يحتل التاريخ حيزًا صغيرًا بين مؤلفات ابن حزم على غزارتها ووفرتها، وخاصة إذا قورن بمعاصره ابن حيان، فهو لم يتوفر على الكتابة في التاريخ بمعناه الشمولي، ولا على تفسير التاريخ بحسب منهج منظم، وإنما اقتصر جهده - في حدود ما نعرفه من أسماء مؤلفاته - على ملخصات مركزة موجزة مثل: جوامع السيرة، جمل فتوح الإسلام، أسماء الخلفاء؛ ولعله سار في كتابين آخرين له على مثل هذا المنهج أو شيء شبيه به، أعني كتاب " ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس " (١)
وكتاب " غزوات المنصور بن أبي عامر " (٢)؛ كما شمل جهده أيضًا نوادر الأخبار حسبما تدل عليه رسالته " نقط العروس "؛ فإذا وسعنا من مدلول التاريخ ليشمل علم النسب أضفنا إلى كتبه هذه كتاب " جمهرة أنساب العرب " (وهو على ضخامته النسبية يعد " تلخيصًا " لكتب مشرقية في هذا العلم مع إضافة ما جد من أنساب أندلسية وبربرية) وكتاب " نسب البربر " (٣) وربما كان قطعة مستخرجة من الجمهرة؛ حتى إذا زدنا في توسيع مدلول التاريخ ذكرنا مع هذه المؤلفات السابقة كتابه " الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها ". وهو عنوان غامض، وربما كان مضطربًا، وأكبر الظن أنه يشير إلى اسمي كتابين اختلطا معًا، يمثل أحدهما " الإمامة والسياسة " ويمثل الثاني مجموعة من الكتب المركزة الموجزة، ويعد جوامع السيرة فيه " المرتبة الرابعة " (٤) .
_________________
(١) رسائل ابن حزم، الجزء الأول: ١١ (رقم: ١٧) .
(٢) المصدر السابق: ١٣ (رقم: ٦١) .
(٣) النصدر نفسه (رقم: ٤٩) .
(٤) حين نشرنا هذا الكتاب أنا والصديق الدكتور ناصر الدين الأسد وجعلنا عنوانه " جوامع السيرة " لم نخترع هذا العنوان من عند أنفسنا (كما زعم الدكتور صلاح الدين المنجد، انظر مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد ٣٤/ ٢ (١٩٥٩) ص ٢٩٢) بل وجدناه عند الكتاني في التراتيب الإدارية (المقدمة ص: ٤٢) والكتاني نقله عن كتاب الخزاعي تخريج الدلالات السمعية (انظر ص: ١٨٤ مثلًا من الطبعة التونسية) وقد زضحنا ذلك في المقدمة (ص ١٥) ولم نترك الأمر ملتبسًا، ورجحنا هذه التسمية لكونها أدق على طبيعة الكتاب فتسمية الذهبي للكتاب: السيرة النبوية لا تنقض ما ذكره الخزاعي كما لا ينقضها ما ذكره الخزاعي، وأسماء الكتب تتعرض للإيجاز عند النقل وبعض التحوير لشهرتها، فهذا الخزاعي نفسه ينقل عن كتاب ابن حزم الذي يحمل عنوان " جمهرة أنساب العرب " ويسميه " الجماهر " والأمثلة على ذلك كثيرة تعز على الحصر. وقد ذكر الدكتور المنجد (مجلة معهد المخطوطات، المجلد الثاني (١٩٥٦) ص: ١٩٠) أنه وجد على أول ورقة من النسخة التونسية " المرتبة الرابعة في نسب رسول الله وسيره ومغازيه وجمل من التاريخ " وكذلك وجدت مثل هذا العنوان على نسخة برلين (ولم تكن النسختان متوفرتين لدينا حين تحقيق الكتاب) وهذه التسمية هي التي جعلتني أقول أن عنوان " الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها الخ " عنوان مضطرب. لأن لفظة " مراتبها " تتفق مع عنوان النسختين البرلينية والتونسية.
[ ٢ / ٧ ]
كذلك لا تنتقض هذه الحقيقة - أعني احتلال الترايخ لحيز صغير في مؤلفات ابن حزم - حتى لو أضفنا إلى الكتب السابقة تلك الشذرات التاريخية المنسوبة إليه في المصادر وتلك النظرات التاريخية في رسائله، فهي تؤكد اهتمامه بالروايات التاريخية أكثر من انشغاله بالتأليف في التاريخ.
غير أن للتاريخ مكانة هامة في نظر ابن حزم، فهو يقف مع القائلين بأن التاريخ " علم " ذو خصائص وغايات متميزة، مثل المسعودي (١) وإخوان الصفا (٢) والخوارزمي (٣) وغيرهم (٤)، وينفرد ابن حزم بتصوره الخاص للعلوم وموقع التاريخ بينها، فهو يرى أن العلوم سبعة عند كل أمة وهي: علم شريعتها، وعلم أخبارها، وعلم لغتها - وفيها تتميز كل أمة - ثم علم النجوم وعلم العدد وعلم الطب وعلم الفلسفة
_________________
(١) قال المسعودي في التاريخ أنه علم يستمتع به العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستطرف، ومكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس، وآداب سياسة الملوك وغيرها منه تلتمس، يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والبادي والحاضر، والموجود والغابر، وعليه مدار كثير من الأحكام، وبه يتزين في كل محفل ومقام (الإعلان بالتوبيخ: ١٧ ط، مصر ١٣١٧ وعلم التاريخ عند المسلمين: ٤٠٦ - ٤٠٧) .
(٢) قسم إخوان الصفا العلوم في ثلاثة أقسام كبرى يتفرع عن كل قسم عدة علوم، وتلك الأقسام هي: الرياضة والشرعية الوضعية والفلسفية الحقيقية؛ وتحت الرياضة نقع تسعة علوم يجيء علم السير والأخبار في آخرها (رسائل إخوان الصفا ١: ٢٦٦ - ٢٦٧) .
(٣) عد الخوارزمي " التاريخ " أو " الأخبار " آخر علوم العرب الستة وهي الفقه والكلام والنحو والكتاب والشعر والأخبار. (انظر مفاتيح العلوم: ٥، ٦٢) .
(٤) لا نجد تحديدًا لمفهوم " التاريخ " لدى الدينوري (إذ لم يكتب مقدمة للأخبار الطوال) والطبري واليعقوبي (الذي سقطت مقدمة كتابه) من المؤرخين المشارقة الذين ظهروا قبل ابن حزم؛ كما أن الفارابي في إحصاء العلوم لا يفرد التاريخ وإنما يمكن أن يستنتج من بعض ما ورد لديه أن يدرجه ضمن العلم المدني السياسي (انظر إحصاء العلوم: ١٠٤ - ١٠٦) .
[ ٢ / ٨ ]
وفيها تتفق الأمم كلها (١) . وينقسم علم الأخبار على مراتب فهو إما أن يدور على الممالك أو على السنين وإما على البلاد وإما على الطبقات أو منثورًا (٢) . ثم يتحدث ابن حزم عن التاريخ بحسب الأمم، وبينا يقتصر الخوارزمي في مفاتيح العلوم على ذكر الفرس وعرب الجنوب وعرب الشمال والروم واليونانيين نجد ابن حزم يستقصي ذكر الأمم المختلفة، مميزًا بين التواريخ المتصلة بها دون أن يلحظ الفرق بين اليونان والرومان، فيسمي الفريقين باسم الروم، وهذه هي الأمم التي يشمل تواريخها بالتعليق:
١ - الأمة الإسلامية: وتاريخها الذي يشمل مبدأها وفتوحها وأخبار خلفائها وملوكها والمنتزين عليهم وعلماءها.. الخ، هو أصح التواريخ.
٢ - بنو إسرائيل: تاريخهم أكثره صحيح وفي بعضه دخل، وإنما يصح منه أخبارهم منذ أن صاروا بالشام إلى حين خروجهم عن تلك البلاد آخر مرة.
٣ - الروم: يصح تاريخهم ابتداء من عهد الإسكندر.
٤ - أمم الشمال من ترك وخزر وغيرهم: لا تواريخ لهم.
٥ - أمم السودان: لا تواريخ لهم.
