ومن آفات الحب الواشي، وهو على ضربين: أحدهما واش يريد القطع بين المتحابين فقط، وإن هذا لأفترهما سوءة، على انه السم الذعاف والصاب الممقر (١) والحتف القاصد والبلاء الوارد. وربما لم ينجع ترقيشه. وأكثر ما يكون الواشي فإلى المحبوب، وأما المحب فهيهات، حال الجريض دون القريض (٢)، ومنع الحرب من الطرب، شغله بما هو مانع له من استماع الواشي. وقد علم الوشاة ذلك، وإنما يقصدون إلى الخلي البال، الصائل بحوزة الملك، المتغيب عند أقل سبب.
وإن للوشاة ضروريًا من التنقيل، فمنها أن يذكر للمحبوب عمن يحب أنه غير كاتم للسر، وهذا مكان صعب المعاناة، بطئ البرء إلا أن يوافق معارضًا (٣) للمحب في محبته، وهذا أمر يوجب النفار، فلا فرج للمحبوب إلا بأن تساعده الأقدار بالاطلاع على بعض أسرار من
_________________
(١) الممقر: الشديد المرارة.
(٢) حال الجريض دون القريض: هذا مثل يضرب للمعضلة تعرض فتشغل عن غيرها، وهو لعبيد بن الابرص حين سئل وهو مترقب الموت أن يقول شعرًا (انظر جمهرة العسكري ١: ٣٥٩ والفاخر: ٢٥٠ والميداني ١: ١٢٩ والمستقصى: ٢٠١ واللسان: جرض، وفصل المقال: ٤٤٤) .
(٣) برشيه: مغارض.
[ ١ / ١٧٠ ]
يحب، بعد أن يكون المحبوب ذا عقل، وله حظ من تمييز، ثم يدعه والمطاولة (١) . فإذا تكذب عنده نقل الواشي مع ما اظهر من التحفظ والجفاء، ولم يسمع لسره إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل، واضمحل ما قام في نفسه. ولقد شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من كان يحب، وكان المحبوب شديد المراقبة عظيم الكتمان، وكثر الوشاة بينهما وحدث في حب لم يكن، حتى ظهرت اعلام ذلك في وجهه، وركبته وجمة (٢)، وأظلته فكرة، ودهمته حيرة، إلى أن ضاق صدره وباح بما نقل إليه؛ فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى سلطان مطاع، ناء مشدود الأواخي، وسنان نافذ، وكان اعتذاره بين الاستسلام والاعتراف والإنكار والتوبة والرمي بالمقاليد، فبعد لأي ما صلح الأمر بينهما.
وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليس بصحيح (٣)، وان مذهبه في ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره؛ وهذا فصل من النقل وإن كان شديدًا فهو أيسر معاناة مما قبله. فحالة المحب غير حالة المتلذذ. وشواهد الوجد متفاوتة بينهما. وقد وقع من هذا نبذ كافية في باب الطاعة.
وربما نقل الواشي أن هوى العاشق مشترك، وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي في الأعضاء. وإذا وافق الناقل لهذه المقالة ان يكون المحب فتى حسن الوجه حلو الحركات، مرغوبًا فيه مائلًا إلى اللذات، دنياوي الطبع، والمحبوب امرأة جليلة القدر سرية المنصب، فأقرب الأشياء سعيها في إهلاكه وتصديها لحتفه، وهذه كانت ميتة مروان بن احمد بن حدير، والد أحمد المتنسك، وموسى وعبد
_________________
(١) برشيه: يديمه المطاولة.
(٢) مكي والصيرفي: رحمة.
(٣) بتروف والصيرفي ومكي: ليست بصحيحة.
[ ١ / ١٧١ ]
الرحمن المعروفين بابني لبنى (١)، من قبل قطر الندى جارته، وفي ذلك أقول محذرًا لبعض إخواني قطعة منها: [من الطويل]
وهل يأمن النسوان غير مغفل جهول لأسباب الردى متعرض (٢) وكم وارد حوضًا من الموت أسودًا ترشفه من طيب الطعم أبيض
والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بالمحبوب ويستأثر به، وهذا أشد شيء وأفظعه (٣) وأجزم (٤) لاجتهاد الواشي واستفادته بجهده (٥) .
