(ص ٢٥٧)
احمد بن كليب النحوى (١)، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في [٦٢ ب] ذلك طريف.
حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي (٢)، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي (٣) في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم ابن عبد العزيز (٤)، صاحب المزني والربيع (٥)، قال محمد بن الحسن: وكان من اجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب، أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متسترًا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل؛ فلعهدي
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس: ١٣٤ (وبغية الملتمس رقم: ٤٦٢) ومعجم الأدباء ٤: ١٠٨.
(٢) هو أستاذ ابن حزم في الفلسفة؛ راجع مقدمة كتاب التشبيهات من تحقيقي.
(٣) محمد بن خطاب النحوي (٩٣٨) كان من الأدباء المشهورين والنحاة المذكورين، يختلف اليه في علن العربية أولاد الأكابر (الجذوة: ٥٠ وبغية الوعاة ١: ٩٩) .
(٤) ترجمة أسلم في الجذوة: ١٦٢ وبغية الملتمس رقم: ٥٧٠.
(٥) المزني هو اسماعيل بن يحيى (انظر طبقات الشيرازي: ٩٧) والربيع بن سليمان المرادي (المصدر نفسه: ٩٨) .
[ ١ / ٣١٥ ]
بعرس في بعض الشوارع بقربطة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم: [من المتقارب]
أسلمني في هوا هـ أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد سيسأل عما وشى
ولو شاء أن يرتشي على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرًا، ومقبلًا نهاره كله، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارًا، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحًا وجلس داره نهارا، فإذا صلى صبر أحمد بن كليب، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجًا، وبالأخرى قفصًا فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن انت فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وهنا بلغت بنفسك، وإلى هاهنا تبعتني، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابي نهارًا، حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك (١) . والله، لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلًا
_________________
(١) ياقوت: في سجنك.
[ ١ / ٣١٦ ]
ولا نهارًا على بابي. ثم قام وانصرف أحمد بن كليب كئيبًا حزينًا. قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك وبيضك فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك. قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فاخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له: وما دواؤك فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضًا يؤجر، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم انه برح بي، وشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا، فقلت له: لابد، فليس عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، ولا خلف، قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك وارتاحت نفسه. قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك. قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل قدمي، ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعًا فاتبعته، وأخذت بردائه
[ ١ / ٣١٧ ]
فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى احمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشرًا، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة، فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله! قلت: نعم. قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول: [مخلع البسيط]
أسلم يا راحة العليل رفقًا على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجلي قال: فقلت له: اتق الله! ما هذا العظيمة فقال لي: قد كان؛ قال: فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة. وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعرًا أديبًا، وقد رأيت ابنه أبا الجعد.
قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد ابن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائرًا له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت.
وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعرًا يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، فقال: هذا ملحون، وكان
[ ١ / ٣١٨ ]
ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب فكتب إليه ابن كليب مسرعًا: [من السريع]
ألحق لي التنوين في مطمع فإنني أنسيت إلحاقه
لا سيما إذ كان في وصل من كدر لي في الحب أخلاقه وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، لأحمد بن كليب، وقد أهدى إلى أسلم في أوائل أمره كتاب " الفصيح " لثعلب: [من المجتث]
هذا كتاب الفصيح بكل لفظ مليح
وهبته لك طوعًا كما وهبتك روحي
[ ١ / ٣١٩ ]
فراغ
[ ١ / ٣٢٠ ]
- ٢ -