٦ - الهنود والصينيون: يقر ابن حزم أن أخبارهم لم تصلنا كما نريد، ولكن لهم تاريخًا لأنهم أصحاب ضبط وتواليف وجمع.
٧ - الأمم الداثرة كالقبط واليمانيين والسريانيين والاشمانين وعمون ومآب: دثرت أخبارهم ولم يبق منها إلا تكاذيب وخرافات.
٨ - الفرس: لا يصح شيء من أخبارهم قبل دارا (انظر رقم ٣) وأصح أخبارهم ما كان من عهد أردشير (٣) .
وهذه الأحكام نتيجة جهد بذله ابن حزم في الاطلاع والبحث عن تواريخ الأمم، ولهذا فهو ينصح دارس التاريخ بأن يعتمد هذه النتيجة، فلا يضيع وقته في البحث عما لم يصح من التواريخ، إلا إذا أحب التعب لنفسه، فإنه عندئذ سينتهي إلى ما انتهى إليه ابن حزم.
_________________
(١) رسالة في مراتب العلوم (في رسائل ابن حزم، ط. القاهرة (١٩٥٤)، ص: ٧٨) .
(٢) المصدر السابق.
(٣) رغم هذا الوضوح التفصيلي الذي قد يكون ابن حزم مخطئًا في بعض أجزائه، من الغريب أن نجد الأستاذ فرانتز روزنتال يقول: " وإذا صدقنا ابن حزم فإن معظم المعلومات التاريخية التي نقلت إلينا مشكوك في صحتها وأن الإسلام وحده [كذا] يمكن اعتباره معرفة موثوقة " (علم التاريخ عند المسلمين: ٥٥) .
[ ٢ / ٩ ]
أما علم النسب فإنه يعده جزءًا من " علم الخبر " (١) وهو يدافع بقوة عن هذا الجزء. ويرد قول من قال: علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر، ويبين منافعه المتعددة (٢) .
ويحدد ابن حزم الغايات التي يمكن أن يحققها الاطلاع على تواريخ الأمم بما يلي:
١ - التزهيد في الدنيا: بمعرفة تقلبها بأهلها، ومصاير الملوك الظالمين الذين لم ينفعهم حشدهم للأموال والجيوش.
٢ - القدوة الحسنة: إذ يقف المرء على حمد المتقين الأخيار للفضائل فيرغب فيها ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها؛ ويقرأ أخبار الصالحين فيجب أن يكون منهم وأخبار المفسدين فيمقت طرائقهم.
٣ - العبرة بالفناء، ودثور الحصون والمدائن وتعاقب الأجيال، وانتقال الأحوال من عمران إلى خراب.
٤ - تمييز الصواب من الخطأ في الأخبار: فحين تتناصر التواريخ على تفاوت الأزمان والديانات في نقل قصة، فهي حق، وحين يحدث الخلاف، يدري دارس التاريخ أن القصة مضطربة.
٥ - المتعة والرياضة والتنشيط: وذلك لأن علم الأخبار سهل، وعلى الإنسان أن يتعمد قراءته وقت سآمته من درس العلوم الأخرى أو وقت فراغه من العمل فيها. وكل هذه الأغراض يدل على أن التاريخ عند ابن حزم هام جدًا في بناء شخصية الفرد، من الوجهة الأخلاقية والنفسية، خصوصًا وأن دارسه لا يحتاج فيه إلى شيخ يوجه خطاه، بل يستطيع أن يعتمد على نفسه في طلبه (٣) .
وقد توفرت لابن حزم أكثر الوسائل التي تلزم المؤرخ، وفي مقدمتها سعة الاطلاع على المؤلفات التاريخية ومناهجها المختلفة ومنازعها المتعددة، ولقد حاول الدكتور عبد الحليم غويس في كتابه القيم " ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي
_________________
(١) المصدر السابق: ٧٩.
(٢) جمهرة أنساب العرب: ٣ - ٦.
(٣) تتردد الأغراض التي ذكرها ابن حزم عند المؤرخين الذين جاءوا بعده، انظر الإعلان بالتوبيخ: ٢١ وما بعدها (علم التاريخ عند المسلمين: ٤١٢ وما بعدها) حيث ترد آراء ابن الجوزي والعماد الأصفهاني وابن الأثير وسبط ابن الجوزي وغيرهم.
[ ٢ / ١٠ ]
والحضاري " أن يجمع أسماء الكتب التي اطلع عليها ابن حزم وأفادته في هذا المجال (١) . ولكن كل ما يمكن أن يعد في هذا المقام يبدو قاصرًا عن تصوير الحقيقة. إذ الواقع أن ابن حزم اطلع على أكثر ما دخل الأندلس من كتب تاريخية كتبها المشارقة. وعلى ما كتبه الأندلسيون أنفسهم، وذلك كله يصور مدى ما حصله في التاريخ الإسلامي بخاصة، فأما تواريخ الأمم الأخرى فيبدو أنه وقف فيها عند مصادر معينة، مثل التوراة والإنجيل وتاريخ يوسيفوس، والأرجح أنه قرأ تاريخ هوروشيوس الذي نقل عن اللاتينية في أيام عبد الرحمن الناصر كما كان واقفًا على التاريخ المعاصر راصدًا له أو مشاركًا في صنعه؛ وإلى جانب الاطلاع على المؤلفات اعتمد أيضًا على الروايات الشفوية، ولقاء الشيوخ ومحاورة الأقران، وكان لوالده أقوى الأثر في توجيهه نحو التاريخ، بحكم شخصه ومكانته: فهو مصدر هام لكثير مما نقله من روايات لم تكن تقف عند ظاهر الخبر، بل تفعل في نفسه فعلها، وإلى مثل ذلك يشير بقوله: " حدثني وهزني الوزير والدي نضر الله وجهه " (٢)، ولعل والده هو الذي نبه ذهنه إلى التقاط الغرائب والنوادر، لكثرة ما كان بقص عليه منها، ولمكانته في الدولة كان عارفًا بما يجري حوله من دقائق الأمور، كما أن تلك المكانة جعلت مجلسه حافلًا بشخصيات العصر، وفي ذلك المجلس استمع الابن إلى إلى الأحاديث الدائرة والروايات المختلفة، مثلما استمع إلى الشعراء وهم ينشدون المدائح في أبيه؛ وحين قضت الفتنة البربرية على ابن حزم بمفارقة قرطبة والتجوال في المدن الأندلسية، وسعت لديه مجال المشاهدة، مثلما كثرت من مصداره الشفوية، وأغنت خبرته بتجارب جديدة، ولو قيض لابن حزم أن يرحل إلى المشرق لتمرس بمزيد من الخبرة والاطلاع، ولأضاف إلى ثقافته عن طريق المؤلفات ثقافة عن طريق دراسة المجتمعات والعادات؛ ولا ريب في أنه حاول أن يستعيض عن خهذه الناحية بالإكثار من القراءة في مختلف العلوم فتكونت لديه حصيلة ثقافية متنوعة كان في مقدورها أن تمد مغرفته التاريخية بروافد متعددة (٣) .
_________________
(١) انظر ص: ١٤٨ - ١٦١ من الكتاب المذكور.
(٢) نقط العروس، الفقرة: ٧٦.
(٣) يقول ابن حزم في معرض الاطلاع والتجربة: " وقد شاهدنا الناس وبلغتنا أخبار أهل البلاد البعيدة وكثر بحثنا عما غاب عنا منها ووصلت إلينا التواريخ الكثيرة المجموعة في أخبار من سلف من غرب وعجم في كثير من الأمم " (الفصل ١: ١٧٥) .
[ ٢ / ١١ ]
وحين وردت هذه الروافد الثقافية على الذكاء الطبيعي والصبر على عناء الطلب. تولد عن اللقاء قوتان هما أهم ما يحتاج إليه المؤرخ من وسائل، وأعني يهما القدرة على التصور الصحيح، والنقد الدقيق.
