لقد آوى الأنصار رسول الله - ﷺ - وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ومن ثم نرى كعب بن مالك يفخر كثيرا بقومه الأوس والخزرج وبمواقفهم حول رسول الله - ﷺ - وأنهم كانوا معقلا له يحميه من كل عدوان، وكثيرا ما تصدى للرد على شعراء قريش فيما يقولون، فحين يدعي ضرار بن الخطاب شاعر قريش أن نصر المسلمين في بدر كان مرجعه إلى القرشيين المهاجرين وعلى رأسهم محمد ليطعن بذلك المنزلة الحربية التي كانت للأنصار فيقول:
فإن تظفروا في يوم بدر فإنما بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر
وبالنفر الأخيار هم أولياؤه يحامون في اللأواء والموت حاضر
بعد أبو بكر وحمزة فيهم ويدعى علي وسط من أنت ذاكر
ويدعى أبو حفص وعثمان فيهم وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر
أولئك لا من نتجت في ديارها بنو الأوس والنجار حين تفاخر
ولكن أبوهم من لؤي وغالب إذا عدت الأنساب كعب وعامر
[ ١ / ١١٧ ]
اللأواء: الشدة.
فيجيبه كعب بن مالك من قصيدة طويلة:
قضي يوم بدر أن نلاقي معشرا بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت إلينا لا تحاول غيرنا بأجمعها كعب جميعا وعامر
وفينا رسول الله والأوس حوله له معقل منهم عزيز وناصر
وجمع بني النجار تحت لوائه يمشون في الماذي والنقع ثائر
الماذي: بتشديد الياء: الدرع، النقع: الغبار.
بهذه الأبيات يبين كعب بغي قريش، وأنها حشدت واستنفرت وسارت بكل من تناسل من كعب وعامر تريد بذلك القضاء على الأوس والخزرج، وقد كانت الأوس المعقل الذي احتمى به رسول الله - ﷺ - فهم الذين آزروه ونصروه، وقد استظلت جموع بني النجار (وهم من الخزرج) بلوائه ومشوا في دروعهم وسط الغبار المتكاثف يصدون الجموع الكثيفة التي ألقت بها إليهم لؤي: من كعب وعامر.
وسكت كعب عن ذكر الأبطال القرشيين المسلمين الذين ذكرهم ضرار فلم يتناول مواقفهم وبطولاتهم بل لم يذكر للمهاجرين موقفا في قصيدته هذه، ولم يكن كعب يقصد بهذا السكوت الغض من شأن المهاجرين أو الإنقاص من مواقفهم في بدر ولكن الرد على ضرار هو الذي فرض على كعب هذا الموقف.
وفي أبيات أخرى يفخر بالقوة الضاربة للمسلمين تلك القوة التي ضربت عظماء لؤي وحلفاءهم فهووا لمناخرهم حيث يكر المسلمون، وداس المسلمون بالصوارم أبناء لؤي وحلفاءهم فقال:
ضربناهم حتى هوى في مكرنا لمنخر سوء من لؤي عظيمها
فولوا ودسناهم ببيض صوارم سواء علينا حلفها وصميمها
الحلف: الحليف، والصميم: من يرجع إلى لؤي أصلا.
ويسترسل كعب في مفاخره فيفخر بالفضائل التي عرف بها الأنصار: فهم لا يرون القتل عارا على من يحمي حماه، وهم صبر على الحوادث لا يبكون على هالك يموت في المعارك، وهم أبناء الحرب لا يجزعون مما تجره من ويلات.
