ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف، وترك ركوب المعصية والفاحشة، وألا يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة، وألا يعصي مولاه المتفضل عليه الذي جعله مكانًا وأهلًا لأمره ونهيه، وأرسل إليه رسله، وجعل كلامه ثابتًا لديه، عناية منه بنا وإحسانًا إلينا.
وإن من هام قلبه، وشغل باله، واشتد شوقه، وعظم وجده، ثم ظفر فرام هواه ان يغلب عقله، وشهوته ان تقهر دينه، ثم أقام العدل لنفسه حصنًا، وعلم أنها النفس الأمارة بالسوء، وذكرها بعقاب الله تعالى وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه، وحذرها من يوم المعاد والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد العقاب الرحمن الرحيم الذي لا يحتاج إلى بينة، ونظر بعين ضميره إلى انفراده عن كل مدافع بحضرة علام الغيوب ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء: ٨٨، ٨٩) ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ (الحجر: ٤٨) ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ (آل عمران: ٣٠) يوم ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا﴾ (طه: ١١١) يوم ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾
[ ١ / ٢٩٥ ]
(الكهف: ٤٩) ﴿يوم الطامة الكبرى﴾، ﴿يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ (النازعات: ٣٥ - ٤١) واليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ (الإسراء: ١٣، ١٤) عندها يقول العاصي: ﴿يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ (الكهف: ٤٩) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا، وطوي كشحه على أحد من السيف، وتجرح غصصًا أمر من الحنظل، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري (١) أن يسر غدًا يوم البعث، ويكون من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود، وأن يأمن روعات القيامة وهول المطلع، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر.
حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال: رأيت شابًا حسن الوجه من أهل قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة التحفظ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده، فعرضت لصاحب المنزل حاجة إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله، فنهض لها على أن ينصرف مسرعًا، ونزل الشاب في داره مع امرأته، وكانت غاية في الحسن وتربًا للضيف في الصبا، فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله، فلما علمت المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها، ولا ثالث لهما إلا الله ﷿، فهم بها ثم ثاب إليه عقله. وفكر في الله ﷿ فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثم قال: يا نفس، ذوقي
_________________
(١) لحري: جواب " إن " قبل سطور كثيرة، حيث بدأ قوله في " الفقرة: وإن من هام قلبه الخ ".
[ ١ / ٢٩٦ ]
هذا وأين هذا من نار جهنم. فهال المرأة ما رأت ثم عاودته، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد إلى الفعلة الأولى، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار (١) . أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم.
ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع القول عليهما، فاجتمعا يومًا خاليين فقال: هلمي نحقق ما يقال فينا. فقالت: لا والله لا كان هذا أبدًا، وأنا أقرأ قول الله: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ (الزخرف: ٦٧) قالت: فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال (٢) .
ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يومًا بجارية كانت له مفاركة (٣) في الصبا، فتعرضت لبعض تلك المعاني، فقال لها: لا، إن من شكر نعمة الله فيما منحني من وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره، ولعمري إن هذا لغريب فيما خلا من الأزمان، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره.
وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما: إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا يجيب دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا
_________________
(١) قارن - مع تذكر الفرق - بين هذا وبين ما جاء في " ذم الهوى ": ٢٧٦ وروضة المحبين: ٤٦٠ وهي رواية اسرائيلية انظر كذلك ص ٤٦٥.
(٢) انظر تزيين الأسواق ١: ٩ حيث نقلت الحكاية عن طوق الحمامة، واشار إلى ذلك الدكتور الطاهر مكي، وكذلك وردت في ديوان الصبابة: ٢٠٨ وصرح هنالك باسم المصدر فقال: قال الحافظ أبو محمد الأموي؛ وانظر روضة المحبين: ٣٤٦.
(٣) مفاركة: هاجرة، وعند برشيه: معادلة.