أما في مجال التصور الصحيح فيمكن أن يقال أن ابن حزم لم يدرس الجغرافيا أو الاقتصاد دراسة منظمة، ولكن صحة تصوره هي التي هدته إلى أن يجعل من هذين قاعدة لفهم التاريخ أو مناقشة الروايات التاريخية: فهو حين يناقش ما ذكر عن أعداد بني إسرائيل في زمن داود (نصف مليون مقاتل من سبط يهوذا ومليون من تسعة أسباط أخرى وبقي سبطان لم يحص عددهما. هذا عدا الأطفال والنساء والشيوخ وسائر من لا يقدر على القتال) يقول: " البلد المذكور باق لم ينقص، ولا صغرت أرضه، وحده بإقرارهم في الجنوب: غزة وعسقلان ورفح وطرف من جبال الشراة بلد عيسو وحدّ ذلك البلد في الغرب البحر الشامي، وحده في الشمال صور وصيدا وأعمال دمشق التي لا يختلفون في أنهم لم يملكوا منها مضرب وتد وحد البلد المذكور في الشرق بلاد موآب وعمون وقطعة من صحراء العرب التي هي الفلوات والرمال " (١) هذا التصور للجغرافيا يؤدي إلى القول بأن تلك البلاد المذكورة لا يمكن أن تتسع لتلك الملايين، فإذا أضفت إلى ذلك ما جاء في سفر يوشع من أن المدائن التي سكنها عدد من الأسباط لا كلهم بلغت في الإحصاء الكلي أربعمائة مدينة سوى القرى التي لا يحصيها إلا الله ﷿ وجدت ابن حزم يقول: " فاعجبوا لهذه الشهرة أن تكون البقعة التي قد ذكرنا مساحتها على قلتها وتفاهتها تكون فيها هذه المدن " (٢) .
وتشترك العوامل الجغرافية والاقتصادية اشتراكًا يكاد يكون متلازمًا، فإذا قرأ ابن حزم في التوراة أن بني إسرائيل كانوا ساكنين في أرض قوس فقط وأن معاشهم كان من المواشي فقط وأن عددهم هنالك كان ستمائة ألف وثلاثة آلاف (سوى النساء والأطفال) احتكم إلى العاملين الجغرافي والاقتصادي فقال: مالذي يكفي هذا العدد إذا لم يكن لهم من مصدر للقوت والكسوة سوى المواشي " ثم اعلموا يقينًا أن أرض مصر كلها تضيق عن مسرح هذا المقدار من المواشي فكيف أرض قوس وحدها " (٣) . وإذا وقع في بعض الروايات على أن جباية سليمان كانت ٦٣٦٠٠٠ قنطار من ذهب رغم
_________________
(١) الفصل ١: ١٦٦.
(٢) الفصل ١: ١٦٨.
(٣) الفصل ١: ١٧٧.
[ ٢ / ١٢ ]
صغر المساحة التي تقع تحت حكمه قال: " فهذه الجباية التي لو جمع كل الذهب الذي بأيدي الناس لم يبلغها. من أين خرجت " (١) وإذا قرأ أن ملك السودان غزا بيت المقدس بمليون مقاتل: لم يكتف بالتكاء على عاملي الجغرافيا والاقتصاد بل أضاف إليهما عامل العلاقات السياسية فرفض الخبر (أ) لبعد المسافة وكون أكثرها مفاوز لا تتحمل جيشًا بذلك العدد (ب) ولا بد أن يمر هذا الجيش على مصر فكيف يستطيع ذلك " هذا ممتنع في رتبة الجيوش وسيرة الممالك ". (ج) ومن المستبعد أن يكون ملك السودان قد سمع بشيء اسمه بيت المقدس (٢) .
وصحة التصور هي المدخل للنقد الدقيق، وقد أفاد ابن حزم في هذه الناحية من رافدين ثقافيين على وجه الخصوص وهما طريقة أهل الحديث والفكر الفلسفي. وتعتمد طريقة أهل الحديث على نقد السند أي على التعديل والتجريح للرواة. ومن نافلة القول أن أؤكد هنا على أهمية الخبر بالنسبة للمذهب الظاهري، وكونه الدعامة الثاني - بعد القرآن - في ذلك المذهب؛ وهذا موقف يستدعي معرفة شاملة دقيقة لعلم الرجال، مثلما يفترض الحذر الشديد في تقبل الخبر، وفي هذه الناحية وضع ابن حزم بين المتعنتين في التوثيق، وانتقده بعضهم لارتكابه عدة أخطاء في حق رواة مشهورين وصفهم بأنهم مجهولون مثل الترمذي والبغوي وإسماعيل بن محمد الصفار وأبي العباس الأصم (٣)، حتى لقد قال ابن حجر في ترجمة الترمذي: " وأما أبو محمد ابن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: محمد بن هيسى بن سورة مجهول، ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ " (٤) كذلك أخذ عليه أنه يجهل من هو كدام بن عبد الرحمن السلمي (٥) ويخلط بين كثير بن زيد الأسلمي وكثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو ويقول في الثاني: ساقط متفق على اطراحه والرواية عنه، فيتعقبه البغدادي في ذلك (٦)؛ كما يتعقب الحافظ قطب الدين الحلبي
_________________
(١) الفصل ١: ٢١٩.
(٢) الفصل ١: ٢٢٠.
(٣) الإعلان بالتوبيخ: ١٦٨ (علم التاريخ عند المسلمين: ٧٢٢) وهو ينقل عن ابن حجر، انظر الحاشية التالية.
(٤) تهذيب التهذيب ٩: ٣٨٨.
(٥) تهذيب التهذيب ٨: ٤٣١.
(٦) تهذيب التهذيب ٨: ٤١٤ - ٤١٥.
[ ٢ / ١٣ ]
ثم المصري ما ورد من أخطائه في كتاب المحلى خاصة (١) . ولا مراء في أن ابن حزم قد وقع في أخطاء لدى قيامه بالتجريح والتعديل، ولكن لهذه الأخطاء تفسيرات مختلفة، وليس الجهل واحدًا منها، بل لقد أقر له من سجلوا عليه المآخذ، بأنه كان واسع الحفظ جدًا، إلا أنه لثقة (لسعة) حافظته، كان يهجم على القول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة فيقع له من ذلك أوهام شنيعة (٢) . ولكن هذه الثقة في الحفظ أو السعة فيه لا تفسر كل شيء، بل هناك أسباب أخرى مضافة إلى تلك الثقة حتى في حال وصفه لأحد المشهورين بأنه مجهول: فالخلاف في التعديل والتجريح يتسع إلى يقل معه الاتفاق بين العلماء بوجه إجماعي على توثيق أحد الرواة، وابن حزم في كثير من علمه في الرجال يعتمد على من سبقوه، فإذا اختار تجريح أحدهم فمعنى ذلك أنه - في أغلب الأحيان - اتبع في الحكم عليه أحد السابقين، ولذلك فليس حجة على ابن حزم أن يقال: فلان وثقه ابن معين أو عده ابن حبان في الثقات. فهذا محمد بن سليمان المشمولي المخزومي ذكره ابن حبان في الثقات، كما ذكره العقيلي والساجي والدولابي وابن الجارود في الضعفاء، فليس أحد الموقفين بملزم لابن حزم، وإنما هو يحكم رأيه فيما يراه مناسبًا، ولهذا يقول فيه: منكر الحديث (٣) .
_________________
(١) أورد ابن حجر (في لسان الميزان ٤: ٢٠١ - ٢٠٢) أمثلة مما أخذه عليه القطب، فمن ذلك عند إيراده حديث لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال: الرواية في هذا الباب ساقطة مطروحة مكذوبة، فذكر منها طريق يسار مولى ابن عمر عن كعب بن مرة وقال: يسار مجهول ومدلس، وكعب لا يدري من هو، قال القطب: يسار قال أبو زرعة مدني ثقة. وقال ابن حزم في حديث عائشة، قلت: يا رسول الله قصرت وأتممت وصمت وأفطرت قال: أصبت يا عائشة، انفرد به العلاء بن زهير وهو مجهول، قال القطب: أخرج الحديث النسائي والدارقطني وروى عن العلاء وكيع وأبو نعيم والفريابي وغيرهم وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن حزم في حديث أم سلمة: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب الحديث؛ عتاب: مجهول؛ قال القطب: أخرج الحديث أبو داود محمد بن عيسى بن الطباع عن عتاب وهو ابن بشير، عن ثابت بن عجلان عن عطاء عنها؛ وعتاب هو ابن بشير الجزري روى عنه إسحاق بن راهويه ومحمد بن سلام البيكندي وغيرهما، وأخرج له البخاري، وأخرج الحديث المذكور الحاكم في المستدرك، وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن حزم في الحديث الذي أخرجه النسائي من طريق المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع: كنا مع رسول الله ﵌ فقال لرجل: أدرك خالدًا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفًا؛ المرقع مجهول؛ قال القطب روى عنه ولده عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن أبي إسحاق وأبو الزناد وموسى بن عقبة، وذكره ابن حبان في الثقات، فليس بمجهول.