ومن الوشاة جنس ثالث، وهو واش يسعى بهما جميعًا ويكشف سرهما، وهذا لا يلتفت إليه إذا كان المحب مساعدًا؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل]
عجبت لواش ظل يكشف أمرنا وما بسوى أخبارنا يتنفس
وماذا عليه من عنائي ولوعتي أنا آكل الرمان والولد تضرس (٦) ولابد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه، وإن كان خارجًا منه، وهو شيء في بيان التنقيل والنمائم. فالكلام يدعو بعضه بعضًا كما شرطنا في أول الرسالة:
_________________
(١) قد عرفت ببعض بني حدير فيما تقدم ص: ١٥٥ هامش ٤ وقد ذكر لسان الدين ابن الخطيب (اعمال الاعلام: ٢١١) موسى بن مروان بن حدير ووصفه بالصرامة والجرأة؛ وجهه صاحب قرطبة إلى خيران حين انتزى في شرق الاندلس، فدارت بين الاثنين وقعة أسر فيها موسى وقتل أصحابه.
(٢) الطبعات (ما عدا برشيه): متأرض.
(٣) أكثر القراءات: وأقطعه.
(٤) برشيه: وأجزعه.
(٥) الصيرفي ومكي: واستفادة جهده؛ ولعلني أرجح: واستنفاده جهده.
(٦) عبارة متناقلة مشهورة، لها أصل في العهد القديم (انظر سفر حزقيال، الإصحاح: ١٨) .
[ ١ / ١٧٢ ]
وما في جميع الناس شر من الوشاة، وهم النمامون، وإن النميمة (١) لطبع يدل على نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخبث النشأة، ولابد لصاحبه من الكذب؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه، وكل نمام كذاب، وما أحببت كذابًا قط، وإني لأسامح في إخاء كل ذي عيب وإن كان عظيمًا، واكل أمره إلى خالقه ﷿، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا من أعلمه يكذب، فهو عندي ماح لكل محاسنه، وذلك لان كل ذنب فهو يتوب عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن الاستتار به والتوبة منه، حاشا الكذب فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان. وما رأيت قط ولا أخبرني من رأى كذابًا ترك الكذب ولم يعد إليه، ولا بدأت قط بقطيعة ذي معرفة إلا أن أطلع له على الكذب، فحينئذ أكون أنا القاصد إلى مجانبته والمتعرض لمتاركته، وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إلا وهو مزنون إليه بشر في نفسه، مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته، نعود بالله من الخذلان.
وقد قال بعض الحكماء: آخ من شئت واجتنب ثلاثة: الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، والملوك فإنه أوثق ما تكون به لطول الصحبة وتأكدها بخذلك، والكذاب فإنه يجني عليك آمن ما كنت فيه من حيث لا تشعر.
وحديث عن الرسول الله ﷺ: " حسن العهد من الإيمان " (٢)؛ وعنه ﵇: " لا يؤمن الرجل بالإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح " (٣) . حدثنا
_________________
(١) قارن بين هذه الحملة الشديدة على النميمة هنا، وبين قول ابن حزم في رسالته في الأخلاق والسير: " واما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه " (رسائل ابن حزم: ١٣٣) .
(٢) ورد في ارشاد الساري ٩: ٢١ واتقان الغزي: ٥٢ وعيون الاخبار ٣: ١٥ والبصائر ٧: ٦٥١.
(٣) انظر مسند أحمد ٢: ٣٥٢، ٣٦٤.
[ ١ / ١٧٣ ]
بهذا أبو عمر أحمد بن محمد (١) عن محمد بن عيسى بن رفاعة (٢) عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه، والآخر منهما مسند إلى عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄.
والله ﷿ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف ٣ - ٤) . وعن رسول الله ﷺ أنه سئل هل يكون المؤمن بخيلًا فقال: نعم. قيل: فهل يكون المؤمن جبانًا فقال: نعم. قيل: فهل يكون المؤمن كذابًا فقال: لا. حدثناه أحمد بن محمد ابن احمد عن أحمد بن سعيد (٣) عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم. وبهذا الإسناد، أن رسول الله ﷺ قال: " لا خير في الكذب " في حديث سئل فيه. وبهذا الإسناد عن مالك أنه بلغه عن ابن مسعود أنه كان يقول: " لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكته سوداء حتى يسود القلب فيكتب عند الله من الكذابين " وبهذا الإسناد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر والبر
_________________
(١) أحمد بن محمد بن احمد المعروف بابن الجسور الأموي هو أول شيخ سمع منه ابن حزم قبل الأربعمائة، وتوفي سنة ٤٠١ وكان من أهل العلم متقدمًا في الفهم حافظًا للحديث والرأي (الجذوة: ٩٩ - ١٠٠ والصلة: ٢٩) وفي رواية ابن حزم عنه يروي ابن الجسور عن كل من:
(٢) محمد بن عبد الله بن أبي دليم.
