٢١٥ - إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا لا حضور مستغن بما عندك طالب عثرة تشنعها أو غريبة تشيعها، فهذه أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العالم أبدًا.
فإذا حضرتها على هذه النية، فقد حصلت خيرًا على كل حال، فان لم تحضرها على هذه النية فجلوسك في منزلك أروح لبدنك وأكرم لخلقك واسلم لدينك.
٢١٦ - فإذا حضرتها كما ذكرنا فالتزم أحد ثلاثة اوجه لا رابع لها وهي:
(أ) إما أن تسكت سكوت الجهال، فتحصل على اجر النية في المشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة الفضول وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس.
(ب) فإن لم تفعل فأسأل سؤال المتعلم فتحصل على هذه الأربع المحاسن وعلى خامسة، وهي استزادة العلم. وصفة سؤال المتعلم هو أن تسال عن ما لا تدري لا عن
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) ص: مجالس الذكر، ولعله سهو من الناسخ، إلا أن يتأول " الذكر " على وجه يجعله والعلم سواء.
[ ١ / ٤١١ ]
ما تدري فإن السؤال عما تدريه سخف وقلة عقل وشغل لكلامك وقطع لزمانك بما لا فائدة فيه لا لك ولا لغيرك وربما أدى إلى اكتساب العداوات. وهو يعد عين الفضول. فيجب عليك أن لا تكون فضوليًا، فانها صفة سوء. فان أجابك الذي سألت بما فيه كفاية لك فاقطع الكلام، فان لم يجبك بما فيه كفاية، أو أجابك بما لم تفهم فقل له: لم أفهم، واستزده، فان لم يزدك بيانًا وسكت أو أعاد عليك الكلام الأول ولا مزيد فأمسك عنه والا حصلت على الشر والعداوة ولم تحصل على ما تريده من الزيادة.
(ج) والوجه الثالث ان تراجع مراجعة العالم، وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضًا بينًا، فان لم يكن ذلك عندك ولم يكن عندك إلا تكرار قولك أو المعارضة بما لا يراه خصمك معارضة، فأمسك لأنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر زائد ولا على تعليم، بل على الغيظ لك ولخصمك والعداوة التي ربما ادت إلى المضرات.
وإياك وسؤال المعنت (١) ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم، فهما خلقا سوء دليلان على قلة الدين وكثرة الفضول وضعف العقل وقوة السخف، وحسبما الله ونعم الوكيل.
٢١٧ - وإذا ورد عليك خطاب بلسان أو هجمت على كلام في كتاب، فاياك أن تقابله مقابلة المغاضبة الباعثة على المغالبة (٢) قبل أن تتيقن بطلانه ببرهان قاطع. وأيضًا فلا تقبل عليه اقبال المصدق (٣) به المستحسن إياه قبل علمك بصحبته ببرهان قاطع فتظلم في كلا الوجهين نفسك وتبعد عن ادراك الحقيقة، ولكن أقبل عليه سالم القلب عن النزاع عنه والنزوع اليه، لكن إقبال من يريد حظ نفسه في فهم
_________________
(١) ص: المعيب.
(٢) م: المبالغة.
(٣) ص: الصدق.
[ ١ / ٤١٢ ]
ما سمع ورأى ليزيد (١) به علمًا وقبوله ان كان حسنًا أو رده ان كان خطأ، فمضمون لك، اذا فعلت ذلك، الأجر الجزيل والحمد الكثير والفضل العميم.
٢١٨ -[من اكتفى بقليله عن كثير ما عندك، فقد ساواك في الغنى ولو أنك قارون، حتى اذا تصاون في الكسب عما تشره أنت اليه فقد حصل أغنى منك بكثير. ومن ترفع عما تخضع اليه من أمور الدنيا فهو أعز منك بكثير] (٢) .
٢١٩ - فرض على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين جميعًا، فقد استوفى الفضلين معًا، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعلم وأساء في ترك العمل به، فخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل به، وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالة واقل ذمًا من آخر ينهى عن تعلم الخير ويصد عنه. ولو لم ينه عن الشر الا من ليس فيه منه شيء ولا أمر بالخير الا من استوعبه لما نهى أحد عن شر ولا أمر بخير بعد [النبي ﷺ وحسبك بمن ادى رأيه إلى هذا فسادًا وسوء طبع وذم] (٣) حال، وبالله تعالى التوفيق.
٢٢٠ -[قال أبو محمد ﵁: فاعترض ها هنا انسان فقال: كان الحسن ﵁ إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلًا واذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وهكذا تكون الحكمة، وقد قيل: أقبح شيء في العالم ان يأمر [المرء] بشيء لا يأخذ به في نفسه أو ينهى عن شيء يستعمله.
_________________
(١) ص: بالتزيد.
(٢) هذه الفقرة المزيدة (من طبعة ١٩٠٨) لا علاقة وثيقة لها بالفصل.
(٣) ما بين معقفين سقط من ص، وهو ثابت في د.
[ ١ / ٤١٣ ]
قال أبو محمد: كذب قائل هذا، وأقبح منه من لم يأمر بخير ولا نهى عن شر، وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير.
قال أبو محمد: وقد قال أبو الأسود الدؤلي (١): [من الكامل] .
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالعلم منك وينفع التعليم قال أبو محمد: ان أبا الأسود انما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء وانه يتضاعف قبحه فيه مع نهيه عنه، فقد احسن كما قال الله تعالى: ﴿اتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (البقرة: ٤٤) ولا يظن بأبي الأسود الا هذا وأما أن يكون نهى عن النهي عن الخلق المذموم فنحن نعيذه بالله من هذا، فهو فعل من لا خير فيه.
وقد صح عن الحسن أنه سمع انسانًا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله، فقال الحسن: ود ابليس لو ظفر منها بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ولا يأمر بمعروف.
قال أبو محمد: صدق الحسن، وهو قولنا آنفًا.
جعلنا الله ممن يوفق لفعل الخير والعمل به، وممن يبصر رشد نفسه، فما أحد الا له عيوب، اذا نظرها شغلته عن غيره، وتوفانا على سنة محمد ﷺ آمين رب العالمين] (٢) .
_________________
(١) أنظر ديوانه (تحقيق محمد حسن آل ياسين، بيروت ١٩٧٤): ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) هذه الفقرة المزيدة ثابته لابن حزم لأنها تحمل أسلوبه وطريقته، ولكن هذا الأخ والرد أشبه بكتاب " الفصل " منه بهذه الرسالة.
[ ١ / ٤١٤ ]
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى
الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وسلم تسليمًا كثيرًا ورضي
الله عن أصحاب
رسول الله.
[ ١ / ٤١٥ ]
فراغ
[ ١ / ٤١٦ ]
- ٣ -