[ ١ / ٢٩٧ ]
في يوم ولا يومين، ولو طال على هؤلاء الممتحنين ما امتحنوا به لحلت (١) طباعهم وأجابوا هاتف الفتنة، لكن الله عصمهم بانقطاع السبب المحرك نظرًا لهم وعلمًا بما في ضمائرهم من الاستعاذة به من القبائح، واستدعاء الرشد، لا إله إلا هو؛ وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت، وخاطر تجرد انقمعت به طوالع الشهوة في ذلك الحين، لخير أراد الله ﷿ لصاحبه، جعلنا الله ممن يخافه ويرجوه، آمين.
وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن مضا (٢) عن رجال من بني مروان ثقات يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بن غانم (٣) أنه ذكر أن الإمام عبد الرحمن بن الحكم غاب في بعض غزواته شهورًا وثقف القصر بابنه محمد (٤) الذي ولي الخلافة بعده ورتبه في السطح، وجعل مبيته ليلًا وقعوده نهارًا فيه، ولم يأذن له في الخروج البتة، ورتب معه في كل ليلة وزيرًا وفتى من أكابر الفتيان يبيتان معه في السطح؛ قال أبو العباس: فأقام على ذلك مدة طويلة وبعد عهده بأهله، وهو في سن العشرين أو نحوها إلى أن وافق مبيتي في ليلتي نوبة فتى من أكابر الفتيان، وكان صغيرًا في سنه وغاية في حسن وجهه. قال أبو العباس: فقلت في نفسي: إني أخشى الليلة على محمد بن عبد الرحمن الهلاك بمواقعة المعصية وتزيين إبليس وأتباعه
_________________
(١) في الطبعات: لجادت.
(٢) محمد بن عمر (وكتب في بعض الطبعات) بن مضا، كان من أهل الأدب مشهورًا بالفضل (الجذوة: ٧٢ والبغية رقم: ٢٢٥) .
(٣) وليد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم: ذكره ابن الأبار (الحلة ١: ١٦٢) في ترجمة ابنه عبد الرحمن فقال " وولي وليد للأمير محمد بن عبد الرحمن خطتي الوزارة والمدينة وقاد جيش الصائفة الذي قدم عليه ابنه عبد الرحمن وكان عدده عظيمًا " ثم ترجم له مستقلًا (٢: ٣٧٤) فأضاف: " وكان أديبًا مرسلًا بليغًا وتوفي سنة ٢٧٢ " وأخباره في المقتبس (تحقيق الدكتور محمود مكي ط. بيروت) وللمحقق تعليقات ضافية عنه وعن أسرته ص: ٤٤٩، ٥٤١ إلا أن ابن حيان جعل وفاته سنة ٢٩٢ (والخطأ بين الرقمين سبعة وتسعة قديم) .
(٤) الأمير عبد الرحمن بن حكم (٢٠٦ - ٢٣٨ ٨٢١ - ٨٥٢) وابنه محمد بن عبد الرحمن (٢٣٨ - ٢٧٣/ ٨٥٢ - ٨٨٦) وانظر ص: ٩١ فيما تقدم.
[ ١ / ٢٩٨ ]
له، قال: ثم أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطل على حرم أمير المؤمنين، والفتى في الطرف الثاني القريب من المطلع فظللت أرقبه ولا أغفل وهو يظن أني قد نمت ولا يشعر باطلاعي عليه، قال: فلما مضى هزيع من الليل رأيته قد قام واستوى قاعدًا ساعة لطيفة، ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه، ثم قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير، وبقي كذلك ساعة ثم نادى الفتى باسمه فأجابه، فقال له: انزل عن السطح وابق في الفصيل (١) الذي تحته، فقام الفتى مؤتمرًا له. فلما نزل قام محمد وأغلق الباب من داخله وعاد إلى سريره، قال أبو العباس: فعلمت من ذلك الوقت ان لله فيه مراد خير.
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى (٢) عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (٣) .