(٢) لسان الميزان ٤: ١٩٨.
(٣) لسان الميزان ٥: ١٨٦.
[ ٢ / ١٤ ]
ومن أهم أسباب الخلاف في التصحيف في أسماء الرواة (١)، وقلب النسب، أو الاختصار فيه أو سقوط بعض أجزائه (٢) أو التشابه في الاسم والنسب معًا (٣)؛ وعن هذه الطرق يدخل الوهم وتتباين الأحكام ويتسع مجال الاختلاف.
ومهما يكن سبب ما عد على ابن حزم من أخطاء، فإن ما يهمنا هنا هو المنهج الذي أمده به علم الحديث، وهو منهج يتحرى الدقة ويتشدد في محاكمة السند، وربما لم يحتج ابن حزم إلى كل ذلك في موقفه من الروايات التاريخية، ولكن روح المنهج الحديثي تلبست به ووجهت فكره، وسنى أثرها لديه فيما يلي عند الحديث عن أحكامه التاريخية.
ولو انفرد هذا المنهج في أثره لكان ابن حزم - في الأرجح - سلبي الموقف من التاريخ والروايات التاريخية، إذ لا يمكن أن يصل التحري هنا إلى ما يصل إليه في علم الحديث، ولكن ذلك المنهج توازى مع مؤثر آخر، هو تفتح فكره على الدراسات الفلسفية والمنطقية، فهذه الدراسات هي التي مهدت لديه تحكيم العقل في الرواية نفسها لا في رواتها، ورفضها على أساس عقلي، كما وسعت لديه الآفاق التي يستطيع أن يرودها بفكره، بحيث يتجاوز موقفه الظاهري الذي يحرص عليه في باب التشريع؛ وقد لحظ بعض الأقدمين هذه الازدواجية لديه فقال ابن كثير: " والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريًا حائرًا في الفروع لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات لأنه كان أولًا قد تضلع من علم المنطق " (٤)؛ وهذا الذي
_________________
(١) تصحف جميل بن كريب لدى ابن حزم فأصبح جميل بن جرير (لسان الميزان ٢: ١٣٥) وحبة بن مسلم فأصبح حبة بن سهل (٢: ١٦٦: ١٦٧) .
(٢) الأمثلة في ذلك كثيرة؛ فقد ذكر ابن حزم: نصر بن عاصم الأنطاكي وصحح له حديثًا في المحلى؛ والاسم خطأ وصوابه عبد الله بن نصر الأصم؛ فسقط عبد الله من النسب وصحف الأصم بعاصم (لسان الميزان ٦: ١٥٥) .
(٣) مثال ذلك عبد الله بن عمرو بن لويم، قال ابن حزم فيه: مجهول، وعده غيره في الصحابة، فقال ابن حجر معلقًا: " ثم ظهر لي أن ابن حزم ما عنى هذا وإنما عنى آخر يوافقه في الاسم والأب والجد " (لسان الميزان ٣: ٣٢١) .
(٤) البداية والنهاية ١٢: ٩٢ ومما لا ريب فيه أن ابن كثير كان معجبًا بابن حزم حتى أنه رأى الشيخ محيي الدين النواوي في المنام (ليلة الاثنين ٢٢ محرم ٧٦٣) فسأله: يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب شيئًا من مصنفات ابن حزم فقال ما معناه إنه لا يحبه، فقال ابن كثير: أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه، أما هو في الفروع فظاهري جامد لابس وفي الأصول تول مائع قرمطة القرامطة وهرمس الهرامسة قال ابن كثير: ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النجيل بل هي أردأ شكلًا منه لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي، فقلت له: هذه أرض ابن حزم التي زرعها؛ قلت: فانظر إلى دلالة هذا المنام ما أعمقها: ابن كثير حزين في دخلة نفسه لأن الشيخ لم يقتبس من مصنفاته ولكنه بقوة العامل الخارجي مدفوع إلى إنكاره وهو يكرر في المنام رأيًا جهر به في اليقظة، ثم يرى ما زرعه ابن حزم خضرة تسر النظر لكنه مدفوع إلى إنكارها لأن أرضها لا تستغل (حتى النواوي لم يستغلها) .
[ ٢ / ١٥ ]
يقوله ابن كثير يعد " ملمحًا " جيدًا وإن لم يثبت في بعض أجزائه للمناقشة، ولكنه يفتح الباب للقول بأن ابن حزم الذي أنكر العلل - مثلًا - في الشريعة إنما كان في محاكماته للأخبار التاريخية يبحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء تلك الأحداث والأخبار، وأنه كان يفيء إلى تحكيم العقل في طبيعة الخبر، إلى جانب اعتماد توثيق الرواة، حتى في بعض ما يدرجه غيره ضمن الأحاديث نفسها. ولنأخذ مثلًا واحدًا على ذلك وهو حديث " هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر " فقد رواه سليمان بن محمد الخزاعي عن هشام بن خالد عن بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة فرده ابن عبد البر بقوله: " سليمان لا يحتج به " أي أنه لم يقبل الحديث لضعف الراوي (١) . وقال فيه ابن حزم: وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله ﷺ وهذا باطل ببرهانين: أحدهما أنه لا يصح من جهة النقل أصلًا والثاني أن البرهان قد قام على أن علم النسب علم ينفع، وجهل يضر في الدنيا والآخرة ولا يحل لمسلم أن ينسب الباطل المتيقن إلى رسول الله ﷺ (٢)، فاتكأ على المنهجين معًا في رفضه أن يكون ذلك القول حديثًا.
كل تلك العوامل من سعة الاطلاع وخبرة بالإنسان وأحوال العمران الإنساني وصحة في التصور ودقة في النقد، النقلي والعقلي، كانت متوفرة لدى ابن حزم ليكون في طليعة المؤرخين، ولكنه لم يصبح كذلك، واكتفى بموقف هامشي للتاريخ في مؤلفاته، ولا بد أن يكون لهذه الظاهرة أسبابها. وفي مقدمة تلك الأسباب النظر إلى التاريخ على أنه أداة لا غاية في ذاته، وأنه يفيد في شيئين: التربية النفسية الأخلاقية، وخدمة الشريعة (كالحال في سائر العلوم عدا الشريعة) " فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلم غيره فقد أساء النظر وظلم نفسه، إذ آثر الأدنى والأقل منفعة على الأعلى والأعظم منفعة، فإن قال قائل إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته،
_________________
(١) لسان الميزان ٣: ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) الجمهرة: ٤.
[ ٢ / ١٦ ]
ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد " (١)، فكل العلوم ومنها التاريخ أدوات توصل في النهاية إلى الفوز والنجاة، وهي المطلب الأسمى، وذلك عن طريق ما تؤديه تلك العلوم من فهم للخالق وإقرار بالنبوة، وإسعاف على فهم علم الشريعة جملة؛ وقد بلغ ابن حزم هذا الموقف على أثر الإخفاق السياسي الذي منيت به الأندلس بعيد الفتنة البربرية، وإخفاقه هو في الاحتفاظ بالمجد الدنيوي أو في العمل السياسي، وفي ما أصبح يعانيه من وضع اقتصادي، وكان البديل عن كل ذلك زهدية معتدلة توجه خطواته، وتحدد غايته على نحو واضح، وهي التوجه الكلي إلى الآخرة، والإكباب على الشريعة وتسخير جميع القوى والروافد في خدمتها؛ وقد فعلت في نفسه تلك الكلمة التي سمع محمد بن إسحاق الزاهد يقولها لأبيه: " احرص على أن لا تعمل شيئًا إلا بنية فإنك تؤجر في جميع أعمالك، فإنك ترى ذلك في ميزان حسناتك " (٢)؛ وقد لقنته الفتنة درسًا عميقًا وأملت عليه قبول التقلب في ارتفاع وهبوط، دون تذمر أو شكوى، وكانت تعرض له تلك الحكمة التي سمعها من أبيه ذات يوم:
إذا شئت أن تحيا غنيًا فلا تكن (٣) على حالة إلا رضيت بدونها وأخذ يبحث في التاريخ عن النموذج الأعلى الذي تمثله هذه الحكمة، فوجده في الرسول، ولهذا لخص طريقته في الحياة بكلمات عميقة الدلالة: يلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره، ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابسًا، ومرة يأكل العناق المشوية يأخذ القوت ويترك الفضل، ويترك ما لا يحتاج إليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه (٤)
بل إن علم الشريعة نفسه الذي يرفده الاطلاع على سائر العلوم لا يطلب من أجل ذاته أو من أجل الدنيا، " واعلم أن من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة أو يكسب به مالًا فقد هلك، لأنه طلبه لغير ما أمره به خالقه أن يطلبه، لأن خالقنا، ﷿، إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط (٥) ".
