قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. كلَّما لَمَحَ آياتِ القرآن قارئُها المتبصر وتدبرها حقَّ التدبر، وجد فصاحةَ إعجازه الدالِّ على أنه ليس من مألوف كلام البشر ساريةً في كل ما يحتويه مما له دلالةٌ على مقدار من معاني الكلام البليغ، سواء كان جملًا تامة الإفادة، أو تراكيبَ مكملةً إفادةَ ما معها، أو روابطَ تَشُدُّ بين كلماتِه وتراكيبه عُرى الالتئام، فتكون للكلام كالسلك للعقد النظيم، أو القالب الذي يفرغ فيه الذهب الكريم. فبهذه المثابة، وعلى هذا النعت، نجد موقعَ الفاء التي افتُتِحت بها هذه الآيات. تلك هي الفاء التي يسميها علماءُ العربية فاءَ الفصيحة، ويحق لها هنا أن يَقال لها الفاء الفصيحة. (٢)
وفاءُ الفصيحة هيَ التي تقع بعد كلامٍ يفيد غرضًا من الأغراض، فتُوزَن بشيء مقدَّر، كشرطٍ تكون تلك الفاءُ رابطةً لجوابه لقصد الإيجاز، فيقدر هنا إجمالًا: إذا علمتَ ما قيل لك، فأقِمْ وجهَك للدين حنيفًا. وقد يكون المقدَّر غيرَ شرط في كلام آخر؛ ذلك أن الآياتِ السابقة تحوم حولَ إثبات أن الله واحد في الألوهية، وأنه
_________________
(١) اعتمدنا في ضبط نص هذه المقالة على كتاب "تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة" بعناية نجل المصنف الأستاذ عبد الملك ابن عاشور عليه رحمة الله، كما رجعنا إلى ما كتبه المصنف في هذا الشأن في "تفسير التحرير والتنوير" و"مقاصد الشريعة الإسلامية" و"أصول النظام الاجتماعي"، لاستكمال نقص أو تصويب خطأ. وقد وضعنا ما جلبناه من الكتب المذكورة بين حاصرتين.
(٢) فاء الفصيحة هي الفاء التي يؤتَى بها للترتيب والتعقيب، وتدلّ على أن في الكلام محذوفًا، ولكن المعنى واضح، أو هي التي تُفصح عن جوابِ شرطٍ مقدر وتقع في أول الكلام.
[ ١ / ٦٤ ]
لا شريكَ له، وأن قدرتَه لا يتعاصى عليها شيءٌ من الممكنات، إبطالًا لتكذيب المشركين بالبعث، ابتداءً من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]، وما عُطِف عليه من الدلائل والأمثال بتقدير الكلام تفصيلًا؛ (١) إذا علمت أنك على الحق، وعلمت أن المعرضين عن دعوتك معاندون مبطلون، فأقم وجهك للدين حنيفًا.
فالأمر مستعمل في طلب الدوام على الفعل، لا في ابتداء إيجابه وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. والخطاب للرسول - ﷺ - تثبيتًا لفؤاده وتأييدًا له، وهو شامل للمسلمين؛ لأن الرسول - ﵇ - قدوتهم. ولذلك قال في الآية التي بعده: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١]. وإقامة الوجه تقويمه، أي: تعديله بتوجيهه قبالة نظرك غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا.
فالإقامة في هذه الآية تمثيلٌ لحالة التمحُّضِ للشغل بشيء بحالة قَصْرِ النظر على صوب المقابلة دون الالتفات إلى يمنة ويسرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
_________________
(١) الآيات المقصودة هي قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ [الروم: ١٩ - ٢٩].
[ ١ / ٦٥ ]
وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩].
