وكثيرًا ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فانقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسمًا ولا مستقرًا، وقد عرض هذا لغير واحد؛
خبر:
حدثني صاحبنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني اسمه، وأظنه القاضي ابن الحذاء (١)، أن يوسف بن هارون الشاعر (٢) المعروف بالرمادي كان مجتازًا عند باب العطارين
_________________
(١) ابن الحذاء: هو محمد بن يحيى بن أحمد أحد رجال الأندلس فقهًا وعلمًا وتفننًا في العلوم، استقضي ببجانة ثن باشبيلية، وكان أحد القضاة المشاورين بقرطبة، وتولى خطة الوثائق السلطانية، وخرج عن قرطبة في الفتنة واستقضي بمدينة تطيلة في الثغر الأعلى ثم نقل منها إلى قضاء مدينة سالم ثم إلى سرقسطة وفيها توفي (٤١٦) (الصلة: ٤٧٨ - ٤٨٠ وترتيب المدارك ٤: ٧٣٣) والنص هنا قد ينطبق عليه ولعى ابنه أحمد ويكنى بأبي عمر، فقد بدأ سماعه سنة ٣٩٣ وجلا عن وطنه في الفتنة وسكن سرقسطة وتقلد القضاء بطليطلة، وانصرف في آخر عمره إلى قرطبة، وتوفي سنة ٤٦٧ (الصلة: ٦٥ - ٦٦) .
(٢) يوسف بن هارون الرمادي (أبو جنيش)؛ ربما كان أبرز شعراء الأندلس في عصره، وقد توفي في الفتنة (حوالي ٤٠٣)؛ انظر ترجمته في الجذوة: ٣٤٦ والبغية رقم: ١٤٥١ والصلة: ٦٣٧ والمطرب: ٤ والمغرب ١: ٣٩٢ والمطمح: ٦٩ واليتيمة ١: ٤٣٥ وابن خلكان ٧: ٢٢٥ ومسالك الأبصار ١١: ١٧٥، والمقتبس (ط. بيروت) ٧٤، ٧٥ ومعجم الأدباء ٢٠: ٦٢، وله أشعار في البديع للحميري وكتاب التشبيهات للكتاني ونفح الطيب وشرح الشريرشي على المقامات، وعنه دراسة في كتابي تاريخ الأدب الاندلسي، عصر سيادة قرطبة: ٢٠٥ (ط. ثانية)، وقد جمع شعره السيد ماهر زهير جرار ونشرته مؤسسة الدراسات العربية، بيروت ١٩٨٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
بقرطبة (١)، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع اعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة (٢)، فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض. فلما صارت بين رياض بني مروان - ﵏ - المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفردًا عن الناس لا همة له غيرها، فانصرفت إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي فأخبرها بعظيم بليته بها. فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في البتة ولا إلى ما ترغبه سبيل، فقال: إني أقنع بالنظر، فقالت: ذلك مباح لك، فقال لها: يا سيدتي، أحرة أم مملوكة قالت: مملوكة، فقال لها: ما اسمك. قالت: خلوة، قال: ولمن أنت فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال، فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد هذا قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة.. فقالت له: إما تنهض أنت أو انهض أنا (٣)، فقال لها: انهضي في
_________________
(١) ذكر ابن بشكوال أن أبواب قرطبة سبعة باب القنطرة إلى جهة القبلة، وباب الحديد ويعرف بباب سرقسطة، وباب ابن عبد الجبار وهو باب طليطلة، وباب رومية، وباب طلبيرة، ثم باب عامر القرشي ثم باب الجوز ويعرف بباب طليوس ثم باب العطارين وهو باب إشبيلية، ومن دونه تجارة العطور والدكاكين والعطارين (انظر النفح ١: ٤٦٥) .
(٢) قنطرة قرطبة تقع شمالي باب قرطبة الجنوبي (المسمى بها أي باب القنطرة)، وهو الباب الذي يصل بين المدينة وربض شقندة، وقد بناها أغسطس قيصر، وكانت تتثلم بسبب مد النهر فيتم اصلاحها وترميمها، فقد رممها الحكم المستنصر سنة ٣٦٠ (أنظر عبد العزيز سالم قرطبة حضرة الخلافة الإسلامية ١: ١٩٧ - ٢٠١ ومصادره هنالك) .