_________________
(١) رسائل ابن حزم (١٩٥٤): ٧٤.
(٢) الجذوة: ٤١.
(٣) الصلة: ٣١.
(٤) رسائل ابن حزم (١٩٥٤): ١٤٣، والجزء الأول من رسائله (١٩٨٠): ٣٧٧.
(٥) رسائل ابن حزم (١٩٥٤): ٥٥ " من رسالة التوقيف على شارع النجاة ".
[ ٢ / ١٧ ]
لقد عاش ابن حزم لحظات " انحدار " التاريخ، في نفسه، التاريخ بمفهومه الكلي؛ فعلًا وفكرًا؛ وفي لحظة ذلك الانحدار نفسه عاش رجل وقف ملكاته على التاريخ جاعلًا منه وسيلة وغاية، وكان " رد الفعل " لديه على ذلك الانحدار أن توقف عن كتابة التاريخ كأنما تعطلت حركته جملة واحدة - أعني حركة التاريخ - ذلك هو ابن حيان الذي يقول: " وأنسأتني المدة إلى أن لحقت بيدي منبعث هذه الفتنة البربرية، الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للمملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أحوالها تعاظمًا أدلهني عن تقييدها، ووهمني ألا مخلص منها، فعطلت التاريخ إلى أن خلا صدر منها " (١) . ولقد كان إحساس الرجلين تجاه ذلك الانحدار متشابهًا، وإن اختلفا في السلوك العملي بعده، فقد عبر عنه ابن حيان بقوله في الفتنة: " فتمخضت عن الفاقرة الكبرى مما طوى بساط الدنيا وعفى رسمها وأهلك أهلها " (٢) وقال ابن حزم في ذهاب الدولة الأموية: " وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها " (٣) .
وكانت معاصرة ابن حيان لابن حزم تعطيه النموذج الكبير لمعنى التاريخ، فتقنعه بأنه ما دام قد آثر الشريعة لا يستطيع أن ينقطع للتاريخ كما فعل ابن حيان، ولعله أحس أنه لا يستطيع أن يزاحمه في ذلك الميدان؛ ثم إن علاقته التاريخية بالحاضر واهية الجذور، لأنها تتصل بالماضي وتعيش في ذكرياته، فالحاضر - على مستوى التاريخ - لا يمثل له إلا أحداثًا موصولة الأسباب بالفتنة التي قضت على وحدة الجماعة، وهو غير راضٍ عن تلك الأحداث وعن أصحابها في المجال السياسي؛ والحاضر - على مستوى الشريعة - هو العمل الدائب نحو المستقبل، للنجاة الذاتية ولنجاة الآخرين - إن أمكن -، وفي هذا الموقف يصبح التاريخ السياسي وما يتصل به " طغيانًا " مستمرًا وخروجًا عن الشريعة واغترارًا بالدنيا وتكالبًا عليها، مما هو سلبي خالص لا يفيد إلا في استلهام العبرة بهذا العبث الدائب. ولهذا كان ابن حزم غير راضٍ عن ملوك الطوائف قبل أن تحرق كتبه، وإن ألجأته الضرورات إلى العيش في كنف الصالحين منهم كأصحاب البونت أو كأحمد بن رشيق وزير مجاهد في ميورقة، فهو يقول في مفتتح إحدى رسائله: " اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم
_________________
(١) الذخيرة ١/٢: ٥٧٦.
(٢) الذخيرة ١/١: ٣٦.
(٣) البيان المغرب ٢: ٤٠.
[ ٢ / ١٨ ]
اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سببًا إلى انقراض أعمارهم وعونًا لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في هاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم " (١) ويقول في موضع آخر: " وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد، والذي ترونه عيانًا من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية وإباحتهم لجندهم قطع الطريق ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيمهم (٢) ثم يقول: " والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفًا من سيوفه " (٣) . ومن كان يحمل هذه النظرة، فإنه لا يرى في اللجوء إلى التاريخ " منقذًا " لنفسه ولغيره، بل هو يرى فيه تخليدًا لأعمالٍ ظالمة لا يقرها، ولا تضيف شيئًا كثيرًا إلى العبرة المستمدة من سير الظالمين على مدى العصور.
وليس من الغلو في الاستنتاج أن يقال إن اختيار ابن حزم للظاهر، إنما كان ثورة في الأساس على ما لا يرضاه من سلوك العلماء الذين يتقربون من الحكام؛ وليس معنى ذلك أن جميع العلماء - وخاصة المالكية - كانوا يفعلون ذلك، بل كان فيهم الصالحون الذين يشاركون ابن حزم في ثورته على الظلم ومبارحة الشريعة، ولكن اختياره للظاهر، يجعل أولئك الحكام في غير حاجة إليه، فيبعده عنهم ويبعدهم عنه، ويمكنه من الاستقلال العلمي والاقتصار على تخريج الطلبة، وهكذا اتخذ من التمذهب للظاهر حجابًا يحول بينه وبين تقديم الفتاوى لهم أو المشاركة في تسويغ أفعالهم؛ وقد لحظ هو وابن حيان معًا ظاهرة التعاون بين بعض رجال الدين والحكام فسمى هو مثل أولئك العلماء فساقًا ينتسبون إلى الفقه، ويلبسون جلود ضأن على قلوب
_________________
(١) الرد على ابن النغريلة: ٤٧.
(٢) الرد على ابن النغريلة: ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) المصدر السابق: ١٧٧.
[ ٢ / ١٩ ]
سباع، ويزينون لأهل الشر شرهم (١) . وقال ابن حيان يصف وحدة الحال بين الفريقين: " ولم تزل آفة الناس مذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم، الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها! " (٢) .
ومواطن اللقاء بين الرجلين متعددة، ولكن لا تلبث أن تفترق بهما الطريق، فأما ابن حيان فقد وسع من جنبات التاريخ ليصبح شاهدًا لا على عصره وحده، بل على تاريخ الأندلس كله، معتمدًا التفصيلات التي لا يكاد يضيع منها شيء (٣)، شاملًا بنظره جميع مظاهر الحياة الإنسانية، واقفًا في الوقت نفسه موقف الإدانة لعصره - كما فعل ابن حزم - إلا أنها إدانة شمولية موثقة بشواهدها. وأما ابن حزم فضاق نطاق التاريخ عنده - على معرفته الدقيقة بدقائقه وتفصيلاته - (وأكبر شاهد على ذلك نقط العروس)، ولذلك اكتفى بأن يستخدمه في غايات محددة لا يعدوها: منها الغاية التعليمية التي جعلته يتوفر على تلخيص ما لا بد للدارس من معرفته، فلخص السيرة والفتوح الإسلامية وأسماء الخلفاء في المشرق والمغرب ومدد حكم كل منهم، ولخص أنساب العرب والبربر في موجز جامع؛ ومنها الاستدلال بالتاريخ على القضايا المتصلة بالأديان وتواريخها، ولهذا لخص تاريخ اليهود - لا من أجل التاريخ نفسه، بل من أجل أن يثبت عدم التزام اليهود بالتوراة في أكثر العهود؛ ومنها إثارة النظر الإنساني إلى العجائب والنوادر، ولهذا ذهب يجزئ التاريخ في قضايا صغيرة مثيرة، فكتب " نقط العروس "؛ ولعله لم يخرج في تأريخه لغزوات المنصور بن أبي عامر عن روح الإيجاز التي سيطرت عليه في كتاباته التاريخية الأخرى.
