبَيْدِ الله بن زياد، فنكَتَ بالقضيب على ثناياه، وكان في المجلس أنس بن مالك فقال: «إنك تنكتُ
[ ٧٨ ]
بالقضيب حيثُ كان رسول الله ﷺ يُقبِّلُ». هكذا ثبتَ في الصحيح، وفي «المسند» «أن أبا بَرْزَةَ الأسلمي كان أيضًا شاهدًا» فهذا كان بالعراق عند ابن زياد.
وأما حملُ الرأس إلى الشام أو غيرها والطوافُ به فهو كَذِبٌ، والروايات التي تُروَى أنه حُمِلَ إلى قُدَّام يزيدَ ونكتَ بالقضيب، روايات ضعيفةٌ لا يَثبتُ شيء منها، بل الثابتُ أنه لما حُمِلَ علي بن الحسين وأهلُ بيته إلى يزيد وقعَ البكاءُ في بيتِ يزيد - لأجل القرابة التي كانت بينهم - لأجل المصيبة، ورُوِي أن يزيد قال: لعنَ الله ابنَ مَرجانة - يعني: ابنَ زياد - لو كان بينه وبين الحسين قرابةٌ لما قتلَه.
[ ٧٩ ]
وقال: قد كنت أرضَى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. وأنه خيَّر علي بن الحسين بين مُقامِه عنده وبين الرجوع إلى المدينة، فاختار الرجوع، فجهَّزه أحسن جهاز، ويزيدُ لم يأمر بقتل الحسين، ولكن أمرَ بدفعِه عن منازعتِه في الملك، ولكن لم يَقتُل قَتَلةَ الحسين ولم يَنتقِم منهم، فهذا مما أُنكِر على يزيد، كما أُنكِر عليه ما فَعَلَ بأهلِ الحرَّةِ لمّا نكَثوا بيعته، فإنه أمرَ بعد القدرة عليهم بإباحةِ المدينةِ ثلاثًا، فلهذا قيل لأحمد بن حنبل: أيُؤخَذُ الحديثُ عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامةَ، أوَ ليس هو الذي فعلَ بأهل المدينة ما فعل. وقيل له: إنّ قومًا يقولون: إنّا نُحِبُّ يزيدَ، فقال: وهل يُحِبُّ يزيدَ مَن يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر؟ ! فقيل له: أوَ لا تلعنُه؟ فقال: متى رأيتَ أباكَ يلعنُ أحدًا.
ومع هذا فيزيدُ أحد ملوك المسلمين له حسناتٌ وسيئات - كما لغيره من الملوك - وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «أولُ جيشٍ يَغزو القُسطَنطينية مغفورٌ له» وأولُ جيشٍ غزاها كان أميرهم يزيد، غزاها في خلافة أبيه معاوية، ومعه أبو أيوب الأنصاري، ومات ودُفِن هناك.
ويزيد هذا ليس هو من الصحابة، بل وُلِد في خلافة عثمان، وأما عمُّه يزيد بن أبي سفيان فهو من الصحابة، وهو رجلٌ صالح أمَّره أبو بكر في فتوح الشام،
[ ٨٠ ]
ومَشى في ركابه، ووَصَّاه بوصايا معروفةٍ عند الفقهاء يعملون بها، ولما مات في خلافة عمر وَلَّى عمرُ أخاه معاويةَ مكانَه، ثمَّ وَلِي عثمانُ فأقره وولاه إلى أن قُتِل عثمان، ووُلِد له يزيد ابنُه في خلافة عُثمان.
ولم يُسْبَ قطُّ في الإسلام أحدٌ من بني هاشم لا علوي ولا غير علوي، لا في خلافة يزيد ولا غيرها، وإنما سَبَى بعضَ الهاشمياتِ الكُفَّارُ من المشركين وأهلِ الكتاب، كما سَبَى التركُ المشركون من سَبَوه لما قَدِموا بغداد، وكان من أعظم [أسباب] سَبْي الهاشميات معاونةُ الرافضةِ لهم كابن العَلْقَمي وغيرِه، بل ولا قَتَلَ أحدٌ من بني مروان أحدًا من بني هاشم لا علويّ ولا عباسيّ ولا غيرهما إلاّ زيدَ بن علي، قُتِلَ في خلافة هشام، وكان عبد الملك قد أرسلَ إلى الحجاج: إيَّايَ ودماء بني هاشم. فلم يَقتل الحجاجُ أحدًا من بني هاشم لا علويّ ولا عباسيّ، بل لمّا تزوج بنتَ عبدِ الله بن جعفر فأمره عبد الملك أن يُفارقَها؛ لأنه ليس بكُفْؤٍ لها، فلم يروه كُفْؤًا أن يتزوج بهاشمية.