(٣) فقالت له إما أن تنهض أنت أو أنهض أنا؛ يبدو أن هنا سقطًا؛ والرواية نفسها عن ابن حزم عند الحميدي: " فلما قرب وقت صلاة العصر، انصرفت فجعلت أقفو أثرها، فلما بلغت قنطرة قالت إما أن تتأخر واما أن تتقدم فلست والله أخطو خطوة وأنت معي، فقلت لها: أهذا آخر العهد، قالت: لا، قلت لها: فمتى اللقاء قالت: كل يوم جمعة في هذا الوقت في هذا المكان، قلت لها: فما ثمنك أن باعك من أنت له قال: ثلاثمائة دينار، قال: فخرجت جمعة أخرى فوجدتها على العادة الأولى فزاد كلفي بها " ثم يقص كيف ارتحل إلى سرقسطة ومدح عبد الرحمن بن محمد الدجيبي صاحبها، وذكر له قصته مع خلوة وأخذ منه ثلاثمائة دينار سوى نفقة الطريق، قال: " وعدت إلى قرطبة فلزمت الرياض جمعًا لا أرى لها أثرًا وقد انطبقت سما ئي على أرضي، وضاق صدري إلى أن دعاني يومًا رجل من اخواني فدخلت إلى داره وأجلسني في صدر مجلسه ثم قام لبعض شئنه، فلم أشعر إلا بالستارة المقابلة لي قد رفعت وإذا بها، فقلت: خلوة، فقال: نعم، قلت: ألأبي فلان أنت مملوكة قالت: لا والله ولكني أخته، قال: فكان الله تعالى محا محبتها من قلبي، وقمت من فوري، واعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرف (الجذوة: ٣٤٧ - ٣٤٨) .
[ ١ / ١٢١ ]
حفظ الله. فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه اتباعها لأنها كانت تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم لا. فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة.
قال أبو عمر - وهو يوسف بن هارون -: فو الله لقد لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر، وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره. ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة (١) في قصة.
ومثل ذلك كثير، وفي لك أقول قطعة منها: [من البسيط]
عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر فأرسل الدمع مقتصًا من البصر
فكيف تبصر الدمع منتصفًا (٢) منها بإغراقها في دمعها الدرر
لم ألقها قبل إبصاري فأعرفها وآخر العهد منها ساعة النظر
_________________
(١) سرقسطة (Zaragoza) مدينة الثغر الأعلى، وكانت آلهة حسنة الديار والمساكن، حكمها بنو هود في أيام ملوك الطوائف، وسقطت في يد النصارى سنة ٥١٢ (الروض: ٣١٧ والترجمة: ١١٨ والعذري: ٢٢ والزهري: ٢٢٦ والادريسي (دوزي) ١٩٠.) .
(٢) قرأها درشيه: دفعها؛ والدرر هنا كما تقول: سماء درر أي ذات درر، وفي حديث الاستسقاء: " ديمًا دررًا " وقيل الدرر: الدار، وعندئذ يكون القول على النعت المباشر أي بإغراقها في دمعها الدار.
[ ١ / ١٢٢ ]
والقسم الثاني مخالف للباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أن يعلق المرء من نظرة واحدة جارية معروفة الاسم والمكان والمنشأ، ولكن التفاضل يقع في هذا في سرعة الفناء وإبطائه، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة خاطرة فهو دليل على قلة الصبر، ومخبر بسرعة السلو، وشاهد الطرافة (١) والملل. وهكذا في جميع الأشياء: أسرعها نموًا أسرعها فناء، وأبطؤها حدوثًا أبطؤها نفادًا.
خبر:
إني لأعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشأة، عالية المنصف، غليظة الحجاب، وهو مجتاز، ورأته في موضع تطلع منه كان في منزلها، فعلقته وعلقها، وتهاديا المراسلة زمانًا على أدق من حد السيف، ولولا أني لم أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكايد لأوردت مما صح عندي أشياء تحير اللبيب وتدهش العاقل، أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمنه، وكفانا.
_________________
(١) الطرافة: من قولك فلان طرف أي سريع الملل لا يثبت على عهد.
[ ١ / ١٢٣ ]
- ٦ -