(٣) أحمد بن مطرف.
(٤) أحمد بن سعيد بن حزم.
(٥) محمد بن عيسى بن رفاعة القلاس.
(٦) وهب بن مسرة. وسيعرف بكل واحد من هؤلاء في موضعه.
(٧) محمد بن عيسى بن رفاعة: هو القلاس (- ٣٣٧) انظر ابن الفرضي ٢: ٥٧.
(٨) أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي (- ٣٥٠) قرطبي سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى وغيره ورحل إلى المشرق، وجمع كتابًا كبيرًا في الرجال (ابن الفرضي ١: ٥٥ والجذوة: ١١٧) .
[ ١ / ١٧٤ ]
يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار " (١) .
وروي أنه أتاه ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني أستهتر بثلاث: الخمر والزنا والكذب. فمرني أيها أترك، قال: اترك الكذب، فذهب عنه. ثم أراد الزنا ففكر فقال: آتي رسول الله ﷺ فيسألني: أزينت فإن قلت: نعم، حدني، وإن قلت: لا، نقضت العهد، فتركه. ثم كذلك في الخمر. فعاد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني تركت الجميع.
فالكذب أصل كل فاحشة، وجامع كل سوء، وجالب لمقت الله ﷿. وعن ابي بكر الصديق ﵁ قال: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: " ثلاث من كن فيه كان منافقًا: من إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان " (٢) .
وهل الكفر إلا كذب على الله ﷿ (٣)، والله الحق وهو يحب الحق، وبالحق قامت السموات والأرض. وما رأيت أخزى من كذاب، وما هلكت الدول، ولا هلكت الممالك، ولا سفكت الدماء ظلمًا، ولا
_________________
(١) حديث " عليكم بالصدق الخ " ورد في الصحاح الستة؛ انظر مثلًا مسلم، باب البر: ١٠٥ (٢: ٢٨٩) وفي الموطأ (الكلام: ١٦) وفي مسند أحمد: ١، ٣، ٥، ٧، ٨، ومواضع أخرى منه، وبهجة المجالس ١: ٥٧٦ وانظره في مصنف عبد الرزاق ١١: ١٥٩ من كلام ابن مسعود.
(٢) ورد بصيغ مختلفة منها: آية المنافق ثلاث في البخاري (شهادات: ٢٨) ومسلم (ايمان ١٠٧، ١٠٩) ومسند أحمد ٢: ٣٥٧ وبصيغة: ثلاث من كن فيه فهو منافق، في مسند أحمد ٢: ١٩٨، ٥٣٦؛ وثلاث في المنافق: في مسند أحمد ٢: ٢٩٧.
(٣) كرر ابن حزم هذا في رسالته في مداواة النفوس (رسائل: ١٤٦) فقال: لا شيء أقبح من الكذب، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.
[ ١ / ١٧٥ ]
ظلمًا الأستار بغير النمائم والكذب، ولا أكدت البغضاء والإحن المردية إلا بنمائم لا يحظى صاحبها إلا بالمقت والخزي والذل، وأن ينظر منه الذي ينقل إليه فضلًا عن غيره بالعين التي ينظر بها من الكلب.
والله ﷿ يقول: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ (الهمزة: ١) ويقول جل من قائل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (الحجرات: ٦) فسمى النقل باسم الفسوق، ويقول: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم﴾ (القلم: ١٠ - ١٣) . والرسول ﵇ يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (١) ويقول: " واياكم وقاتل الثلاثة " يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه (٢) . والأحنف يقول: " الثقة لا يبلغ (٣) وحق لذي الوجهين ألا يكون عند الله وجيها؛ وهو ما يجعله من أخس الطبائع وأرذلها.
