الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره، وأسأله تعالى أن يجعل خوفنا ورجاءنا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونسأله تعالى أن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بين للأمة بسلوكه القولي والفعلي ما به يأمنون وكيف ومم يخافون؟ اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الآل والأصحاب والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المؤمنون، وكما أن الخوف من الله من صفات المؤمنين فهو من شروط الإيمان كما قال تعالى ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.
وهو سمة من سمات العلماء العارفين ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولا ينبغي لعاقل أن يغتر بطول غفلة الغافلين، وأمن المفرطين، وقلة خوفهم من رب العالمين، فذلك دليل جهلهم بحقيقة ما هم مقدمون عليه من الأهوال التي يشيب لهولها الولدان، وهو مظهر من مظاهر جهلهم بعظمة خالقهم، ولو قدروا الله حق قدره لخافوه وعظموه وتقربوا إليه.
وهذه مواكب الإيمان قديمًا وحديثًا يتسابقون في عمل الصالحات، ويكفون عن المحرمات، ويمتنعون من ظلم أنفسهم أو ظلم الخلق من حولهم، ومع ذلك كله يبلغ بهم الخوف من الله مبلغه، ويظلون يبكون على خطيئتهم، ويتمنى الواحد منهم لو كان جدثًا أو شجرة تعضد قبل يوم القيامة، فهذا معاذ بن جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام حين حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ولمسلم وأنت أنت، فقال: ما أبكي جزعًا من الموت إن حل بي، ولا دينًا تركته بعدي، ولكن إنما
[ ١ / ٣١ ]
هما القبضتان: قبضة في النار، وقبضة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أنا» (١)
وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول: «والذي لا إله غيره لوددت أني أنقلب روثة وأني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنبًا واحدًا» (٢).
بل إن أحد الخيرين عمر ﵁ يروى عنه أنه كان يقول «يا ليتنى كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا ثم أكلوني، ولم أكن بشرًا» (٣).
وكيف لا يخاف هؤلاء وأمثالهم كثير .. وهذا صفوة الخلق محمد بن عبد الله ﷺ يضرب المثل في العبادة والتقوى ويضرب المثل في الخوف والبكاء.
فعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى- وفي رواية كأزيز المرجل- من البكاء» (٤).
ويقول أبو ذر ﵁ قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها، والآية قوله تعالى ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٥).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾
_________________
(١) أخرجه أحمد وغيره في سنده انقطاع وله شاهد مرفوع عن عبد الله بن عمرو بن العاص شعب الإيمان ١/ ١٧٨، وانظر صحيح الجامع ٢/ ٢٩٢.
(٢) إسناده حسن وأخرج أحمد نحوه في الزهد، السابق ١/ ١٨٤.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان ١/ ١٣٠.
(٤) أخرجه ابن المبارك والترمذي وغيرهما بإسناد حسن، السابق ١/ ١١٥.
(٥) سورة المائدة، الآية: ١١٨. (أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ١/ ٢٤١، والشعب ١/ ١١٧.
[ ١ / ٣٢ ]
حتى ختمها قال: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿» (١) ثم قال أبي ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد»
أمة الإسلام يطول الحديث عن الخوف من الله، وتكثر القصص في نماذج الخائفين بحق من الله .. وليس في المقام متسع لأكثر من هذا، والعبرة بالعمل بعد العلم، وعلى قدر إيمان العبد وعلمه وتقواه بخالقه يكون خوفه وكما قال الفضيل بن عياض ﵀: رهبة العبد من الله تعالى على قدر علمه بالله، وزيادته في الدنيا على قدر شوقه إلى الجنة.
يا أخا الإيمان إذا أردت أن تعلم من نفسك قدر الله عندك فانظر في نسبة خوفك منه، فعلى قدر عظمة الله عندك يكون خوفك منه، وبرهان خوفك من الله مسارعتك في الطاعات وامتناعك عن المحرمات. ومن عزائم محبة الله محبة ما يحبه الله ومحبة أوليائه، وبغض ما يبغض الله والبراءة من المشركين والمنافقين، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الجوارح (٢).
وحتى لا ييأس العبد من مولاه .. وحتى لا تظلم الدنيا في عينيه، وتتحول حياته إلى خوف دائم يقعد به عن العمل .. فثمة جناح آخر ينبغي أن يطير به الزمن ألا وهو الرجاء ذلك الحبل الممدود بين الأرض والسماء .. وذلك مجال الحديث في خطبة قادمة بإذن الله ..
_________________
(١) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وإسناده حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، الشعب ١/ ١٢٦.
(٢) شعب البيهقي ١/ ٢٠٧.
[ ١ / ٣٣ ]