الحمد لله رب العالمين ملاذ الخائفين، وأمل الناجين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يفر الخلق منه إليه وليس أحد يفر منه ويلجأ إليه سواه ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ (٢) وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله علم الأمة كيف يكون الخوف منه، وكيف يكون الرجاء فيه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله عباد الله واحترزوا من كل شيء دون الله، فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع به.
أيها الإخوة المسلمون قد سبق الحديث عن الخوف من الله حقيقته وفضله وآثاره ونماذج لخوف المؤمنين، فليس يسوغ الحديث عنه مهما كان مختصرًا إلا باستكمال الحديث عن الرجاء، حتى قيل: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا جميعًا صار الطائر في حدّ الموت، لذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا (٣).
وقبل الحديث عن الرجاء أستكمل نماذج أخرى من خوف السلف، وبعضًا من ثمار الخوف وآثاره في الدنيا، وثماره في الآخرة أعزّ وأغلى، فسفيان
_________________
(١) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق ٢٣/ ١٠/ ١٤١٥ هـ.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.
(٣) ثلاث شعب من الجامع لشعب الإيمان للبيهقي ١/ ٣٠٢.
[ ١ / ٣٤ ]
الثوري ﵀- كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم (١).
وحتى أصابه السقم حُمل مقدار من بوله فعرض على الأطباء فلم يعرفوا ما به، حتى حمل إلى راهب في ناحية الحيرة، فلما نظر إليه قال: ليس بصاحبكم مرض، إنما الذي به لما دخله من الخوف (٢).
وفي رواية: قال الطبيب: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف (٣).
ولا غرابة في ذلك، فمع قيام هذا العالم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو يشعر بتقصيره في أداء الواجب، ويقول: «إني لأرى الشيء يجبر علي أن آمر به أو أنهي عنه لا أفعل فأبول دمًا» (٤).
وإذا كان يطيب ذكر الخائفين من علماء وأعلام المسلمين، فالذكر أطيب حين يكون الخوف من الولاة الورعين، ويتمثله أحد أئمة المسلمين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، أولئك حقًّا هم النماذج لولاة المسلمين، وعلى قدر خوفهم من خالقهم تهابهم وتجلهم رعيتهم.
قالت فاطمة بنت عبد الملك- زوج عمر بن عبد العزيز يرحمه الله- تصف خوف عمر: يا مغيرة إنه قد يكون في الناس من هو أكثر صلاةً وصيامًا من عمر، وما رأيت أحدًا قط أشد فرقًا من ربه من عمر. كان إذا صلى العشاء قعد في المسجد، ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلم يزل رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عيناه (٥).
وعمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- هو الذي كانت لا تجف له دمعة من هذه
_________________
(١) الحيلة لأبي نعيم ٧/ ٢٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٧/ ٢٤٢.
(٢) المعرفة والتاريخ للفسوي ١/ ٧٢٦.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٧٠، وشعب الإيمان للبيهقي ١/ ٢٥٤.
(٤) شعب الإيمان للبيهقي ١/ ٢٥٢، الحلية ٧/ ١٤، سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٤٣.
(٥) أحمد في الزهد/ ٣٦٣، الفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٥٧١. والبيهقي في الشعب ١/ ٢٦٧.
[ ١ / ٣٥ ]
الأبيات:
ولا خير في عيش امرئ لم يكن له من الله في دار القرار نصبب
فإن تعجب الدنيا أناسًا فإنها متاع قليل والزوال قريب (١)
إخوة الإسلام لا غرابة أن يحب الخلق من يخاف الله، فمن خاف الله أخاف منه كل شيء، ومن شغل بالله انشغل الخلق بأمره، ومن أحب الله أحبه الخلق. يقول عمر بن عبد العزيز والفضيل بن عياض رحمهما الله: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء (٢).
وقال: يحيى بن معاذ الرازي- يرحمه الله-: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر شغلت بأمر الله شغل في أمرك الخلق (٣) وتلك وربي من ثمار الخوف في الدنيا.
ولكل شيء حقيقة، ولكل عمل علامة يستدل بها عليه، وقد قال ذو النون: ثلاث من أعلام الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان مراقبةً للعظيم، ودوام الكمد إشفاقًا من غضب الحكيم (٤) فالخوف شعور قلبي بعظمة الخالق في الباطن، ينشأ عنه سلوك حسن في الظاهر، إذ ليس يكفي مجرد الخوف الظاهري، فقد ينخدع الناس ببكاء شخص في الظاهر، ويشهد الله على فساد طويته في الباطن .. ولهذا لم يكتف العلماء بمجرد بكاء العينين دليلًا على
_________________
(١) ثلاث شعب من شعب الإيمان للبيهقي ١/ ٢٦٨، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٣٨.
