ولقد أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه يعجب من صنيع الأنصار بالمهاجرين وإكرامهم لهم وإيوائهم إياهم، فكان يقول: إن مثلنا ومثل إخواننا من هذا الحي من الأنصار كما قال الأول: أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت وهذه تزكية لهم من الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهؤلاء الأخيار أخبر النبي عنهم ﷺ أنهم سيجدون أثرة بعده، فلم يول أنصاري إمرة بعد رسول الله ﷺ، ووعدهم ﷺ الحوض، وسيأتي الحديث عنه.
وفي غزوة حنين لما جمعت الغنائم قسّمها ﷺ على أقوام يتألف بها قلوبهم إلى الإسلام، ولم يعط الأنصار شيئًا، فوجدوا في أنفسهم شيئًا على رسول الله ﷺ، فلقي ﵊ سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه فقال له ﵊: (ما مقالة بلغتني عنكم يا سعد؟) فأخبره سعد بالأمر، فقال ﵊: (وأنت ماذا تقول؟) قال: يا نبي الله وهل أنا إلا رجل من قومي؟! فقال: (اجمع لي الأنصار في حظيرة) أي: في مكان مسور، فلما جمعوا قال ﷺ: (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله، وعالة وأغناكم الله؟) وأخذ يعدد ما أفاء الله به عليهم بسبب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وهم يقولون: لله ولرسوله المن والفضل.
فقال: (ألا تجيبونني؟) فقالوا: بماذا نجيبك يا نبي الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: (أما إنكم لو قلتم لصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فأغنيناك) وذكر غير ذلك مما من الله به على رسوله بسبب الأنصار، ثم قالوا: لله ولرسوله المن والفضل، فقال ﷺ يخاطب تلك القلوب المؤمنة: (يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟) فقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمًا وحظًا.
[ ٣ / ١١ ]