من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة، وهذا أمر يترقى منه إلى جميع الحب، فتكون المراسلة والمكاتبة والهم والوجد والسهر على غير الإبصار، فغن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيرًا في النفس ظاهرًا؛ وأن تسمع نغمتها من وراء جدار، فيكون سببًا للحب واشتغال البال.
وهذا كله قد وقع لغير ما واحد، ولكنه عندي بنيان هار على غير أس، وذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لابد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة يتوهمها وعينًا يقيمها نصب ضميره، لا يتمثل في هاجسه غيرها، قد مال بوهمه نحوها، فإن وقعت المعاينة يومًا ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية، وكلا الوجهين قد عرض وعرف، وأكثر ما يقع هذا في ربات الخدور (١) المحجوبات من أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال، وحب النساء في هذا أثبت من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن، وتمكنه منهن؛ وفي ذلك أقول شعرًا (٢) منه: [من الهزج] .
_________________
(١) في بعض الطبعات: القصور.
(٢) انظر ديوان الصبابة: ٥١ حيث أورد هذه الأبيات ونسبها للمدني () .
[ ١ / ١١٧ ]
ويا من لامني في حب من لم يره طرفي لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف فقل هل تعرف الجنة يومًا بسوى الوصف وأقول شعرًا في استحسان النغمة دون وقوع العين على العيان منه: [من مخلع البسيط]
قد حل جيش الغرام (١) سمعي وهو على مقلتي يبدو وأقول أيضًا في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند وقوع الرؤية: [من الكامل]
وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما وصفوا علمت بأنه هذيان
فالطبل جلد فارغ وطنينه يرتاع منه ويفرق الإنسان وفي ضد هذا أقول:
لقد وصفوك لي حتى التقينا فصار الظن حقًا في العيان
فأوصاف الجنان مقصرات على التحقيق عن قدر الجنان وإن هذه الأحوال لتحدث بين الأصدقاء والإخوان، وعني أحدث،
خبر:
أنه كان بيني وبين رجل من الأشراف ود وكيد وخطاب كثير، وما تراءينا قط، ثم منح الله لي لقاءه، فما مرت إلا أيام قلائل حتى وقعت لنا منافرة عظيمة ووحشة شديدة متصلة إلى الآن، فقلت في ذلك قطعة منها: [من البسيط]
_________________
(١) حلول جيش الغرام في السمع استعارة قبيحة، هذا إذا لم نقدر أن في اللفظة تصحيفًا. وقد تصرف ابن القيم بهذه الصورة (روضة المحبين: ٢٤١) فقال: وجيش المحبة قد يدخل المدينة من باب السمع كما يدخلها من باب البصرة.
[ ١ / ١١٨ ]
أبدلت أشخاصنا (١) كرهًا وفرط قلى كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ ووقع لي ضد هذا مع أبي عامر بن أبي عامر رحمة الله عليه، فإني كنت له على كراهة صحيحة وهو لي كذلك، ولم يرني ولا رأيته، وكان أصل ذلك تنقيلًا يحمل إليه عني وإلي عنه، ويؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه أود الناس وصرت له كذلك، إلى ان حال الموت بيننا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب]
أخ لي كسبنيه اللقاء وأوجدني فيه علقًا شريفا
وقد كنت أكره منه الجوار وما كنت أرغبه لي أليفا
وكان البغيض فصار الحبيب وكان الثقيل فصار الخفيفا
وقد كنت أدمن عنه الوجيف فصرت أديم إليه الوجيفا وأما أبو شاكر عبد الواحد بن محمد القبري (٢) فكان لي صديقًا مدة على غير رؤية، ثم التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الآن.
_________________
(١) اشخاصنا: قرأها برشيه " اخلاصنا ".
(٢) في الأصل: عبد الرحمن؛ وهو عبد الواحد بن محمد بن موهب بن محمد الدجيبي أبو شاكر، يعرف بابن القبري، كان فقيهًا محدثًا خطيبًا شاعرًا، نشأ بقرطبة، ويبدو أنه تحول بعد الفتنة إلى شاطبة، وولي الأحكام والمظالم بها، وهنالك رآه الحميدي، وهنالك توكدت الصلة بينه وبين ابن حزم (الجذوة: ٢٧١ والبغية رقم: ١١٠٧) وقد سكن أبو شاكر بلنسية وتقلد الصلاة والخطبة والأحكام بها، وكانت وفاته سنة ٤٥٦ بمدينة شاطبة ونقل إلى بلنسية فدفن فيها، وكان ربعة من الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير وسيمًا جميلًا حسن الهيأة والخلق، حسن السمت والهدي (الصلة: ٣٦٥ - ٣٦٦) وله شعر في رثاء قرطبة منه قوله (ترتيب المدارك ٤: ٨١٨) . يا ليت شعري والأيام تجمعنا ونأخذ البينة مغلوبًا فنصفعه في جنة الأرض اعني أرض قرطبة فكل شيء بديع فهي تجمعه استودع الله أهليها فإنهم كالمسك قد ملأ الدنيا تضوعه
[ ١ / ١١٩ ]
- ٥ -