[ ١ / ١١٨ ]
ولا يفحشون إن ظفروا ولا يتوجعون إن مسهم قرح فيقول:
ونحن أناس لا نرى القتل سبة على كل من يحمي الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا نرى على هالك عينا لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء تقوله ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش ولا نحن من أظفارها نتوجع
وكم من صورة أزجتها شاعرية كعب تتدفق بمفاخر الأنصار، وتحمل ما تحمل من تهديد للمشركين بالضربات السريعة التي يلاقونها من أولئك المحيطين برسول الله ممن أعدوا للحروب سرابيل تقيهم وهم من أصل الغساسنة (وكثيرا ما افتخر كعب بهذا النسب) وقد طالت حمائل سيوفهم، وهم ليسوا بالجبناء، ولا ممن فقدوا التروس والرماح وإنهم ليمشون في ظلمات غبار المعارك كما تمشي فحول الإبل البيض التي يمشي بعضها إثر بعض، أو كما تمشي أسود الطل وقد بللها الرذاذ الذي أثارته ريح الشمال، وهم في دروع سابغة محكمة تلمع كالغدير والقائم بها كالنهر الأبيض، تلك هي الصور التي يقدمها فيفخر بها ويهدد ويرهب، ويثير الرعب في قلوب المناوئين فيقول:
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل
تلقاكم عصب حول النبي لهم مما يعدون للهيجا سرابيل
من جذم غسان مسترخ حمائلهم لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما تمشي المصاعبة الأدم المراسيل
أو مثل مشي أسود الطل ألثقها يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
في كل سابغة كالنهي محكمة قيامها فلج كالسيف بهلول
الشاكلة: الطرف، الترعيل: الضرب السريع، الهيجاء: الحرب وقصر للضرورة الشعرية، السرابيل: جمع سربال: القميص أو الدرع أو كل ما يلبس، الجذم بكسر الجيم: الأصل، الحمائل: علائق السيوف، الميل بكسر الميم جمع أميل: وهو من لا ترس له، والمعازيل: من لا رماح معهم، العمايات: الظلمات، المصاعبة: فحول الإبل، الأدم بضم الهمزة: الإبل البيض، المراسيل: التي يمشي بعضها إثر بعض، الطل: المطر الخفيف، ألثقها: بللها، الرذاذ: المطر الضعيف، الجوزاء: نجم، المشمول: الذي هبت فيه ريح الشمال، السابغة: الدرع، النهي: بكسر النون المشددة: النهر، قيامها: القائم بها، الفلج: النهر، البهلول: بضم الباء: الأبيض.
[ ١ / ١١٩ ]
وما أكثر ما تغنى الشاعر ببسالة قومه في الغزوات حتى وهو في موطن الرثاء ففي إحدى مرثياته لحمزة شهيد أحد يقول:
غداة أجابت بأسيافها جميعا بنو الأوس والخزرج
فما برحوا يضربون الكماة ويمضون في القسطل المرهج
القسطل: الغبار، المرهج: الذي علا في الجو.
ولم يقصر كعب فخره بقومه على مواقفهم في الحروب بل افتخر بهم في السلم حين تجدب الأرض ويجف الزرع والضرع فتراهم الكرماء وذلك في قوله:
فإن تسألي ثم لا تكذبي يخبرك من قد سألت اليقينا
بأنا ليالي ذات العظام كنا ثمالا لمن يعترينا
تلوذ البجود بأذرائنا من الضر في أزمات السنينا
الليالي ذات العظام: ليالي الجوع التي تجمع فيها العظام وتطبخ لاستخراج ودكها فيؤتدم به، الشمال: الغياث، يعترينا: يزورنا، تلوذ: تلجأ، البجود: جماعات الناس، الأذراء: الأكناف، الأزمات: الشدائد.
وهكذا يخاطب من يخاطب محبوبة أو غير محبوبة أنها إذا سألت عن قومه هنالك لا تكذب بل تخبر باليقين الذي تعرفه عن قومه، فهم الغوث لكل من يزورهم في تلك الليالي القاسية التي يجمع فيها الناس العظام ليطبخوها حيث فقدوا اللحم، وما أشد هذه الأيام التي تلجأ فيها جموع الناس إلى أكناف بيوتهم خوفا من الضر الذي يحيق بهم في السنين الشديدة التي لا تحتمل مجاعاتها.
حسبنا ما قدمنا من نماذج فخر كعب بقومه.
[ ١ / ١٢٠ ]