السؤال الثالث: إن بعض النسوة عندنا تشككن وارتبن من فتوى العلامة محمد ناصر الدين الألباني - محدث الديار الشامية - في كتابه آداب الزفاف نحو تحريم لبس الذهب المحلق عموما، وهناك نسوة امتنعن بالفعل عن لبسه؛ فوصفهن النساء اللابسات له بالضلال والإضلال، فما قول سماحتكم في حكم لبس الذهب المحلق خصوصا؟ وذلك لحاجتنا الماسة إلى دليلكم وفتواكم بعدما افتحل الأمر وزاد. غفر الله لكم وزادكم بسطة في العلم.
الجواب: يحل لبس النساء للذهب محلقا وغير محلق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) وحيث ذكر سبحانه أن الحلية من صفات النساء، وهي عامة في الذهب وغيره.
ولما رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي (٢)». زاد ابن ماجه في روايته: «حل لإناثهم (٣)».
ولما رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه وأخرجه أبو داود والحاكم، وصححه وأخرجه الطبراني، وصححه ابن حزم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها (٤)»، وقد أعل بالانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبى موسى، ولا دليل على ذلك يطمئن إليه، وقد ذكرنا آنفا من صححه. وعلى فرض صحة العلة المذكورة فهو منجبر بالأحاديث الأخرى الصحيحة، كما هي القاعدة المعروفة عند أئمة الحديث.
_________________
(١) سورة الزخرف الآية ١٨
(٢) سنن النسائي الزينة (٥١٤٤)، سنن أبو داود اللباس (٤٠٥٧)، سنن ابن ماجه اللباس (٣٥٩٥)، مسند أحمد (١/ ١١٥).
(٣) سنن ابن ماجه اللباس (٣٥٩٥).
(٤) سنن الترمذي اللباس (١٧٢٠)، سنن النسائي الزينة (٥١٤٨).
[ ١٢ / ١٢٤ ]
وعلى هذا درج علماء السلف، ونقل غير واحد الإجماع على جواز لبس المرأة الذهب، فنذكر أقوال بعضهم زيادة في الإيضاح.
قال الجصاص في تفسيره في كلامه عن الذهب: (الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي ﷺ والصحابة أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية - يقصد بذلك الآية التي ذكرناها آنفا - أيضا ظاهرة في إباحته للنساء، وقد استفاض لبس الحلي للنساء من لدن النبي ﷺ والصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن، ومثل ذلك لا يعترض عليه بأخبار الآحاد) (١). اهـ.
وقال الكيا الهراسي في أحكام القرآن عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٢) فيه دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار في ذلك لا تحصى) (٣) اهـ.
وقال البيهقي في السنن الكبرى لما ذكر بعض الأحاديث الدالة على الذهب والحرير للنساء من غير تفصيل ما نصه: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (٤)، اهـ.
وقال النووي في المجموع: (يجوز للنساء لبس الحرير والتحلي بالفضة وبالذهب بالإجماع؛ للأحاديث الصحيحة) (٥)، اهـ.
وقال أيضا: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعا كالطوق، والعقد، والخاتم، والسوار، والخلخال، والدمالج، والقلائد، والمخانق، وكل ما يتخذ في العنق وغيره، وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا) (٦)، اهـ.
وقال في شرح صحيح مسلم في باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام: (أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء) (٧)، اهـ.
_________________
(١) تفسير الجصاص ج ٣ ص ٣٨٨.
(٢) سورة الزخرف الآية ١٨
(٣) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج ٤ ص ٣٩١.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ج ٤ ص ١٤٢.
(٥) المجموع للنووي ج ٤ ص ٤٢٢.
(٦) المجموع للنووي ج ٦ ص ٤٠.
(٧) شرح صحيح مسلم للنووي، باب تحريم خاتم الذهب.
[ ١٢ / ١٢٥ ]
وقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في شرح حديث البراء: «نهانا النبي ﷺ عن سبع، نهى عن خاتم الذهب (١)» الحديث، قال: (النهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء) (٢)، اهـ.