وإني أذكر أني دعيت إلى مجلس فيه بعض من تستحسن الأبصار صورته، وتألف القلوب أخلاقه، للحديث والمجالسة دون منكر
_________________
(١) الفصيل في فن المعمار عند الاندلسيين يقابل (Vestibulum) في المباني الرومانية ويجمع على فصلان؛ ويتردد ذكره كثيرًا في المصادر الأندلسية، وفي المقتبس (نشر أنطونية): ٧٤ وأصعد غلمانه وغلمان الولد على سقف الفصيل؛ وانظر ملحق دوزي ٢: ٢٧٢.
(٢) قد مر التعريف بالأندلسيين من رجال هذا السند.
(٣) الحديث في البخاري (أذان: ٣٦؛ زكاة: ١٦؛ رقاق: ٢٤؛ حدود: ١٩) ومسلم (زكاة: ٩١) والترمذي (زهد: ٥٣) والنسائي (قضاة: ٢) ومسند أحمد ٢: ٤٣٦ وذم الهوى: ٢٤٣.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ولا مكروه، فسارعت إليه وكان هذا سحرًا، فبعد أن صليت الصبح وأخذت زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات، ومعي رجل من إخواني فقال لي: ما هذا الإطراق فلم أجبه حتى أكملتها، ثم كتبتها ودفعتها إليه، وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت، ومن الأبيات: [من الطويل] .
أراقك حسن غيبه لك تأريق وتبريد وصل سره فيك تحريق
وقرب مزار يقتضي لك فرقة وشكًا ولولا القرب لم يك تفريق
ولذة طعم معقب لك علقمًا وصابًا وفسح في تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا إفناء الأعمار، وإتعاب الأبدان، وإجهاد الطاقة، واستنفاد الوسع، واستفراغ بالعقل الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها، وامتن علينا بالعقل الذي به عرفناه، ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات، وصرف لنا السموات جارية بمنافعها، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه، ولا نظرنا لأنفسنا نظره لنا، وفضلنا على أكثر المخلوقات، وجعلنا مستودع كلامه ومستقر دينه، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها، ثم لم يرض لعباده ان يدخلوها إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم، قال الله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ (السجدة: ١٧) ورشدنا إلى سبيلها، وبصرنا وجه ظلها (١)، وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقًا من حقوقنا قبله، ودينًا لازمًا له، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها، وأثابنا بفضله على تفضله - هذا كرم لا تهتدي إليه العقول، ولا يمكن أن تكيفه (٢) الألباب. ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني، فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد، وتذوب له النفوس، وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل؛ فأين المذهب عن
_________________
(١) لعل الصواب " نيلها ".
(٢) لعل الصواب " تكتنفه " أو " تكتنهه ".
[ ١ / ٣٠٠ ]
طاعة هذا الملك الكريم، وما الرغبة في لذة ذاهبة لا تذهب الندامة عنها، ولا تفنى التباعة منها، ولا يزول الخزي عن راكبها، وإلى كم هذا التمادي وقد أسمعنا المنادي، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار، فإما إلى جنة وإما إلى النار. ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين، وفي ذلك أقوال (١): [من المنسرح] .
أقصر عن لهوه وعن طربه وعف في حبه وفي غربه
فليس شرب المدام همته ولا اقتناص الظباء من أربه
قد آن للقلب أن يفيق وأن يزيل ما قد علاه من حجبه
ألهاه عما عهدت يعجبه (٢) خيفة يوم تبلى السرائر به
يا نفس جدي وشمري ودعي عنك اتباع الهوى على لغبه
وسارعي في النجاة واجتهدي ساعية في الخلاص من كربه
علي أحظى بالفوز فيه وأن أنجو من ضيقه ومن لهبه
يا أيها اللاعب المجد به ال دهر أما تتقي شبا نكبه
كفاك من كل ما وعظت به ما قد أراك الزمان من عجبه
دع عنك دارًا تفنى غضارتها ومكسبًا لاعبًا بمكتسبه
لم يضطرب في محلها أحد إلا نبا حدها بمضطربه
من عرف الله حق معرفة لوى وحل الفؤاد في رهبه
ما منقضي الملك مثل خالده (٣) ولا صحيح التقى كمؤتشبه
ولا تقي الورى كفاسقهم وليس صدق الكلام من كذبه
فلو أمنا من العقاب ولم نخش من الله متقى غضبه
ولم نخف ناره التي خلقت لكل جاني الكلام محتقبه
لكان فرضًا لزوم طاعته ورد وفد الهوى على عقبه
_________________
(١) يعارض ابن حزم بهذه القصيدة (على سبيل التمحيص) قصيدة لأبي تمام، انظر ديوانه ١: ٢٦٩.