وقد أثر فيه نهج المحدثين في الجرح والتعديل، فجعل أحكامه التاريخية نموذجًا
_________________
(١) المصدر السابق: ١٧٤.
(٢) الذخيرة ١/٣: ١٨٠ - ١٨١.
(٣) انظر مقدمة الدكتور مكي علي المقتبس (ط. مصر) ص: ٨٧ وبخاصة: ٩٨ حيث يتحدث عن اللقاء في النظرة إلى الفتنة بين ابن حزم وابن حيان.
[ ٢ / ٢٠ ]
آخر من هذا المنهج، إذ جنح إلى التركيب لا إلى التحليل، في الحكم على الأشخاص والعهود، وهو في هذا يتفق وابن حيان في الإدانة أو ما يسميه ابن بسام تسجيل المثالب (١)، ولكنهما يختلفان في الطريقة، إذ ما يزال ابن حيان مولعًا بالتحليل مستقصيًا فيما يقول، بينما يذهب ابن حزم إلى الإجمال. وقد نجد نماذج من ذلك في جميع الرسائل التي جمعت معًا في هذا الجزء، ولهذا يكفي في مقام الاستشهاد أن أورد أمثلة قليلة.
فمن أحكامه على الأشخاص قوله في الحكم الربضي: " وهو الذي أوقع بأهل الربض، وقتل الفقهاء والخيار وخصى عددًا من ذوي الجمال من أهل قرطبة وهدم الديار والمساجد وولى ذلك رجلًا نصرانيًا كان أثيرًا عنده اسمه ربيع " (٢) . وذكر الأمير عبد الله بن محمد فقال: " كان قتّالًا تهون عليه الدماء، مع ما كان يظهره من عفته، فإنه احتال على أخيه المنذر لما قصده بالعسكر، وواطأ عليه حجامًا سم المبضع الذي فصده به، ثم قتل ولديه معًا بالسيف واحدًا بعد واحد وقتل أخاه القاسم ثالثهم، إلى من قتل من غيرهم ". (٣) ويقول في سليمان بن الحكم المتلقب بالمستعين: " وهو الذي كان شؤم الأندلس وشؤم قومه، وهو الذي سلط جنده من البرابرة فأخلوا مدينة الزهراء وجمهور قرطبة حاشا المدينة وطرفًا من الجانب الشرقي، وأخلوا ما حوالي قرطبة من القرى والمنازل والمدن وأفنوا أهلها بالقتل والسبي وهو لا ينكر ولا يغير عليهم شيئًا " (٤) إلى أمثلة أخرى كثيرة لا مجال لاستقصائها.
ومن أحكامه على العهود والدول قوله الجامع في وصف الدولتين الأموية والعباسية: " وانقطعت دولة بني أمية، وكانت دولة عربية لم يتخذوا قاعدة، إنما كان سكنى كل امرئ منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل الخلافة، ولا أكثروا احتجان الأموال ولا بناء القصور، ولا استعملوا مع المسلمين أن يخاطبوهم بالتمويل ولا التسويد ويكاتبوهم بالعبودية والملك، ولا تقبيل الأرض ولا رجل ولا يد، وإنما كان غرضهم الطاعة الصحيحة من التولية فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض،
_________________
(١) هذا لا يعني أن ابن حزم أو ابن حيان لم يكن يسجل إلا المثالب، ولكن ابن بسام حين جمع هذه المثالب في نطاق وهو يترجم لابن حيان أعطاها بروزًا صارخًا لا يقف إلى جانبه شيء آخر.
(٢) الجمهرة: ٩٥ - ٩٦.
(٣) أعمال الأعلام (بروفنسال): ٢٦.
(٤) الجمهرة: ١٠٢.
[ ٢ / ٢١ ]
إلى أن تغلب عليهم بنو العباس بالمشرق، وانقطع بهم ملكهم، فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس، وملكها هو وبنوه، وقامت به دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة، فلم يك في دول الإسلام أنبل منها، ولا أكثر نصرًا على أهل الشرك، ولا أجمع لخلال الخير، وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها. وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس وكانت دولتهم أعجمية، سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ملكًا عضوضًا محققًا كسرويًا " (١) .
وفي مثل هذا الحكم على الدول يتضح " الجانب التركيبي " في نظرات ابن حزم، بحيث يستطيع المرء أن يحل هذه المركبات في بحوث مفردة، وتبدو في ذلك مهارة ابن حزم في انتقاء السمات المميزة، مثلما يبدو جانب هام آخر من حس المؤرخ لديه، وذلك أنه لا ينظر إلى منجزات الدولة الواحدةنظرته إلى بعض الأفراد من ذوي المسؤولية فيها، وإنما يرى هذه المنجزات من منظار المميزات الكبرى، وتلك تتجلى في ما أصاب الجماعة من خير، فقد يعيب هو الوليد بن عبد الملك ويصفه بالطغيان (٢) أو يعيب مروان بن الحكم ويتهمه بأنه شق عصا الجماعة ويقول فيه: " مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵄ " (٣) ولكنه يبرز الخصائص الإيجابية التي تتميز بها الدولة الأموية بكلمات دقيقة دالة، ولا يضع سيئات الأفراد على كاهل الدولة كلها.
ومع ذلك نجد ابن حيان يقول فيه: " وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم، وانحرافه عمن سواهم من قريش حتى نسب إلى النصب لغيرهم " (٤) . وهذه المقولة تستحق نقاشًا متأنيًا، وأول ما يجب أن نقف عنده لفظة " تشيعه "، فهذه اللفظة تدلُّ على الموالاة والمحبة والتقدير، دون أن يدخل فيها معنى العصبية التي قد تؤسس أحيانًا على غير حق وتصبح تعصبًا؛ وهذا " التشيع " يتفق وما قلناه عن تقديره لدور الدولة جملة، ولكنه لا يعني إغماض الطرف عن سيئاتها وعن سيئات القائمين على أمورها؛ ويكفي
_________________
(١) البيان المغرب ٢: ٣٩ - ٤٠.
(٢) نقط العروس، الفقرة (ف): ٢٢، ص: ٧١.
(٣) مقدمة جوامع السيرة: ١٢ - ١٣ نقلًا عن المحلى ١: ٢٣٦.
(٤) الذخيرة ١/١: ١٦٩.
[ ٢ / ٢٢ ]
المرء أن يجمع أحكام ابن حزم في أفراد بأعيانهم من أمويي المشرق والمغرب ليدرك أنه كان أبعد من أن يوصف بالتعصب، ولكنه كان يرى للدولة الأموية في الأندلس دورها الكبير ويقارن بين ما كانت عليه الأمور في عهدها وما صارت إليه في عهد ملوك الطوائف، فلا يستطيع منطق وحدة الجماعة عنده أن يقبل ذلك التفكك والتناحر، ولا يستطيع منطق السيادة كما كانت تمثله الدولة الأموية أن يتقبل منطق العبودية الذي كانت تمارسه دول الطوائف. وليس بمستغرب بعد هذا أن يعترف بصحة إمامة الأمويين في المشرق والمغرب. وأما انحرافه عمن سواهم من قريش فإنه كلام غير دقيق، وحسبك أنه يؤمن بخلافة ابن الزبير ولا يؤمن بخلافة مروان، وأنه لا ينكر دور بني العباس في الخلافة وما كان لهم من مآثر. ولم يكن في الأندلس من القرشيين - عدا الأمويين - إلا بنو حمود، وهؤلاء لديه كسائر ملوك الطوائف من غير قريش. وتظل مقولة ابن حيان حول تشيعه في بني أمية صحيحة - على أن تكون بارئة من العصبية - ومثل هذا الموقف زاد في بغض الحكام المعاصرين له من ملوك الطوائف، وهذا أيضًا صحيح، لأنهم كانوا يبغضونه لصراحته في الحق وإنحائه على تصرفاتهم بالملامة، فإذا عرفوا فيه حبه لبني أمية زاد ذلك في شنآنهم له.