والتعريف في قوله: "للدين" تعريفُ العهد، وهو الدين المعهود للنبي - ﷺ - وهو الإسلام، وهو المعهود للمسلمين الذين تقلدوه. ووصف "حنيفًا" وصف يوزن بوزن فعيل، وهو مبالغة في الاتصاف بالحنف، والحنف الميل عن شيء. وغلب إطلاقُ الحنيف على المائل عن الباطل، أي: العادل عن الباطل إلى الحق. فالحنيف الموحد غير المشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقد اشتهر وصفُ إبراهيم - ﵇ - بالحنيف، كما اشتهرت ملةُ إبراهيم باسم الحنيفية. (١) والتحنف عبادة الله وحده دون إشراك، واشتهر دينُ الإسلام بالحنيف؛ لأنه أشد الأديان في قطع دابر الإشراك، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
ولذلك فوصف "حنيفًا" هنا منصوبٌ على الحال؛ يصح أن يكون حالًا من الضمير المستتر في فعل "فأقم"، ويصح أن يكون حالًا من الدين، على تشبيه الدين الإسلامي في خلوه من شوائب الإشراك برجل تجنب الشرك وعدل عنه. فيكون في صفة "حنيف" تمثيلٌ، وفي إجراء تلك الصفة على الدين استعارةٌ مصرحة. وفي الآية مُحَسِّنُ الطباق، وهو الجمع بين معنيين متضادين ولو في الجملة، وذلك في الجمع بين "فأقم" - الذي هو من الإقامة والاعتدال - و"حنيف" الذي هو في معنى الميل والانحراف.
_________________
(١) انظر تحليلًا دلاليًّا وتاريخيًّا لمصطلحي الحنيف والحنيفية وعلاقتهما المفهومية بالدين والتوحيد في: إيزوتسو، توشيهيكو: الله والإنسان في القرآن، ترجمه عن الإنجليزية هلال محمد الجهاد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط ١، ٢٠٠٧)، ص ١٥٧ - ١٩١.
[ ١ / ٦٦ ]
وأما قوله: "فطرة الله"، فهو حال من "الدين" حالًا أُولَى أو ثانية؛ فإن الحال تتعدد بعاطف وبدون عاطف على التحقيق. والفطرة مصدر بوزن فِعلة، مثل الخلقة، يقال: فَطَر اللهُ الإنسان، أي: خلقه.
ومعنى كون الدين فطرة أن ما يدعو إليه يناسب ما فُطر عليه الإنسان ولا يجافيه بحيث لا يلحق الإنسانَ من أحكام الإسلام حرجٌ ولا مشقة، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي الحديث: "إن هذا الدين يسر". (١) ولذلك بين الله تعالى كونَ الدين فطرةً بقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: خلقهم قابلين لأحكام هذا الدين وتعاليمه، صالحين للعمل بها في نظام أمورهم وحياتهم؛ لأنها تساوي العملَ السليم والفكر الصحيح.
وبيانُ ذلك أن الفطرة هي النظام الجبلي الذي أوجده الله في الإنسان جسدًا وعقلًا. فمشيُ الإنسان على رجليه فطرة جسدية، فلو حاول أن يتناول الأشياءَ برجليه كان محاولًا خلافَ الفطرة الجسدية. واستنتاجُ المسبَّبات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرةٌ عقلية، فإن حاول الإنسانُ استنتاجَ أمر من غير سبب كان محاولًا خلاف الفطرة العقلية. وجزْمُنا بأن ما نبصر من المبصَرات هو حقائقُ ثابتة في عالم الوجود فطرة عقلية، ولكن إنكار السوفسطائية ثبوتَ المحسوسات في نفس الأمر تحريف للفطرة العقلية. وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة، فقال:
_________________
(١) جزء من حديث رواه بهذا اللفظ النسائي عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إنّ هَذَا الدّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادّ الدّينَ أَحَدٌ إلّا غَلَبَه، فَسَدّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَيَسّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرّوْحَةِ، وَشَيْء مِنَ الدَّلْجَةِ". النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني: سنن النسائي، نشرة بعناية أحمد شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٢/ ٢٠٠٢)، "كتاب الإيمان وشرائعه"، الحديث ٥٠٤٤، ص ٨٠٦. ورواه البخاري بدون حرف اسم الإشارة "هَذَا" بلفظ: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"، صحيح البخاري، "كتاب الإيمان"، الحديث ٣٩، ص ١٠. وقد جاءت في معناه روايات كثيرة تنظر في مواضعها من مدونات الحديث.