(٢) من الآية الكريمة (يوم تبلى السرائر) الطارق: ٩.
(٣) المؤتشب: المختلط غير الصريح؛ وقارن به قول أبي تمام: ما سجج الشوق مثل جماحه ولا صريح الهوى كمؤتشبه
[ ١ / ٣٠١ ]
وصحة الزهد في البقاء وأن يلحق تفنيدنا بمرتقبه
فقد رأينا فعل الزمان بأه ليه كفعل الشواظ في حطبه
كم متعب في (١) الإله مهجته راحته في الكريم (٢) من تعبه
وطالب باجتهاده زهر ال دنيا عداه المنون عن طلبه
ومدرك ما ابتغاه ذي جذل حل به ما يخاف من سببه
وباحث جاهد لبغيته فإنما بحثه على عطبه
بينا ترى المرء ساميًا ملكًا صار إلى السفل من ذرى رتبه
كالزرع للرجل فوقه عمل ان ينم حسن النمو في قصبه
كم قاطع نفسه أسى وشجا في إثر جد يجد في هربه
أليس من ذاك زاجر عجب يزيد ذا اللب في حلى أدبه
فكيف والنار للمسيء إذا عاج عن المستقيم من عقبه
ويوم عرض الحساب يفضحه ال له ويبدي الخفي من ريبه ثاني
من قد حباه الإله رحمته موصولة بالمزيد من نشبه
فصار من جهله يصرفها فيما نهى الله عنه في كتبه
أليس هذا أحرى العباد غدًا بالوقع في ويله وفي حربه
شكرًا لرب لطيف قدرته فينا كحبل الوريد في كثبه
رازق أهل الزمان اجمعهم من كان من عجمه ومن عربه
والحمد لله في تفضله وقمعه للزمان في نوبه
أخدمنا الأرض والسماء ومن في الجو من مائه ومن شهبه
فاسمع ودع من عصاه ناحية لا يحمل الحمل غير محتطبه وأقول أيضًا: [من الطويل] .
أعارتك دنيا مسترد معارها غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها
وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة وقد حان من دهم المنايا مزارها
_________________
(١) برشيه: للاله.
(٢) بعض الطبعات: الكريه.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وكيف تلذ العين هجعة ساعة وقد طال فيما عاينته اعتبارها
وكيف تقر النفس في دار نقلة قد استيقنت أن ليس فيها قرارها
وأنى لها في الأرض خاطر فكرة ولم تدر بعد الموت أين محارها
أليس لها في السعي للفوز شاغل أما في توقيها العذاب ازدجارها
فخابت نفوس قادها لهو ساعة إلى حر نار ليس يطفى أوارها
لها سائق حاد حثيث مبادر إلى غير ما أضحى إليه مدارها
تراد لأمر وهي تطلب غيره وتقصد وجهًا في سواه سفارها
أمسرعة فيما يسوء قيامها وقد أيقنت أن العذاب قصارها
تعطل مفروضًا وتغنى بفضلة لقد شفها طغيانها واغترارها
إلى ما لها منه البلاء سكونها وعما لها منه النجاح نفارها
وتعرض عن رب دعاها لرشدها وتتبع دنيا جد عنها فرارها
فيا أيها المغرور بادر برجعة فلله دار ليس تخمد نارها
ولا تتخير فانيًا دون خالد دليل على محض العقول اختيارها
أتعلم أن الحق فيما تركته وتسلك سبلًا ليس يخفى عوارها
وتترك بيضاء المناهج ضلة لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها
تسر بلهو معقب بندامة إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها
وتفنى الليالي والمسرات كلها وتبقى تباعات الذنوب وعارها
فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد تبين من سر الخطوب استتارها
فعجل إلى رضوان ربك واجتنب نواهيه إذ قد تجلى منارها
يجد مرور الدهر عنك بلاعب وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها
فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا وهاتيك منها مقفرات ديارها
تذكر على ما قد مضى واعتبر به فإن المذكي للعقول اعتبارها
تحامى ذراها كل باغ وطالب وكان ضمانًا في الأعادي انتصارها
توافت ببطن الأرض وانشت شملها وعاد إلى ذي ملكه مستعارها
وكم راقد في غفلة عن منية مشمرة في القصد وهو شعارها
ومظلمة قد نالها متسلط مدل بأيد عند ذي العرش ثارها
[ ١ / ٣٠٣ ]
أراك إذا حاولت دنياك ساعيًا على أنها باد إليك ازورارها
وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى وتبدي أناة لا يصح اعتذارها
تحاذر أحزانًا ستفنى وتنقضي وتنسى التي فرض عليك حذارها
كأني أرى منك التبرم ظاهرًا مبينًا إذا الأقدار حل اضطرارها
هناك يقول المرء من لي بأعصر مضت كان ملكًا في يدي خيارها
تنبه ليوم قد أظلك ورده عصيب يوافي النفس فيه احتضارها
تبرأ فيه منك كل مخالط وآن من الآمال فيه انهيارها
فأودعت في ظلماء ضنك مقرها يلوح عليها للعيون اغبرارها
تنادى فلا تدري المنادي مفردًا وقد حط عن وجه الحياة خمارها
تنادى إلى يوم شديد مفزع وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها
إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت (١) صحائفنا وانثال فينا انتشارها
(٢) وزينت الجنات فيه وأزلفت واذكي من نار الجحيم استعارها
وكورت الشمس المنيرة (٣) بالضحى (٤) وأسرع من زهر النجوم انكدارها
لقد جل أمر كان منه انتظامها وقد حل أمر كان منه انتثارها
وسيرت الأجبال والأرض (٥) بدلت (٦) وقد عطلت من مالكيها عشارها
فإما لدار ليس يفنى نعيمها وإما لدار لا يفك إسارها
بحضرة جبار رفيق معاقب فتحصى المعاصي كبرها وصغارها
ويندم يوم البعث جاني صغارها وتهلك أهليها هناك كبارها
ستغبط أجساد وتحيا نفوسها إذا ما استوى إسرارها وجهارها
إذا حفهم عفو الإله وفضله وأسكنهم دارًا حلالًا عقارها
_________________
(١) مشير إلى الآية الكريمة (وإذا الصحف نشرت) التكوير: ١٠؛ وفي بعض الطبعات: انتثارها؛ وقافية " انتثارها " ستأتي بعد بيتين.
(٢) وإذا الجنة أزلفت (التكوير: ١٣) .
(٣) إذا الشمس كورت (التكوير: ١) .
(٤) وإذا النجوم انكدرت (التكوير: ٢) .
(٥) وإذا الجبال سيرت (التكوير: ٣) .