وهذا الحب للأمويين لم يكن سرًا خافيًا بل لعله اتصل بالواقع العملي، ولكن المتصدين وجدوا طريقهم للإيقاع بابن حزم عن طريق ذلك الحب، يقول هو في هذا الصدد: " وفي أثر ذلك (أي بيعة علي بن حمود) نكبني خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله ﷿ من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهرًا ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر " (١) . والشيء الذي أود أن أتوقف عنده في هذا المقام هو أن ابن حزم صادق حين ينفي عن نفسه السعي في القيام بدعوة الأموية، ولكن الباغين كانوا يعرفون فيه حبه للدولة الأموية ويكيدون له من ذلك المدخل، ويلصقون به تهمة يسهل تصديقها. وقد كان هو - وإن لم يسع بنفسه لعودة الأموية - يحب عودتها، ويمني النفس بذلك عند ظهور المرتضى (٤٠٧ هـ)، فقد غادر المرية إلى بلنسية عند ظهور المرتضى بها (٢)، وأكبر الظن أنه فعل ذلك لأنه كان يؤمل عودة الخلافة، فلما عادت على وجه اليقين بمبايعة المعتد (٤١٧) أصبح
_________________
(١) طوق الحمامة في الجزء الأول من رسائله (١٩٨٠): ٢٦١.
(٢) المصدر السابق: ٢٦٢.
[ ٢ / ٢٣ ]
ابن حزم أحد وزرائه.
ولا يمثل ابن حزم خروجًا على جمهرة المشاعر الأندلسية في نزعته الأموية، ولكنه كان أحد ألسنتها المعبرة عن " الأكثرية الصامتة "، وموقف ابن حزم ونظرائه ممن شهدوا فترة التحول في مقدرات الأمور وذهبت أفكارهم وأخيلتهم تقيم المقارنات بين ما كان وما صار موقف طبيعي، يحسه من لا تسمح لهم ظروف التحولات الحاسمة بسوى الموازنة والمقارنة، حتى ليبدوا هذا الجنوح إلى الموازنة والمقارنة عاملًا معطلًا في الانتفاع والاستمتاع بمرافق الحاضر الراهن، وقد صور ابن حزم ذلك في صرخة ذاتية أطلقها حين قال: " وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ودفين الأسى بين أهل الدنيا " (١) .
وحين احتجبت الأموية ولم يبق منها إلا الحنين الواله إلى عهودها شحذت إلى درجة الإرهاف مشاعر الحبِّ للأندلس؛ وهو حب يتجلى لدى ابن حزم في إبرازه للفكر الأندلسي ودفاعه عن مآثر بلده، ويتجلى بقوة في رسالته في فضل الأندلس. لا أقول إن تلك عصبية، بل أقول إنها شعبة عميقة من حب الوطن، حين تلوح في الأفق علامات إشرافه على الضياع، وقد كانت العلامة المنبئة بضياعه هي احتجاب الأموية وانفراط عقد الجماعة. وقد نقع في تلك الرسالة - إلى جانب الإحصاءات السريعة للمنجزات الفكرية الأندلسية - على عبارات مثل: " ونحن إذا ذكرنا ابا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به إلا جريرًا والفرزدق لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين " (٢) ومثل قوله: " ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد وحبيب والمتنبي " (٣) فهذه الأحكام وأمثالها يجب ألا تحملنا على نسبة العصبية لابن حزم، فإنما هي أحكام نقدية تقود على التذوق ويتفاوت فيها الناس؛ وإذا تجاوزنا الأحكام النقدية وجدنا ابن حزم يتحدث عن مآثر بلده دون تزيد، ودون لجوء إلى التعميم. استمع إليه وهو يقول: " وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من
_________________
(١) طوق الحمامة في الجزء الأول من الرسائل (١٩٨٠): ١٢٥.
(٢) رسالة في فضل الأندلس، ف: ٢١. ص: ١٨٧.
(٣) المصدر نفسه.
[ ٢ / ٢٤ ]
المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا " (١) أو حين يقول: " وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم ولا اختلفت فيها النحل، فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب، فهي على كل حال غير عرية عنه " (٢) تجد تواضعًا في الحكم وروحًا علمية أمينة. وكل ذلك ينفي نزعة التعصب، لأن التعصب معناه أن نبرز الحسنات ونخفي السيئات، وليس كذلك ابن حزم، فهو من ذلك الجيل من المفكرين الأندلسيين الذين قال فيهم الدكتور محمود مكي محقًا: " والمفارقة الصارخة التي تبدو عجيبة لأول وهلة هي أن هذا الجيل الذي أشرنا إلى مدى اعتداده بقوميته وبوطنه كان أكثر كتّاب الأندلس ومفكريها إلحاحًا على نقد شعبهم وحدةً في إظهار عيوبه " (٣) .
وكان هذا التمجيد لتراث الأندلس في الماضي والحاضر لم يستطع أن يطمس أمام عيني ابن حزم انهيار الحاضر، لأن الوعاء السياسي - وهو الذي يستوعب جميع النشاطات الإنسانية الأخرى ويؤثر فيها - كان في نظره منهارًا، ولهذا لم يجوز أن يفهم الماضي على ضوء الحاضر، والشاهد على ذلك أن قومًا يقولون - مثلًا - إن يوسف الصديق كان في مقدوره أن يعرف أباه خبره لقرب المسافة، وهذا في رأي ابن حزم جهل ممن يقوله: لأن أباه يعقوب كان في أرض كنعان من عمل فلسطين في قوم رحالين وفي طاعة أخرى ودين آخر " كالذي بيننا اليوم وبين من يصاقبنا من النصارى كغاليس وغيرها أو كصحراء البربر ". وإنما كان هذا التعريف ممكنًا لمن يرى " أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة ولسانًا واحدًا وأمة واحدة والطريق سابل، والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبرد ناهضة وراجعة " (٤) . ومعنى ذلك كله أن التغيرات التي جدت بمرور الزمن لا تسمح بمثل هذا القياس، فالتباعد بين الماضي والحاضر في السيادة والوحدة الدينية واللغوية والوحدة الإقليمية وسهولة المواصلات واستتباب الأمن ونشاط العلاقات التجارية وتنظيم البريد يمنع من مثل ذلك. وكل هذه العوامل التي جدت تجعل الماضي مختلفًا عن الحاضر؛ لكن على ضوء الحاضر نفسه يمكن أن تفهم مسافة الخلف بينه وبين الماضي، فأما قياس التطابق
_________________
(١) المصدر السابق، ف: ١٦، ص: ١٨٥.
(٢) المصدر السابق، ف: ١٨، ص: ١٨٦.
(٣) مقدمة المقتبس (ط. مصر): ٩١.
(٤) الفصل ٤: ١٢.
[ ٢ / ٢٥ ]
- من دون أخذ بمعالم التغير - فأمر يوقع صاحبه في الخطأ. ولعلنا لو توقفنا غند المعالم التي عدها ابن حزم لوجدناه يجمع فيها أهم مقومات الدولة.
غير أن الاستشهاد بالتاريخ على التاريخ قد يكون ممكنًا بل ضروريًا إذا كان الواقع المدروس قد بلغ منزلة القانون الطبيعي أو أصبح علامة على طبيعة إنسانية راسخة لا يلحقها التفاوت ويندر فيها الشذوذ، أي أصبح شيئًا يشبه القاعدة العامة. فمن المشاهد في الحاضر والذي دلَّ عليه البحث التاريخي معًا أن الكثرة البالغة في الأطفال ظاهرة غير متوفرة إلا في النادر، وذلك للأسباب الآتية (١):
١) - لصعوبة تنشئة الأطفال وتربيتهم.
٢) - لوقوع حوادث الإسقاط بكثرة.
٣) - لإبطاء الحمل وتطاول المدة بين بطن وآخر.
٤) - لكثرة الموت في الأطفال.
وهذا بعينه يدلّ على أن الكثرة في الذكور لا يمكن أن تكون كثرة بالغة خارجة عن المعتاد لأن كثيرًا من الولادات إناث، ومثل هذا الأمر يجعلنا نشك في الأخبار التي تنبئ بخلاف ذلك - كما هي الحال في الأعداد المذكورة في التوراة - أو نعدها شذوذًا خارجًا على القاعدة. والسبيل إلى إثبات غلبة هذه القاعدة أن نرصد ما حولنا، وأن نستقرئ الأخبار عن القضية التي نعالجها، فماذا نجد نجد أننا لو أردنا أن نعد من عاش له عشرون ولدًا فصاعدًا من الذكور وبلغوا الحلم لم نجدهم إلا في الندرة وفي القليل من الملوك وذوي اليسار المفرط الذين يستطيعون تزوج عدد من النساء والإماء والاعتماد على جهود الخدم والمربيات، فأما من لا يجد إلا الكفاف ولا يستطيع أن يتزوج إلا امرأة أو امرأتين فلا يكون له ذلك العدد من الأولاد.