وأما معاوية لما قُتِلَ عثمانُ مظلومًا شهيدًا، وكان عثمان قد أمرَ الناس بأن لا يُقاتِلُوا معه، وكَرِهَ أن يُقتَل أحدٌ من المسلمين بسببه، وكان النبي ﷺ
[ ٨١ ]
قد بَشَّره بالجنَّة على بَلْوى تُصِيبُه، فأحبَّ أن يَلقَى الله سالمًا من دماءِ المسلمين، وأن يكون مظلومًا لا ظالمًا، كخيرِ ابنَيْ ادمَ الذي قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وعلي بن أبي طالب بريءٌ من دمه لم يَقتُلْه ولم يُعِنْ عليه ولم يَرضَ، بل كان يَحلِفُ - وهو الصادق المصدوقُ - أني ما قتلتُ عثمانَ، ولا أَعَنتُ على قتلِه، ولا رضيتُ بقتلِه. ولكن لمَّا قُتِلَ عثمان وكان عامة المسلمين يحبون عثمانَ لحِلْمِه وكرمِه وحُسْنِ سيرتِه، وكان أهلُ الشام أعظمَ محبةَ له فصارت شيعةُ عثمانَ إلى أهل الشام، وكثُر القيلُ والقالُ - كما جَرتِ العادةُ بمثل ذلك من الفتن - فشَهِدَ قوم بالزُّور على عليٍّ أنه أعان على دم عثمان؛ فكان هذا مما أوغَرَ قلوبَ شيعة عثمان على عليٍّ فَلم يبايعوه، وآخرون يقولون: إنه خَذَلَه وتَرَك ما يَجبُ من نَصْرِه. وقَوى هذا عندهم أنَّ القَتَلَة تحيَّزتْ إلى عسكرِ عليّ، وكان عليّ وطلحة والزبيرُ قد اتفقوا في الباطن على إمساك قَتَلَةِ عثمان، فسَعَوا بذلك فأقاموا الفتنةَ عامَ الجمل حتى اقتتلوا من غير أن يكون عليٌّ أرادَ القتالَ ولا طلحةُ ولا الزبيرُ، بل كان المحرِّكُ للقتال الذين أقاموا الفتنةَ على عثمان، فلمَّا طلبَ عليٌّ من معاوية ورعيتِه أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاويةَ، ولا قالَ أحدٌ قطُّ إن معاويةَ مثلُ عليٍّ، أو إنّه أحق من عليٍّ بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليًّا أفضلُ وأحق، ولكن طلبوا من علي أن يُقيمَ الحدَّ على قَتَلَةِ عثمانَ، وكان عليٌّ غيرَ متمكن من ذلك لتفرُّقِ الكلمةِ وانتشار الرعيَّةِ وقوة المعركةِ لأولئك، فامتنعَ هؤلاءِ عن بيعته، إمّا لاعتقادهم أنه عاجزٌ عن أخذِ حقِّهم، وإما لِتوهُّمِهم محاباةَ أولئك، فقاتلَهم عليٌّ لامتناعِهم من بيعتِه، لا لأجلِ
[ ٨٢ ]
تأميرِ معاوية، وعليٌّ وعسكره أولَى من معاويةَ وعسكرِه؛ كما ثبتَ في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَمْرُقُ مارقةٌ على حينِ فُرقة من المسلمين، تَقتُلُهم أَولَى الطائفتينِ بالحق». فهذا نَصٌّ صريحٌ أن علي بن أبي طالب وأتباعه أولَى بالحقّ من معاويةَ وأصحابه، وفي صحيح مسلم وغيرِه أنه قال: «يقتلُ عمارًا الفئةُ الباغيةُ».