(٦) وإذا العشار عطلت (التكوير: ٤) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى (١) بحلبة سبق طرفها وحمارها
يفر بنو الدنيا بدنياهم التي يظن على أهل الحظوظ اقتصارها
هي الأم خير البر فيها عقوقها وليس بغير البذل يحمى ذمارها
فما نال الحظ إلا مهينها وما الهلك إلا قربها واعتمارها
تهافت فيها طامع بعد طامع وقد بان للب الذكي اختبارها
تطامن لغمر الحادثات ولا تكن لها ذا اعتمار يجتنبك (٢) غمارها
وإياك أن تغتر منها بما ترى فقد صح في العقل الجلي عيارها
رأيت ملوك الأرض يبغون عدة ولذة نفس يستطاب اجترارها
وخلوا طريق القصد في مبتغاهم لمعقبة الصغار جم صغارها
وإن التي يبغون نهج لغية مكين لطلاب الخلاص اختصارها
هل العز إلا همة صح صونها إذا صان همات الرجال انكسارها
وهل رابح إلا امرؤ متوكل قنوع غني النفس باد وقارها
ويلقى ولاة الملك خوفًا وفكرة تضيق بها ذرعًا ويفنى اصطبارها
عيانًا نرى هذا ولكن سكرة أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها
تدبر من الباني على الأرض سقفها (٣) وفي علمه معمورها وقفارها
ومن يمسك الأجرام والأرض أمره بلا عمد يبنى عليه قرارها
ومن قدر التدبير فيها بحكمة فصح لديها ليلها ونهارها
ومن فتق الأمواه في صفح وجهها فمنها تغذى حبها وثمارها
ومن صير الألوان في نور نبتها فأشرق فيها وردها وبهارها
فمنهن مخضر يروق بصيصه ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها
ومن حفر الأنهار دون تكلف فثار من الصم الصلاب انفجارها
ومن رتب الشمس المنير ابيضاضها غدوًا ويبدو بالعشي اصفرارها
_________________
(١) أي أن أهل الفسوق لن يلحقوهم، لأن الحمار لا يدرك الجواد في حلبة السباق.
(٢) برشيه: يجتبيك، وهو خطأ.
(٣) في هذا البيت وأبيات تليه ينظر إلى الآيات ٤ - ٢ من سورة الرعد، كما فعل من قبل في آيات سورة التكوير.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومن خلق الأفلاك فامتد جريها واحكمها حتى استقام مدارها
ومن إن ألمت بالعقول رزية فليس إلى حي سواه افتقارها
تجد كل هذا راجعًا نحو خالق له ملكها منقادة وائتمارها
أبان لنا الآيات في أنبيائه فأمكن بعد العجز فيها اقتدارها
فأنطلق أفواهًا بألفاظ حكمة (١) وما حلها إثغارها واتغارها
وأبرز من صم الحجارة ناقة وأسمعهم في الحين منها حوارها
ليوقن أقوام وتكفر عصبة (٢) أتاها بأسباب الهلاك قدارها
وشق لموسى البحر دون تكلف وبان من الأمواج فيه انحسارها
وسلم من نار الأتون خليله (٣) فلم يؤذه إحراقها واحترارها
ونجى من الطوفان نوحًا وقد هدى به أمة أبدى الفسوق شرارها
ومكن داودًا بأيد وإبنه (٤) فتعشيرها ملقى له وبذارها
وذلل جبار البلاد لأمره وعلم من طير السماء حوارها
وفضل بالقرآن أمة أحمد ومكن في أقصى البلاد مغارها
وشق له بدر السماء وخصه (٥) بآيات حق لا يحل مغارها
وأنقذنا من كفر أربابنا به (٦) وكان على قطب الهلاك مدارها
فما بالنا لا نترك الجهل ويحنا لنسلم من نار ترامى شرارها
_________________
(١) أخذ في هذا البيت والذي يليه يعدد المعجزات التي جاء بها الأنبياء ككلام عيسى في المهد وناقة صالح وشق البحر لموسى ونار ابراهيم وطوفان نوح والتمكين لداود وسليمان، والقرآن لمحمد ﷺ وشق البدر.. الخ.
(٢) يعني قدار بن سالف عاقر الناقة.
(٣) احترارها: التهابها؛ وفي بعض الطبعات: واعترارها، ولا معنى له.
(٤) تعشيرها: أخذ العشر منها؛ والبذار: الحب الذي يبذر، أي له زرع الأرض وجني حصادها؛ وفي قراءة: فتعسيرها - بالسين المهملة -، ولذلك قرأ برشيه " ويسارها " ليتطابق اليسر مع العسر.
(٥) المغار: الحبل المفتول، أي انها آيات محكمات لا تنقض، وفي بعض الطبعات " معارها " بالعين المهملة وهو خطأ.
(٦) في بعض الطبعات منارها؛ ولا معنى له.
[ ١ / ٣٠٦ ]