(٢) ثلاث شعب من شعب الإيمان ١/ ٢٦٤، ورجال الإسناد ثقات.
(٣) الحلية لأبي نعيم ٨/ ١٠، ابن الجوزي: صفة الصفوة ٤/ ٩٥، البيهقي شعب الإيمان ١٣/ ٦٦.
(٤) الحلية ٩/ ٣٦١، شعب البيهقي ١/ ٢٧٠.
[ ١ / ٣٦ ]
الخوف، بل ربما عدوه في النفاق، قال علي بن عثام: بكى سفيان يومًا ثم قال: بلغني أن العبد أو الرجل إذ كمل نفاقه ملك عينيه فبكى (١).
أيها الإخوة المؤمنون، الرجاء قرين الخوف، وهو الاستبشار بفضل الله، والثقة بجوده، والارتياح لمطالع كرمه ﷾ وهو من شعب الإيمان، وإنما كان الرجاء من شعب الإيمان لأنه من أمارات التصديق.
قال الإمام البيهقي ﵀: وأفضل الرجاء ما تولد من مجاهدة النفس ومجانبة الهوى، قال الله ﷿ ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (٢).
وفرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أما التمني فيكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، ولذا أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل (٣).
وإذا استحكم الرجاء وكان على وجهه المشروع حدث عنه من التخشع والتذلل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم، لأن الخوف والرجاء متناسبان، إذ الخائف في حال خوفه يرجو خلاف ما يخافه ويدعو الله ﷿ به، والراجي في حال رجائه خائف خلاف ما يرجو ويستعيذ بالله منه، ولا خائف إلا وهو راج، ولا راج إلا وهو خائف، ولأجل تناسب الأمرين قرن الله تعالى
_________________
(١) ويروى مرفوعًا عن عقبة بن عامر ولا يصح (ثلاث شعب من شعب الإيمان ١/ ٢٥٣، ٢٥٤، الزهد لأحمد / ٣٩٠، الكامل لابن عدي ٤/ ٤٦٨، والعلل المتناهية لأبن الجوزي ٢/ ٣٣٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٨، شعب البيهقي ١/ ٢٩٠.
(٣) مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٧، شعب البيهقي ١/ ٢٧٨.
[ ١ / ٣٧ ]
بينهما في غير آية من كتابه، قال تعالى ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ (١) وقال تعالى ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ (٢).
وفي الحديث المتفق على صحته يبين النبي ﷺ لماذا يكون الخوف والرجاء فيقول: «لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط ما جنته أحد» وقد اشتمل الحديث - كما قال الحافظ ابن حجر- على الوعد والوعيد المقتضيين للخوف والرجاء، فمن علم أن من صفات الله تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه، والانتقام بما أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته، ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة لو كانت صغيرة، وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة» (٣).
دخل المصطفى ﷺ على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسوله الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو».
إخوة الإيمان إذا كان يحسن الرجاء بالله في كل موطن، وحسن الظن بالله في كل حال، فذلك أجمل وأحرى في لحظات العبد الأخيرة وقرب رحيله من الدنيا، ولهذا كان السلف ﵏ يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.
(٣) فتح الباري ١١/ ٣٠٢، في الرقاق باب الرجاء مع الخوف.
[ ١ / ٣٨ ]
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال قبل موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله ﷿» (١).
وحين دخل واثلة بن الأسقع ﵁ على يزيد بن الأسود وقد نزل به مرض ذهب عقله منه، ووجه نحو القبلة، فلما سمع يزيد باسم واثلة الصحابي بقي له من عقله ما يطلب به كف واثلة فأخذها ووضعها على صدره مرة وعلى وجهه أخرى وعلى فيه ثالثة- وذلك لموضع يد واثلة من يد رسول الله ﷺ فقال له واثلة: ألا تخبرني عن شيء أسألك عنه، كيف ظنك بالله؟ قال: اعترتني ذنوب لي أشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة الله، فكبر واثلة وكبّر أهل البيت بتكبيره، وقال: الله أكبر سمعت رسوله الله ﷺ يقوله: «يقول الله ﷿ أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء» (٢).
فاحرصوا معاشر المسلمين على حسن الظن بربكم مع حسن العمل، واحرصوا على ذلك في وقت شدتكم، وذكِّروا موتاكم في حال نزعهم بضرورة حسن الظن والرجاء بالله، وتأملوا حال السلف من قبلكم، وهذا المعتمر بن سليمان يقول: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به (٣).
_________________
(١) رواه مسلم وغيره ٤/ ٢٢٠٥.
(٢) حديث حسن أخرجه أحمد ٣/ ٤٩١، وابن المارك والحاكم وصححه ووافقه الذهب وغيرهم، شعب البيهقي ١/ ٢٨٦.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦/ ١٩٩، شعب البيهقي ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٣٩ ]