ويدل أيضا على حل الذهب للنساء مطلقا محلقا وغير محلق مع الحديثين السابقين، ومع ما ذكره الأئمة المذكورون آنفا من إجماع أهل العلم على ذلك الأحاديث الآتية:
١ - ما رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله (٣)»، فأوضح لها النبي ﷺ وجوب الزكاة في المسكتين المذكورتين، ولم ينكر عليها لبس ابنتها لهما، فدل على حل ذلك، وهما محلقتان، والحديث صحيح، وإسناده جيد، كما نبه عليه الحافظ في البلوغ.
٢ - ما جاء في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ قالت: «قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه، ثم دعى أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: (تحلي بهذه يا بنية) فقد أعطى ﷺ أمامة خاتما، وهو حلقة من الذهب وقال: تحلي به (٤)». فدل على حل الذهب المحلق نصا.
-٣ما رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم - كما في بلوغ المرام - «عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: إذا أديت زكاته فليس بكنز (٥)»، اهـ.
وأما الأحاديث التي ظاهرها النهي عن لبس الذهب للنساء فهي شاذة مخالفة لما هو أصح منها وأثبت، وقد قرر أئمة الحديث أن ما جاء من الأحاديث بأسانيد جيدة لكنها مخالفة لأحاديث أصح منها، ولم يمكن الجمع ولم يعرف التاريخ؛ فإنها تعتبر شاذة لا يعول عليها ولا يعمل بها، قال الحافظ العراقي - ﵀ - في الألفية:
وذو الشذوذ مما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
وقال الحافظ ابن حجر في النخبة ما نصه:
_________________
(١) صحيح البخاري اللباس (٥٨٦٣)، صحيح مسلم اللباس والزينة (٢٠٦٦)، سنن الترمذي الأدب (٢٨٠٩)، سنن النسائي الجنائز (١٩٣٩)، سنن ابن ماجه الكفارات (٢١١٥)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٨٧).
(٢) فتح الباري للحافظ ابن حجر ج ١ص ٣١٧.
(٣) سنن النسائي الزكاة (٢٤٧٩)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٠٤).
(٤) سنن أبو داود الخاتم (٤٢٣٥)، سنن ابن ماجه اللباس (٣٦٤٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١١٩).
(٥) سنن أبو داود الزكاة (١٥٦٤).
[ ١٢ / ١٢٦ ]
(فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ) اهـ.
كما ذكروا أن من شرط الحديث الصحيح الذي يعمل به ألا يكون شاذا، ولا شك أن الأحاديث المروية في تحريم الذهب على النساء على تسليم سلامة أسانيدها من العلل لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على حل الذهب للإناث، ولم يعرف التاريخ، فوجب الحكم عليها بالشذوذ وعدم الصحة عملا بهذه القاعدة الشرعية المعتبرة عند أهل العلم.
وما ذكره أخونا في الله العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "آداب الزفاف " من الجمع بينها وبين أحاديث الحل بحمل أحاديث التحريم على المحلق وأحاديث الحل على غيره غير صحيح وغير مطابق؛ لما جاءت به الأحاديث الصحيحة الدالة على الحل؛ لأن فيها حل الخاتم وهو محلق، وحل الأسورة وهي محلقة، فاتضح بذلك ما ذكرنا؛ ولأن الأحاديث الدالة على الحل مطلقة غير مقيدة فوجب الأخذ بها؛ لإطلاقها وصحة أسانيدها- وقد تأيدت بما حكاه جماعة من أهل العلم من الإجماع على نسخ الأحاديث الدالة على التحريم كما نقلنا أقوالهم آنفا، وهذا هو الحق بلا ريب، وبذلك تزول الشبهة، ويتضح الحكم الشرعي الذي لا ريب فيه بحل الذهب لإناث الأمة، وتحريمه على الذكور- والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[ ١٢ / ١٢٧ ]