[ ١ / ٦٧ ]
"ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسانُ نفسَه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا، ولم يعتقد مذهبًا، ولم يعاشر أمة، ولم يعرف سياسة. لكنه شاهد المحسوسات، وأخذ منها الخيالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشكُّ فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشكُّ فهو ما توجبه الفطرة. وليس كلُّ ما توجبه فطرةُ الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرةُ القوة التي تسمى عقلًا.
وأما فطرةُ الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة. وإنما يكون هذا الكذبُ في الأمور التي ليست بمحسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات. . . فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجب التصديقَ بها إمَّا شهادةُ الكل، مثل أن العدل جميل، وإما شهادةُ الأكثر، وإما شهادةُ العلماء والأفاضل منهم. . . وليست الذائعاتُ من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديقُ بها في الفطرة. فما كان من الذائعات ليس بأولِيٍّ عقليٍّ ولا وهمي، (١) فإنها غيرُ فطرية ولكنها متقررةٌ عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبةُ التسالُمِ والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كونُ القول في نفسه ذا شرطٍ دقيق لأَنْ يكونَ حقًّا (٢) صرفًا، فلا يُفطن لذلك الشرط، ويؤخذ على الإطلاق". (٣)
_________________
(١) كذا، فإن لم يكن تحريفًا فالظاهر أنه أراد بالوهمي الاعتباري لا ما تدركه القوةُ الواهمة. - المصنف.
(٢) قوله: "لأن يكون حقًّا" متعلقٌ بشرط دقيق. - المصنف.
(٣) ابن سينا، أبو علي الحسين: النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق عبد الرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل، ١٤١٢/ ١٩٩٢)، ج ١، ص ٧٩ - ٨٠. حاولنا الاعتمادَ في توثيق كلام الشيخ الرئيس على نشرة ماجد فخري لكتاب النجاة فهي أكثر دقة من نشرة عميرة، إلا أننا ألفينا فيها اضطرابًا في بعض جمله لم نهتد إلى وجه تقويمه، واختلافًا عما ساقه المصنف لم نتبين منشأ حصوله: أهو اختلاف النسخ المعتمدة في التحقيق أم سهو من المحقق. انظر كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، تحقيق ماجد فخري (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، ط ١، ١٤٠٥/ ١٩٨٥)، ص ٩٩ - ١٠٠. وانظر له كذلك: الإشارات والتنبيهات، تحقيق سليمان دنيا (القاهرة: دار المعارف، ط ٣، ١٩٨٣)، القسم الأول، ص ٣٥٠ - ٣٥٦.
[ ١ / ٦٨ ]
فوصفُ دين الإسلام بأنه فطرةُ الله معناه أن أصولَ الاعتقاد جاريةٌ على مقتضى الفطرة العقلية، وأن تشريعَه جارٍ على وَفق ما يدرك العقلُ فائدتَه، ويشهد بصلاحه، وأن النواهي والزواجر وقوانين المعاملات جاريةٌ على ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب صلاح المجتمع محبوب في الفطرة.
[ومعنى وصف الإسلام بأنه "فطرة الله" أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة. ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تُركت الفطرةُ وشأنها لما شهدت بها ولا بضدها. فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك الحياء والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة. وقد كان بعض الحكماء معروفًا بالوقاحة والسلاطة، مثل الحكيم ديوجينوس اليوناني. ولكنا نجد الحياء محبوبًا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم. فلذلك كان من شعار الإسلام؛ ففي الصحيح أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء (أي: ينهاه عما تلبس به من الحياء)، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعه، فإن الحياء من الإيمان". (١) فلم تسلم حكمة أصحاب الشدة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
_________________
(١) الإمام مالك بن أنس: الموطأ برواياته الثمانية، تحقيق أبي أسامة سليم بن عيد الهلالي السلفي (دبي: مجموعة الفرقان التجارية، ١٤٢٤/ ٢٠٠٣)، "كتاب الجامع"، الحديث ١٧٩١، ج ٤، ص ٢٩٩ (من رواية أبي مصعب الزهري وسويد بن سعيد، وخرجه ابن وهب في جامعه، قال: أخبرني مالك بن أنس به)؛ صحيح البخاري، "كتاب الأدب"، الحديث ٦١١٨، ص ١٠٦٦؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ٥٩، ص ٣٩ (بدون لفظ: دعه).
