وإصلاح الأخلاق الذميمة
١ - لذة العاقل بتمييزه، ولذة العالم بعلمه، ولذة الحكيم بحكمته، ولذة المجتهد لله ﷿ باجتهاده أعظم (١) من لذة الآكل باكله، والشارب بشربه، والواطئ بوطئه، والكاسب بكسبه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره. وبرهان ذلك أن الحكيم والعالم والعاقل والعامل ومن ذكرنا (٢) واجدون لسائر اللذات التي سمينا كما يجدها المنهمك فيها ويحسونها كما يحسها المقبل عليها. وإنما يحكم في الشيئين من عرفهما، لا من عرف أحدهما ولا يعرف الآخر.
٢ - إذا تعقبت (٣) الأمور كلها فسدت عليك، وانتهيت في آخر فكرتك، باضمحلال جميع أحوال الدنيا، إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط، لان كل أمل ظفرت به فعقباه حزن إما بذهابه عنك، وإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين، إلا العمل لله ﷿، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل. أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس وانك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة.
_________________
(١) ص: أعظم لذة ما ذكرنا.
(٢) ومن ذكرنا: مكررة في ص.
(٣) ص: انعقبت.
[ ١ / ٣٣٥ ]
٣ - تطلبت غرضًا يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحدًا، وهو طرد الهم (١): فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم هممهم وإراداتهم (٢) لا يتحركون حركة أصلًا إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلًا إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم. فمن مخطئ وجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره، والله اعلم.
[فطرد الهم] (٣) مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئًا سواه، وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه، إذ في الناس من لا دين له فعلا يعمل للآخرة، وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ولا الأمن ولا الحق، وفي الناس من يؤثر (٤) الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت، وفي الناس من لا يريد المال ويؤثر عدمه
_________________
(١) يبدو لي أن ابن قيم الجوزية لخص ما بقوله ابن حزم في هذه الفقرة دون أن يسميه فقال: (الجواب الكافي: ١٣٦) قال بعض العلماء: فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد، وان اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا في الأكل والشرب، وهذا في التجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا في اللهو واللعب، فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر إلى الاقبال على الله وحده، ومعالمته وحده، وايثار مرضاته على كل شيء، فإن سالك هذا الطريق ان فاته حظه في الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه وان حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته كل شيء، وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنا الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه إلى ذاته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق ".
(٢) قد تقرأ في ص: ومراداتهم، لاضطراب الناسخ في كتابتها.
(٣) زيادة من م، وفي ص بياض.
(٤) هذه قراءة م، وفي ص صورة " يريد ".
[ ١ / ٣٣٦ ]
على وجوده ككثير من الأنبياء، ﵈، ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة، وفي الناس من يبغض اللذات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه، وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من نرى من العامة، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها. وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد (١) يستحسن الهم، ولا يريد إلا طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الانسان، الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له. فلم أجدها إلا التوجه إلى الله ﷿ بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به عن أنفسهم هم الفقر، وإنما طلب الصوت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه، وإنما أكل من أكل وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتنز من اكتنز، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد منه: من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها، وذهاب ما وجد منها والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضًا سوء شح (٢) بالحصول على ما حصل عليه
_________________
(١) ص: لأحد، والتصويب عن م.
(٢) د والمحمصاني: وأيضًا نتائج سوء تنتج.
[ ١ / ٣٣٧ ]
من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدو، مع الذم والإثم وغير ذلك. ووجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب، خالصًا من كل كدر، موصلًا إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر، إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال منه، عون له (١) على ما يطلب، لم يهتم، إذ ليس مؤاخذًا بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب. ووجدته (٢) إن قصد بالأذى سر، وإن تعب فيما سلك فيه سر، فهو في سرور متصل أبدًا، وغيره بخلاف ذلك أبدًا. فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه طريق واحد، وهو العمل لله تعالى. فما عدا هذا فضلال وسخف.
٤ - لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله ﷿، في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم. وباذل نفسه في عرض دنيا، كبائع الياقوت بالحصى.
٥ - لا مروءة لمن لا دين له.
٦ - العاقل لا يرى لنفسه ثمنًا إلا الجنة.
٧ - لإبليس في م الرياء حبالة، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء، فإذا اطرقك منه هذا، فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه.
٨ - باب عظيم من أبواب العقل والراحة: وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق ﷿، بل هو
_________________
(١) ص: دعوى.
(٢) د: ورأيته.