ولي إلى أبي اسحاق إبراهيم بن عيسى الثقفي الشاعر ﵀، وقد نقل إليه رجل من إخواني عني كذبًا على جهة الهزل، وكان هذا الشاعر كثير الوهم فأغضبه (٤) وصدقه، وكلاهما كان لي صديقًا،
_________________
(١) ورد حديث " لا يدخل الجنة قتات " في البخاري (أدب: ٥٠) ومسلم (ايمان: ١٦٩، ١٧٠) وأبي داود (أدب: ٣٣، وبر: ٧٩) ومسند أحمد ٥: ٣٨٢، ٣٨٩، ٣٩٢، ٤٠٢، ٤٠٤؛ وانظر بهجة المجالس ١: ٤٠٢ والقتات هو النمام.
(٢) جاء في بهجة المجالس ١: ٤٠٢ قال ﵇: اياك ومهلك الثلاثة، قيل وما مهلك الثلاثة قال: رجل سعى بأخيه المسلم فقتله فأهلك نفسه وأخاه وسلطانه.
(٣) الأحنف: اسمه الضحاك بن قيس، وقيل اسمه صخر، مضرب المثل في الحلم، مختلف في عام وفاته بين ٦٧ - ٧٧، والأول أشهر، انظر ترجمته في ابن خلكان ٢: ٤٩٩ وطبقات ابن سعد ٧: ٩٣ وتهذيب ابن عساكر ٧: ١٠ وتهذيب التهذيب ١: ١٩١، وأخبار حلمه مبثوثة في كتب الأدب. وقوله " الثقة لا يبلغ " كلمة تنسب له ولغيره؛ فقد جاء في الأذكياء لابن الجوزي (ط/ ١٣٠٤) غضب رجل على رجل فقال له: ما أغضبك قال: شيء نقله إلي الثقة عنك، فقال: لو كان ثقة ما نم.
(٤) برشيه: فأخذ به.
[ ١ / ١٧٦ ]
وما كان الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كان كثير المزاح جم الدعابة، فكتبت إلى أبي إسحاق، وكان يقول بالخبر (١)، شعرًا منه: [من الطويل]
ولا (٢) تتبدل قالة قد سمعتها تقال ولا تدري الصحيح بما تدري
كمن قد أرق الماء للآل أن بدا فلاقى الردى في الأفيح المهمه القفر وكتبت إلى الذي نقل عني شعرًا منه: [من الطويل]
ولا تدغمن (٣) في الجد مزحًا كمولج فساد علاج النفس طي صلاحها
ومن كان نقل الزور أمضى سلاحه (٤) كمثل الحبارى تتقي بسلاحها وكان لي صديق مرة وكثر التدخيل (٥) بيني وبينه حتى كدح ذلك
_________________
(١) وكان يقول بالخبر: هذه العبارة - فيما أعتقد - صنو لقوله: وكان ظاهريًا؛ وتفسير ذلك أن ابن حزم ومن رأى مثل رأيه يقولون إن الخبر الصحيح عن الرسول حكمه حكم القرآن في وجوب الطاعة لهما فمن بلغه خبر عن الرسول يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر، وهذا معنى قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، فمن مال عن قول رسول الله إلى قول فلان وفلان أو قياسه أو استحسانه فإنه ليس بمؤمن، ويستوي في ذلك أن يكون الخبر منقولًا نقل التواتر أو نقله الواحد الثقة، وهم يردون بشدة على من يقول إن الخبر إذا كان مما يعظم به البلوى لم يقبل فيه خبر الواحد (انظر الاحكام ١: ٩٦ - ١٣٨) .
(٢) برشيه: تتقبل؛ والبيت الثاني يقوي رواية " تتبدل ".
(٣) برشيه: تمزجن؛ وفي سائر القراءات: تزعما.
(٤) يشير إلى قولهم في المثل: اسلح (أو أذرق) من حبارى؛ انظر الدرة الفاخرة: ٢٣٣ وجمهرة العسكري ١: ٥٣٤، والميداني ١: ٣٥٤ والمستقصى ١: ١٧٠.
(٥) برشيه: التدجيل؛ ولا أراه صوابًا؛ والتدخيل مصدر دخل، وهو وان لم يكن جاريًا على القياس فإنه بمثابة " الدخال "؛ والمقصود به هنا الدخول بين اثنين للوقيعة والدس.
