ثم قال الله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا أسلوب استفهامي إنكاري أي: لا أحد يشفع عنده جل وعلا إلا بإذنه، وهذا أحد شرطي الشفاعة.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيعلم الله جل وعلا ما قد كان وما يكون وما سيكون، ويعلم ﵎ ما لم يكن لو كان كيف يكون.
ثم قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: خلقه، ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد مر معنا في قصة الخضر وموسى، أنه لما ركبا في تلك السفينة من غير أجرة، قبل أن تحدث تلك الحوادث العظام التي رآها موسى مع الخضر، جاء طائر فنقر بمنقاره في البحر نقرتين أو ثلاثًا ثم مضى، فقال الخضر لموسى -معلمًا ومرشدًا-: (ما علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر)، ويقول الله ربنا هنا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلا يمكن لأحد أن يأتي بعلم من جيبه، وقالت الملائكة بين يدي ربها جل وعلا كما قاله الله عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢].
فعلم الرسل وعلم الملائكة إنما هو بما علمهم الله جل وعلا، ولهذا العاقل من انتهى إلى حدود علمه، وسنقف إن شاء الله تعالى في لقاء منفرد عند قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، لكننا هنا ننيخ المطايا عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
فالإنسان لا سبيل له إلى معرفة شيء إلا ما علمه الرب ﵎ إياه، يقول الله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] والنبي ﷺ على رفيع قدره، وجليل مكانته كان يسأل فكان لا يعرف الجواب؛ لأن الله لم يأذن بتعليمه بعد في ذلك الموقف، فيسأل جبريل فيخبره جبريل فيخبر ﷺ بناء على تعليم جبريل له أصحابه ﷺ بما كان.
[ ١٢ / ٤ ]