لكن الفئة الباغية هل يجب قتَالُها ابتداءً قبلَ أن تَبدأ الإمامَ بالقتالِ، أم لا تُقاتَل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أنَّ تَرْكَ علي القتالَ كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا، ولكنْ عليٌّ إمامُ هدَى من الخلفاء الراشدين؛ كما قال النبي ﷺ: «تكون خلافة النبوة ثلاثين سنةً ثمَّ تصِيرُ مُلْكًا» رواه أهل السنن، واحتجَّ به أحمد وغيرُه على خلافةِ عليّ، والردّ على من طعنَ فيها، وقال
[ ٨٣ ]
أحمد: من لم يُرَبِّعْ بعليٍّ في خلافته فهو أضلُّ من حمارِ أهلِه.
والقرآن لم يأمر بقتالِ البغاة ابتداءً، بل قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ • إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وما حرَّمه الله - تعالى - من البغي والقتل وغير ذلك إذا فعلَه الرجلُ متأوِّلًا مجتهدًا معتقدًا أنه ليس بحرامٍ لم يكن بذلك كافرًا ولا فاسقًا، بل ولا قَوَدَ في ذلك ولا ديةَ ولا كفارة، كما قال الزهري: وَقَعتِ الفتنةُ وأصحابُ رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا [على أن] كلَّ دمٍ أو مالٍ أو فرجٍ أُصيبَ بتأويل [القرآن] فهو هدر. وقد ثبتَ في الصحيح: «أن أسامةَ بن زيدٍ قَتَلَ رجلًا من الكفار بعدما قال: لا إله إلاّ الله، فقال له النبي ﷺ: يا أسامةُ، أقتلتَه بعدما قال لا إله إلاّ الله! قال: فقلتُ: يا رسول الله، إنما قالَها تَعوُّذًا، فقال: هلاَّ شَقَقْتَ عن قَلْبه. وكرَّرَ عليه قوله: أقَتلتَه بعدما قال لا إله إلاّ الله» ومع هذا فلمَ يحكم عليه بقَوَدٍ ولا دِيةٍ ولا كفارةٍ؛ لأنه كان متأوِّلًا اعتقدَ جوازَ قتلِه بهذا، مع ما رُوِيَ عنه «أنّ رجلًا قال له: أرأيتَ إن قَطعَ رجل من الكفَّار يدي ثمَّ أسلمَ، فلما أردتُ أن أقتلَه لاذَ منّي
[ ٨٤ ]
بشجرةٍ أأقتُلُه؟ فقال: إن قَتلتَه كنتَ بمنزلتِه قبلَ أن يقولَ ما قال، وكان بمنزلتك قبلَ أن تَقتلَه» فبيَّن أنك تكونُ مُباحَ الدم كما كان مُباحَ الدم، ومع هذا فلما كان أسامةُ متأوِّلًا لم يُبِحْ دمه.
وأيضًا فقد ثبتَ «أنه أرسلَ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمةَ، فلم يُحسِنُوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صَبَأْنا صَبَأْنا، فلم يجعل خالد ذلك إسلامًا بل أمرَ بقَتْلِهمِ، فلما بلغَ النبيَّ ﷺ ذلك رَفعَ يديهِ إلى السماء، وقال: اللهم إني أبْرَأُ إليك مما فَعَلَ خالد. وأرسلَ عليًّا فوَدَاهُم بنصفِ ديَاتِهم»، ومع هذا فلم يُعاقِبْ خالدًا ولم يَعْزِلْه عن الإمارة؛ لأنه كان متأوِّلًا، وكذلك فَعَلَ به أبو بكر لما قَتَلَ مالك بن نُوَيرةَ، كان متأوِّلًا في قتلِه فلم يُعاقِبْه ولم يَعْزِلْه؛ لأنَّ خالدًا كان سيفًا قد سَلَّه الله - تعالى - على المشركين؛ فكان نفعُه للإسلام عظيمًا، وإن كان قد يُخطىء أحيانًا، ومعلومٌ أن عليًّا وطلحة والزبير أفضلُ من خالدٍ وأسامةَ وغيرِهما.
ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: «إن ابني هذا سيد وسيُصلحُ الله به بين فئتينِ عظيمتين من المسلمين» فمدحَ الحسنَ على الإصلاح ولم يَمدَح على القتال في الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحبُّ الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال، ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: «يَحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِهم وقراءتَه مع قراءتِهم، يَقرءون القرآنَ لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم، يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ، أينما لَقِيْتمُوهم فاقتلوهم؛ فإنَّ في قَتْلِهم أجرًا
[ ٨٥ ]
عند الله لمن قَتَلَهم يومَ القيامةِ». وقال: «يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». ورُوِيَ «أَولَى الطائفتينِ بالحق» من معاوية وأصحابه.
واعلم أن قتالَ الخوارج المارقةِ - أهلِ النهروان الذين قاتلَهم علي بن أبي طالب - كان قتالُهم مما أمر الله به ورسولُه، وكان عليٌّ محمودًا مأجورًا مُثَابًا على قِتالِه إيّاهم، وقد اتفق الصحابة والأئمةُ على قتالِهم بخلاف قتالِ الفتنة، فإن النصَّ قد دلَّ على أن تركَ القتالِ فيها كان أفضلَ؛ لقوله ﷺ: «ستكونُ فتنة القاعدُ فيها خير من [القائم، والقائم فيها خير من] الماشي، والماشي خير من الساعي»، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: «هذا لا تَضُرُّه الفتنةُ»، فاعتزلَ محمد بن مسلمةَ الفتنةَ، وهو من خيار الأنصار، فلم يُقاتِل لا مع هؤلاءِ ولا مع هؤلاء، وكذلك أكثر السابقين
[ ٨٦ ]
لم يُقاتِلوا، بل مثل سعد بن أبي وقّاص ومثل أسامة وزيد وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين، ولم يكن في العسكرينِ بعد عليٍّ أفضلُ من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهما من أعيانِ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وقد قال النبي ﷺ لأهْبانَ بن صَيْفِي: «خُذْ هذا السيفَ فقاتِلْ به المشركين، فإذا اقتتلَ المسلمون فاكسِرْه»، ففعلَ ذلك ولم يُقاتِلْ في الفتنة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يَتبعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومَواقع القَطْرِ؛ يَفِرُّ بدِينه من الفِتن».
وفي الصحيح عن أسامة عن النبي ﷺ قال: «إني لأرى الفتنةَ تَقَعُ خِلالَ بيوتكم كمواقع القَطْرِ».
والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخبارِه بما سيكون في الفتنة بين أمتِه،
[ ٨٧ ]
وأمرِه بتركِ القتال في الفتنة، وأن الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال.
وقد ثبتَ عنه في الصحيح أنه قال: «سألتُ ربّي لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنين ومَنَعَني واحدًا، سالتُه أن لا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرهم؛ فأعطانيها، وسالتُه أن لا يُهلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ؛ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يَجعلَ بأسَهم بينهم؛ فَمَنَعَنِيْها».
وكان هذا من دلائل نبوته ﷺ وفضائل هذه الأمة؛ إذ كانت النشأة الإنسانية لا بدَّ فيها من تفرُّقٍ واختلافٍ وسَفْكِ دماء، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ولما كانت هذه الأمة أفضل الأمم وآخر الأمم عَصَمَها الله أن تجتمعَ على ضلالةٍ، وأن يُسلَّط عدوٌّ عليها كلِّها كما سُلطَ على بني إسرائيل، بل إن غُلِبَ طائفة منها كان فيها طائفةٌ قائمةٌ ظاهرة بأمر الله إلى يوم القيامة، وأخبرَ أنه: «لا تزالُ فيها طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقّ حتى يأتيَ أمر الله» وجعلَ ما يستلزمُ من نشأة الإنسانية من التفرق والقتال هو لبعضها مع بعض ليس بتسليط غيرِهم على
[ ٨٨ ]
جميعهم كما سَلَّطَ على بني إسرائيل عدوًّا قَهَرَهم كلَّهم، فهذه الأمة - ولله الحمدُ - لا تُقْهَرُ كلُّها، بل لا بُدَّ فيها من طائفةٍ ظاهرةٍ على الحق منصورةٍ إلى قيام الساعة، إن شاء الله - تعالى - والله أعلم.
[ ٨٩ ]