هذا ما تدل عليه المشاهدة ومخالطة الناس. فأما البحث في تواريخ العرب والعجم وممالك النصارى والصقالبة والترك والهند والسودان فإنه يشير إلى ثلاث درجات:
(١) الحد الأعلى المعقول للكثرة: ١٤ ولدًا، (٢) الحد النادر جدًا: عشرون فما فوق، (٣) الحد الذي لا يقاس عليه جماعيًا: ٣٠ فما فوق؛ وهذا الأخير ينطبق على أفراد بأعيانهم منهم (٢):
_________________
(١) الفصل ١: ١٧٥ وما بعدها.
(٢) الفصل ١: ١٧٥ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٦ ]
١ - أنس بن مالك الأنصاري ١٠٠ ولد (١)
٢ - خليفة بن أبي السعدي ١٠٠ (٢)
٣ - أبو بكرة ١٠٠ (٣)
٤ - عمر بن عبد الملك ٦٠ ولدًا
٥ - جعفر بن سليمان بن علي ٤٠
٦ - عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ٣٠
٧ - موسى بن إبراهيم بن موسى ٣١
٨ - وصيف مولى المعتصم ٥٥
٩ - تامزوت مولى بني مناد ٨٠ (٤)
١٠ - رجل بربري من بني دمر (٥)
١١ - تميم بن زيد بن يزيد اليفرني ٥٠
١٢ - أبو البهار بن زيري ٣٠
١٣ - مرزوق بن أشكر الثغري ٣٠
١٤ - أحد ملوك الهند ٨٠
١٥ - جدعون بن يوآش اليهودي ٧٠
١٦ - يائير بن جلعاد اليهودي ٣٢
١٧ - عبدون بن هلال (هليل) اليهودي ٤٠
١٨ - أفصان (أبصان) اليهودي (٦) ٣٠
١٩ - جودرز ملك كرمان ٩٠
هذه الجريدة تضم أقل من عشرين مفرقين في أمم مختلفة وفي أزمنة مختلفة، ومثل ذلك لا يقاس عليه، ولهذا يحق لنا هنا أن نقيس الحاضر على الماضي أو العكس، ولا خطر من الوقوع في الخطأ لأننا بإزاء قاعدة تبلغ في شمولها حد الإجماع.
ومما يلفت النظر هنا اعتماد ابن حزم على الإحصاء، ويكاد هذا القانون الإحصائي أن ينتظم العدد الجم من رسائله التاريخية، حتى أكثر فصول السيرة بنيت على أساس
_________________
(١) يدخل في هذا العدد بعض الحفدة - فيما يبدو -
(٢) يدخل في هذا العدد بعض الحفدة - فيما يبدو -
(٣) يدخل في هذا العدد بعض الحفدة - فيما يبدو -
(٤) لهذا الرجل حالة خاصة. إذ كان يغتصب كل امرأة أعجبته من أمة أو حرة.
(٥) عدَّ له ابن حزم مائتين من ولده وولد ولده.
(٦) من رقم ١٥ حتى ١٨ صححت الأسماء بعرضها على العهد القديم.
[ ٢ / ٢٧ ]
من هذا المنهج، وكذلك رسائل أخرى من مثل رسالته في القراءات وأسماء الصحابة الرواة وأصحاب الفتيا من الصحابة (١) . وإذا كانت هذه الرسائل تخدم الناحية التعليمية في الغاية إذ تقرب المادة وتوجزها، فهي من حيث المنهج تخضع للاتجاه العقلاني لدى ابن حزم الذي يستطيع أن يستخدم هذه الإحصاءات استخدامًا رياضيًا برهانيًا في ما يعالجه من قضايا عند الحاجة إليها.
من ذلك مثلًا موقفه ممن قال إن المسلمين لم يبايعوا عليًا بعد وفاة الرسول لأنه كان قد قتل عددًا من رجالات قريش، فانحرف الناس عنه، ويرد ابن حزم بأن هذا تمويه ضعيف لأن الإحصاء يفنده، فالذين قتلهم عليّ:
١ - رجل واحد من بني عامر بن لؤي هو عمرو بن ود.
٢ - رجال من بني مخزوم وبني عبد الدار (لم يذكر ابن حزم عددهم) .
٣ - اثنان من بني عبد شمس هما الوليد بن عتبة والعاص بن سهل بن العاص (وقد شارك في قتل ثالث) .
هذا كل ما هنالك، ولم يقتل من بني تميم (قبيلة أبي بكر) ولا من بني عدي (قبيلة عمر) أحدًا، وهما قد استبعداه من الخلافة، ولم يقتل من الأنصار أحدًا (فلم يسرعوا إلى بيعته إن كان النص قد جاء بها) ولم يقتل أحدًا من ربيعة ومضر واليمن وقضاعة (فلم لم تبايعه هذه القبائل وبايعت أبا بكر) (٢)، وهكذا يحاول ابن حزم - على قاعدة إحصائية - أن يدفع قول من قال: إن القرشيين كانوا منحرفين عن عليّ لأنه قتل عددًا من رجالهم في حروبه مع النبي؛ ولست أقول أن هذا الجدال القائم على الإحصاءات دامغ لا ينقض، بل إن ابن حزم يعرف ذلك، فيورد حججًا أخرى تؤيد البرهان الإحصائي وتعضده، ولكنه قلما يستغني عن " لغة الأرقام " لأنها رصيد ضروري مسعف عند الحاجة إليه، وإذا كان ذلك الرصيد قد يبرز بعض العجائب والنوادر في مجرى التاريخ الإنساني، فذلك في ذاته لا يمثل إلا جانبًا واحدًا من فوائد الإحصاء بين جوانب أخرى متعددة.
وفي أسلوب ابن حزم خاصيتان تلقيان ظلالًا من الشكّ على دور المؤرخ لديه: إحداهما هي القطع والحسم البات بمثل " لا بد " و" لا شك " فهذه إذا لم يكن لها ما يسوغها تمس جانب الدقة في المؤرخ، والثانية هي الحدة في الخطاب وهي تمس جانب
_________________
(١) انظرها ملحقة بجوامع السيرة: ٢٦٩ - ٣٣٥.
(٢) الفصل ٤: ٩٩.
[ ٢ / ٢٨ ]
الإنصاف في المؤرخ، وخاصة حين تتطابق لديه شخصية المؤرخ مع شخصية المتكلم الجدل. وكلتا الصفتين لا يمكن نفيها عنه أو الإقلال من تأثيرها في نفس من يدرس دور المؤرخ لديه، ولكن مزيدًا من التعرف إلى شخصيته في إخلاصه وصدقه وصراحته واعتداده بذكائه واطلاعه يجعل قبول هاتين الخاصيتين أمرًا ممكنًا؛ فالحسم البات لا يكون إلا من ثقة لا يشوبها غرور كي يجد قبولًا، والحدة قد تكون ذات علاقة بوضع نفسي أو تعويضًا عن فقدان شيء ما (١)، وحين تخرج إلى السب والتندر والدعاء على الخصم بالويل والثبور تتجاوز مرحلة القبول الموضعي، وإن تكن متصلة بطرائق المناظرة والجدال يومئذ. ترى لو لم يتطابق المؤرخ والمناظر في ابن حزم هل كانت هذه الحدة تجيء أقل سطوعًا أعتقد أن الجواب بالنفي، فهي حدة لم يستطع التخلي عنها من ساهم الدكتور محمود مكي " جيل الفتنة البربرية " من أمثال ابن حزم وابن حيان وابن شهيد، كما لم يستطيعوا أن يتخلوا عن السخرية؛ كانوا نتاج فترة " إحباط " نفسي، عبر عنه كل واحد مهم بطريقته، وإذا كان ابن حزم يصك معارضه برأيه صك الجندل (٢) - فيما يقول ابن حيان - فليس ابن حيان فيما يصوره من شخصيات وأوضاع بأقل عنفًا - إن اختلف نوع العنف - وليس ابن شهيد صاحب التوابع والزوابع ورسائل أخرى بأقل سخرية منهما.