[ ١ / ٦٩ ]
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فُطر عليه العقل، ولكنها مما عرض للفطرة عروضًا كثيرًا حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات. وإنما كان عروضُها للفطرة بسوء استعمال العقل وسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات. بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشدَّ بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهلَ العقول الراجحة في سلامة منهما]. (١)
ولهذا فإن شواهدَ الفطرة قد تكون واضحةً بينة وقد تكون خفية، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بما ليس فطريًّا، فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء أهلُ النظر، الذين تمرسوا بممارسة الحقائق والتفريق بين متشابهاتها، وسبر أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زمانًا لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسَهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء.
إن المجتمع الإنساني قد مُنِيَ بأوهام وعوائد وبمألوفات أدخلها عليه أهلُ التضليل، فاختلطت فيه بالعلوم الحقة، وتقاول الناس عليها، وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاقَ العنكبوت ببيته. فتلك التي يخاف منها أن تلقى بالتسليم على مرور العصور، فيعسر إقلاعُهم عنها وإدراكُهم ما بينها من انحراف عن الحق. فليس لتمييزها إلا أهلُ الرسوخ، أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ سبيل، واستوضحوا خطيرَها فكانوا للماشين خير دليل.
وكونُ الإسلام دينَ الفطرة وصفٌ اختُصَّ به الإسلامُ من بين سائر الأديان؛ لأن مسايرته الفطرة مطردة في أصوله وفروعه. وأما سائر الأديان فقد بُنيت أصولُ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين مأخوذٌ من كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للمصنف، تحقيق محمد الطاهر الميساوي (عمَّان: دار النفائس، ط ٢، ١٤٢١/ ٢٠٠١)، ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ١ / ٧٠ ]
الاعتقاد فيها على مراعاة الفطرة، ولم يطرد ذلك في شرائعها الفرعية. وهذا ما أفاده قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]؛ لأن الله جعله خاتمة الأديان وجعله باقيًا في جميع العصور وصالِحًا بجميع الأمم، فجعله مساوقًا للفطرة البشرية ليكون صالِحًا للناس كافة، وللعصور عامة. وفي قوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، بيانٌ لوجه الإضافة في وصفه بفطرة الله، وتصريحٌ بأن الله خلق الإنسان سليم العقل مما ينافي الفطرةَ من العقائد الضالة والعوائد الذميمة، وأن ما يدخل عليها من ذلك ما هو إلا من جراء التلقي الضال والتعود الذميم.
وقد قال النبي - ﷺ -: "يولد الولد على الفطرة، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". (١) روى مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي أن النبي - ﷺ - قال فيما يرويه عن ربه: "وإنِّي خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتالَتْهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أَحلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزِل به سلطانًا". (٢) لهذا كان قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]،
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما جاء عند البخاري وغيره عن أبي هريرة: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، إلخ"، صحيح البخاري، "كتاب الجنائز"، الحديثان ١٣٥٨ - ١٣٥٩، ص ٢١٧ والحديث ١٣٨٥، ص ٢٢٢؛ "كتاب التفسير"، الحديث ٤٧٧٥، ص ٨٣٩؛ "كتاب القدر"، الحديث ٦٥٩٩، ص ١١٤١؛ صحيح مسلم، "كتاب القدر"، الحديث ٢٦٥٨، ص ١٠٢٤؛ الموطأ، "كتاب الجنائز"، الحديث ٦٢٤، ج ٢، ص ٢٢٢ - ٢٢٣. وجاء عند مالك بلفظ: "كل مولود". هذا وللحديث بقية وعدة روايات أخرى متقاربة الألفاظ، ليس هنا مقام استقصائها.