[ ١ / ١٧٧ ]
فيه واستبان في وجهه وفي لحظه، وطبعت على التأني والتربص والمسالمة ما امكنت، ووجدت بالانخفاض سبيلًا إلى معاودة المودة، فكتبت إليه شعرًا، منه: [من الطويل]
ولي في الذي أبدي مرام لو أنها بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز (١) وأقول مخاطبًا لعبيد الله بن يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسائل البليغة (٢)، وكان طبع الكذب قد استولى عليه، واستحوذ على عقله، وألفه ألفة النفس الأمل، ويؤكد نقله وكذبه بالأيمان المؤكدة المغلظة مجاهرًا بها، أكذب من السراب، مستهترًا بالكذب مشغوفًا به، لا يزال يحدث من قد صح عنده أنه لا يصدقه، فلا يزجره ذلك عن أن يحدث بالكذب: [من الطويل]
بدا كل ما كتمته بين مخبر وحال أرتني قبح عقدك بينا
وكم حالة صارت بيانًا بحالة كما تثبت الأحكام بالحبل الزنا وفيه أقول قطعة منها: [من الطويل]
أنم من المرآة في كل ما درى وأقطع بين الناس من قضب الهند
أظن المنايا والزمان تعلما تحيله بالقطع بين ذوي الود وفيه أيضًا أقول من قصيدة طويلة: [من الطويل]
وأكذب من حسن الظنون حديثه وأقبح من دين وفقر ملازم
_________________
(١) كان وهزر قائد الجيش الفارسي الذي أرسله كسرى لمعاونة سيف بن ذي يزن على طرد الأحباش وكان حاذقًا في الرماية (انظر مروج الذهب: ٣: ١٦٣ وما بعدها) .
(٢) قوله: يحفظ لعمه الرسائل البليغة الأرجح انه يقصد بهذا العم عبد الملك بن ادريس الجزيري (انظر الذخيرة ٤/ ١: ٤٦ ومراجع ترجمته مذكورة في الحاشية) أما ابن أخيه عبيد الله فمن العبث مساءلة المصادر عن أخبار من كان مثله سقوطًا وخسة؛ ولكن الأمر الذي يستحق التنبيه هو: لماذا لم يحاول ابن حزم ان يخفي اسمه كما أخفى أسماء كثيرين غيره وجعله مرمى لسهام هجائه، حتى كأنه كان مباءة لشتى ضروب الرذائل (أنظر ص: ٢٧٩) .
[ ١ / ١٧٨ ]
أوامر رب العرش أضيع عنده وأهون من شكوى إلى غير راحم
تجمع فيه كل خزي وفضحة فلم يبق شتمًا في المقال لشاتم
وأثقل من عذل على غير قابل (١) وأبرد بردًا من مدينة سالم
وأبغض من بين وهجر ورقبة جمعن على حران حيران هائم وليس من نبه غافلًا، أو نصح صديقًا، أو حفظ مسلمًا، أو حكى عن فاسق أو حدث عن عدو - ما لم يكن يكذب ولا يكذب، ولا تعمد الضغائن - منقلًا (٢) . وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا في قلة المعرفة بالناصح من النمام، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان في الباطن، إحداهما داء والأخرى دواء. والثاقب القريحة لا يخفى عليه أمرهما، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضي في الديانة، ونوى به التشتيت بين الأولياء، والتضريب بين الإخوان، والتحريش والتوبيش (٣) والرقيش. فمن خاف إن سلك طريق النصيحة ان يقع في طريق النميمة، ولم يثق لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده من أمور دنياه ومعاملة أهل زمانه، فليجعل دينه دليلًا وسراجًا يستضيء به، فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف، وكفيلًا له بالنظر وزعيمًا بالإصابة وضمانًا للفلج والخلاص (٤) . فشارع الشريعة وباعث الرسول ﵇ ومرتب الأوامر والنواهي أعلم بطريق الحق وأدرى بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه، وباحث بقياسه في ظنه.
_________________
(١) مدينة سالم: (Medinacelli): تقع على بعد ١٣٥ كيلو مترًا على الطريق من مدريد إلى سرقسطة، وقد توفي المنصور بها ودفن هنالك؛ وهي في منطقة شديدة البرودة شتاء، فلذلك ضرب بها المثل هنا (انظر الادريسي (دوزي): ١٨٩) .
(٢) برشيه: ناقلًا؛ وتعد " منقلًا " خبر " ليس " في أول الفقرة.
(٣) التوبييش: لعلها من وبش الكلام وهو الردئ منه؛ وقرأ برشيه " والتوحيش ".
(٤) وكفيلًا له والخلاص: سقطت هذه العبارة من طبعة الصيرفي ومكي والطبعة البيروتية.
[ ١ / ١٧٩ ]
- ٢٠ -