ومن آفات الحب الرقيب، وإنه لحمى باطنة، وبرسام ملح، وفكر مكب. والرقباء أقسام:
١ - فأولهم مثقل بالجلوس، غير متعمد، في مكان اجتمع فيه المرء مع محبوبه، وعزما على إظهار شيء من سرهما والبوح بوجدهما والانفراد بالحديث. ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة ما لا يعرض له مما هو أشد منها، وهذا وإن كان يزول سريعًا فهو عائق حال دون المراد وقطع متون (١) الرجاء.
ولقد شاهدت يومًا محبين في مكان قد ظنًا انهما انفردا فيه وتأهبا للشكوى، فاستحليا ما هما فيه من الخلوة، ولم يكن الموضع حمى، فلم يلبثا أن طلع عليهما من كانا يستثقلانه، فرآني فعدل إلي وأطال الجلوس معي، فلو رأيت الفتى المحب وقد تمازح الأسف البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجبًا، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
يطيل جلوسًا وهو أثقل جالس ويبدي حديثًا لست أرضي فنونه
شمام ورضوى واللكام ويذبل ولبنان والصمان والحزن دونه ٢ - ثم رقيب قد أحس من أمرهما بطرف، وتوجس من مذهبهما شيئًا، فهو يريد أن يستقري (٢) حقيقة ذلك، فيدمن الجلوس، ويطيل القعود، ويتقفى (٣) الحركات، ويرمق الوجوه، ويحصي (٤) الأنفاس، وهذا أعدى من الجرب. وإني لأعرف من هم أن يباطش
_________________
(١) بتروف وتابعه الصيرفي مكي: متوفر.
(٢) بتروف: يستبري؛ وغيرها الصيرفي إلى: يستبين، وتابعه مكي.
(٣) بتروف: ويتجفى بالحركات؛ الصيرفي ومكي: ويتخفى بالحركات.
(٤) جميع الطبعات: ويحصل.
[ ١ / ١٦٧ ]
رقيبًا هذه صفته؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من مخلع البسيط]
مواصل لا يغب قصدًا اعظم بهذا الوصال غما
صار وصرنا لفرط ما لا يزول كالإسم والمسمى ٣ - ثم رقيب على المحبوب، فذلك لا حيلة فيه إلا بترضيه. وإذا أرضي فذلك غاية اللذة، وهذا الرقيب هو الذي ذكرته الشعراء في أشعارها. ولقد شاهدت من تلطف في استرضاء رقيب حتى صار الرقيب عليه رقيبًا له، ومتغافلًا في وقت التغافل، ودافعًا عنه وساعيًا له؛ ففي ذلك أقول: [من الطويل]
ورب رقيب أرقبوه فلم يزل على سيدي عمدًا ليبعدني عنه
فما زالت الألطاف تحكم أمره إلى ان غدا خوفي له أمنًا منه
وكان حسامًا سل حتى (١) يهذني فعاد محبًا ما لنعمته كنه وأقول قطعة، منها: [من المنسرح]
صار حياة وكان سهم ردى وكان سمًا فصار درياقا وإني لأعرف من رقب على بعض من كان يشفق عليه رقيبًا وثق به عند نفسه، فكان اعظم الآفة عليه وأصل البلاء فيه.
واما إذا لم يكن في الرقيب حيلة ولا وجد إلى ترضيه سبيل، فلا طمع إلا بالإشارة بالعين همسًا وبالحاجب أحيانًا، والتعريض اللطيف بالقول، وفي ذلك متعة وبلاغ إلى حين، يقنع به المشتاق؛ وفي ذلك أقول شعرًا أوله: [من الطويل]
على سيدي مني رقيب محافظ وفي لمن والاه ليس بناكث ومنه:
ويقطع أسباب اللبانة في الهوى ويفعل فيها فعل بعض الحوادث
_________________
(١) جميع الطبعات: يهدني.
[ ١ / ١٦٨ ]
كان له في قلبه ريبة (١) ترى وفي كل عين مخبر بالأحادث ومنه:
(٢) على كل من حولي رقيبان رقبا وقد خصني ذو العرش منهم بثالث وأشنع ما يكون الرقيب إذا كان ممن امتحن بالعشق قديمًا ودهي به وطالت مدته فيه، ثم عري عنه بعد إحكامه لمعانيه، فكان راغبًا في صيانة من رقب عليه، فتبارك الله أي رقبة تأتي منه، وأي بلاء مصبوب يحل على أهل الهوى من جهته؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] .
رقيب طالما عرف الغراما وقاسى الوجد وامتنع المناما
ولاقى في الهوى ألمًا أليمًا وكاد الحب يورده الحماما
وأتقن حيلة الصب المعنى ولم يضع الإشارة والكلاما
وأعقبه التسلي بعد هذا وصار يرى الهوى عارًا وذاما
وصير دون من أهوى رقيبًا ليبعد عنه صبًا مستهاما
فأي بلية صبت علينا وأي مصيبة حلت لماما ومن طريف معاني الرقباء أني أعرف محبين مذهبهما واحد في حب محبوب واحد بعينه، فلعهدي بهما كل واحد منهما رقيب على صاحبه. وفي ذلك أقول: [من السريع] .
صبان هيمانان في واحد كلاهما عن خدنه منحرف
كالكلب في الآري لا يعتلف (٣) ولا يخلي الغير أن يعتلف
_________________
(١) يريد برشيه أن يقرأها: رئيا يرى، وهذا لا يستقيم به الوزن؛ وقد نقرأ " ربة ترى " والربة: الجماعة الكثيرة.
(٢) رقبا أو رتبا؛ لا فرق في المعنى.
(٣) الآري: محبس الدابة من كلب وغيره، وقوله كالكلب لا يعتلف ولا يخلي غيره يعتلف، مثل جاء في صور مختلفة عند الاندلسيين والمغاربة، من ذلك: كلب الورد لا يشم ولا يخلي أحد يشم؛ (انظر الزجالي ص: ٢٦١ المثل رقم: ١١٢٥) وقد ذكر الاستاذ بنشرفيه أن المثل ما يزال مستعملًا في تونس، وله صنو في اسبانيا، وقارنه بقول ابن حزم هنا؛ والصورة الاسبانية من المثل أوردها غومس (هامش ص: ١٧٠) واقتبسها مكي (هامش ص: ٨٢) .
[ ١ / ١٦٩ ]
- ١٩ -