(٢) جزء من حديث عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حِمار المجاشعي، أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربِّي أمرنِي أن أعلِّمَكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كلُّ مال نحلته عبدًا حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتليَ بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرنِي أن أُحرّقَ قريشًا، فقلت: رب، إذًا يثْلَغُوا رأسي فيَدَعُوهُ خبزة، قال: استَخْرجْهُمْ كما استَخْرجوك، واغْزُهُمْ نُغزك، =
[ ١ / ٧١ ]
مُقَرَّرًا لكون هذا الدين فطرةَ الله، أي: لا تبديلَ في أحكامه لِمَا خلق الله الناس عليه.
وقد حصل من مجموع هذه الوصاة والصفات التي تضمنتها الآية إيذانٌ بفضل هذا الدين ومزيته على سائر الأديان الحقة الماضية بطريقة الكناية العرضية، فكان من مزيد العناية بتشريفه إفادةُ هذا التفضيل بصريح المقال فذيل الكلام بقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فلاسم الإشارة وقعُه البليغ من الإشعار بتعظيم المشار إليه؛ إذ جعل بمرتبة البعيد بُعد رِفعةٍ وعلو، على حد [قوله تعالى:] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]، والمعنى هو الدين القيم.
و"القيِّم" وصفٌ على صيغة فيعل، وهي أشد مبالغة من صيغة فَعَل، مثل هيِّن وليّن. فيفيد قوةَ معنى الوصف فيه وهو القيام، أعني القيام المجازي الذي هو ضد الاعوجاج، يقال: عود مستقيم وقيم. فوصف الدين بالقيم هنا استعارةٌ بتشبيه الدين بالعود المستقيم في انتفاء العيب عنه والخطأ، تشبيهًا للمعنى المعقول بالشيء المحسوس.
وموقعُ الاستدراك بـ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] تبيينُ أن إعراضَ أكثر الناس عن هذا الدين، ليس لكون الأديان الأخرى أرجحَ منه في صلاح الناس، ولأجل شدةٍ أو إرهاقٍ في تشريعاته، بل لأن المعرضين عنه لا علمَ عندهم، فأزال هذا الاستدراكُ ما قد يتوهمه مَنْ تغرُّه كثرةُ المنصرفين عنه فيخالهم انصرفوا عنه على بصيرةٍ في أحواله وتدبُّرٍ في مراميه. والمراد بأكثر الناس المشركون وغيرهم مِمَّن يُدعون إلى الإسلام فيعرضون عن قبوله.
_________________
(١) = وأَنْفقْ فَسَنُنْفق عليك، وابعثْ جيشًا نَبعَثْ خمسةً مثلَه، وقاتل بِمَنْ أطاعك مَنْ عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسطٌ مُتَصدّقٌ مُوَفَّق، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم، وعفيفٌ مُتَعَففٌ ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغونَ أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك". صحيح مسلم، "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها"، الحديث ٢٨٦٥، ص ١٠٩٨.
[ ١ / ٧٢ ]
وفعل ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ مُنَزَّلٌ منزلةَ اللازم، فلا يقدر له مفعول، ولا يُطلب دليلٌ على تقدير مفعوله. فإذن يكون مفاد نفي العلم عنهم أنهم فاقدون العلم، فلذلك لم تبلغ مداركُهم إلى إدراك الدلائل الواضحة في أحوال هذا الدين حيثما توجد. فلذلك كان ما عندهم من الإدراك والعقل شبيهًا بالعدم، فنفي العلم على سبيل المبالغة؛ إذ اعتبار الأوصاف بآثارها. (١)
_________________
(١) انظر بحثًا عميقًا في مفهوم الفطرة وأبعادها المختلفة في: الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط ١، ١٤١١/ ١٩٩١)، ج ١٦، ص ١٩٥ - ١٩٩؛ الجواهر النورانية في العلوم والمعارف الإنسانية، نشرة بعناية رضوان سعيد فقيه (بيروت: دار المحجة البيضاء، ط ١، ١٤٢٦/ ٢٠٠٥)، ص ٢٢٩ - ٢٦٦ و٣٣٩ - ٣٤٣.
[ ١ / ٧٣ ]