[ ١ / ٣٣٨ ]
باب العقل كله والراحة كلها - من قدر انه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. من حقق النظر وراض (١) نفسه على السكون إلى (٢) الحقائق وإن ألمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه، بل مدحهم إياه إن كان بحق، وبلغه مدحهم له، أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسرورًا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان لك سببًا إلى تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص، وإن كان بباطل فبلغه، فصبر، اكتسب فضلًا زائدًا بالحلم والصبر، وكان مع لك غانمًا لأنه يأخذ حسنات من مه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها، وهذا حظ رفيه لا يزهد فيه إلا مجنون. وأما أن (٣) لم يبلغه مدح الناس إياه، فكلامهم وسكوتهم سواء. وليس كذلك ذمهم إياه لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه. ولولا قول رسول الله ﷺ في الثناء الحسن: " ذلك عاجل بشرى المؤمن " (٤)، لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق. ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في المدح لا بنفس المدح.
٩ - ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط. فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاغات ونفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل
_________________
(١) ص: وأرض.
(٢) ص: على السكوت على.
(٣) ص: أن من.
(٤) الحديث في صحيح مسلم (بر: ١٦٦) وابن ماجة (زهد: ٢٥) ومسند أحمد ٥: ١٥٦، ١٥٧، ١٦٨.
[ ١ / ٣٣٩ ]
والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات. وليس ها هنا إلا صنع الله تعالى وحفظه.
١٠ - طالب الأجر في الآخرة (١) متشبه بالملائكة، وطالب الشر متشبه بالشياطين، وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع، وطالب اللذات متشبه بالبهائم، وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه، ولكنه يشبه الغدران (٢) التي في الكهوف، في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان إلا ما قل من الطائر. ثم تجفف الشمس والريح ما بقي منها. كذلك المال الذي لا ينفق في معروف.
١١ - العاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد. وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير حقها (٣) لله تعالى، فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسمًا. ومن سر بحمله الأثقال، فليعلم أن الحمار أحمل منه. ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع منه صوتًا، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته. فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائم متقدمة له لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه وحسن عمله، فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس.
١٢ - قول الله: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
_________________
(١) م: طالب الآخرة.
(٢) د: العذرات.
(٣) د: موضعها.
[ ١ / ٣٤٠ ]
الهوى فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: ٤٠) جامع لكل فضيلة، لان نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني، لان كليهما واقع تحت موجب الهوى، فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي (١) به بانت عن البهائم والحشرات والسباع.
١٣ - قول رسول الله ﷺ للذي استوصاه: " لا تغضب " (٢)، وأمره، ﵇، أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه، جامعان لكل فضيلة، لان في نهيه عن الغضب ردع ذات القوة الغضبية عن هواها وفي أمره ﵇ بان يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه ردع النفوس عن القوة الشهوانية، وجمع لأزمة العدل الذي هو فائدة النطق الموضوع في النفس الناطقة.
١٤ -[(٣) رأيت أكثر الناس، إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم، يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا، ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلًا: من نيات خبيثة يضبون عليها من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له، وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقينًا أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئًا مما يتمنونه أو يوجب كونه، وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئًا مما يريدونه أو يمنع كونه. فأي غبن اعظم من هذه
_________________
(١) ص: التي.
(٢) الحديث في صحيح البخاري (ادب: ٧٦) والترمذي (بر: ٧٣) ومسند أحمد ٢: ١٧٥، ٣ ٤٨٤، ٥: ٣٤، ٣٧٠.
(٣) ما بين معقفين من فقرات أضيفت الى هذه الرسالة من د: وهي عن طبعة القاهرة (١٩٠٨) تحقيق أحمد عمر المحمصاني (انظر التصدير) .
[ ١ / ٣٤١ ]
الحال التي نبهنا عليها، وأي سعد أعظم من الذي دعونا إليه (١)] .
١٥ -[إذا حقت مدة الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل الزمانين فقط. وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن؛ فمن أضل ممن يبيع باقيًا خالدًا بمدة هي أقل من كر الطرف] .
١٦ -[إذا نام المرء خرج عن الدنيا ونسي كل سرور وكل حزن، فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضًا لسعد السعادة التامة] .
١٧ -[من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم، ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم، ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم] .
_________________
(١) قارن ما جاء في هذه الفقرة بما سيجيء في الفقرة ١٥٩ (وهي أيضًا مزيدة) إذ يكاد القولان يتفقان.
[ ١ / ٣٤٢ ]