ولا أعني بذلك الكلمة القرآنية المفردة، وإنما مكانة الكلمة في النظم القرآني المعجز لأن قيمة المفردات ليست ذاتية وإنما تعود قيمتها إلى مكانها من النظم المعجز الأخاذ، ومعلوم أن التحدي لم يحصل بالكلمة بل أقل ما حصل بسورة. ويظهر الإعجاز اللغوي في الكلمة القرآنية من عدة وجوه:
الأول: الكلمة في القرآن مسوقة في موقعها المناسب لتؤدي المعنى المراد
[ ٢٣ / ٢٤٢ ]
وتتلاءم من الناحية اللفظية والمعنوية مع ما قبلها وما بعدها خذ مثالا لذلك قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ (١) ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٢) ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٤) ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥)، فلو استبدلت كلمة الفجر بكلمة الصبح أو كلمة الوتر بكلمة الفرد أو كلمة الحجر بكلمة العقل لاختل حسن نظم الكلمات.
وتأمل أيضا كلمة يسر تجد أن الياء حذفت منها للانسجام مع كلمة الفجر، عشر، الوتر، الحجر.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (٦) ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٧) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٨) فلو تقدمت كلمة مني على كلمة العظم لاختل النظم في الآيات ولأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر (٩).
الثاني: أن الكلمة القرآنية مسوقة في موقعها المناسب بحيث تعطي بمدلولها ما تلقيه من ظلال المعنى المراد بكماله وتمامه مع ما فيه من إيحاءات، ولو استبدلت بغيرها ما استفيد المعنى المراد. وقد تجد كلمة في القرآن الكريم تعبر عن معنى يعجز البشر عن التعبير عنه إلا بعدة كلمات.
خذ مثالا لذلك، كلمة استقاموا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١٠)، فقد جمعت هذه الكلمة الإتيان بالخير كله والبعد عن الشر كله (١١).
ومن أمثلة ذلك أننا لو أردنا بيان فوائد النار في حياة الناس نقول: إنها مما يحتاج إليها في الحضر والسفر وفي طهي الطعام عند الجوع ثم ننعم بدفئها في برد الشتاء القارص. كل هذه المعاني ذلك عليها كلمة (المقوين) في قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الفجر الآية ١
(٢) سورة الفجر الآية ٢
(٣) سورة الفجر الآية ٣
(٤) سورة الفجر الآية ٤
(٥) سورة الفجر الآية ٥
(٦) سورة مريم الآية ٢
(٧) سورة مريم الآية ٣
(٨) سورة مريم الآية ٤
(٩) سيد قطب، التصوير الفني ص ٨٨.
(١٠) سورة فصلت الآية ٣٠
(١١) سيد الحكيم، إعجاز القرآن ص ٧٦.
[ ٢٣ / ٢٤٣ ]
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (١) ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٣).
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الباب (٤).
الثالث: إن هناك بعض الكلمات يظن القارئ أنها مترادفة، فإذا تأملت استعمالاتها في القرآن رأيت بعضها استعمل في موطن والبعض الآخر في موطن آخر، وفي كل موضع يبلغ التعبير القرآني ذروته في حسن الصياغة ودقة التعبير.
خذ مثالا لذلك، كلمتي (هامدة)، (خاشعة) استعملت في القرآن للدلالة على الأرض قبل نزول المطر وخروج النبات منها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) يقول سيد قطب: " وعند التأمل السريع في هذين السياقين يتبين وجه التناسق في (هامدة) و(خاشعة). إن الجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج فمما يتسق معه تصوير الأرض بأنها (هامدة) ثم تهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج. وإن الجو في السياق الثاني هو جو
_________________
(١) سورة الواقعة الآية ٧١
(٢) سورة الواقعة الآية ٧٢
(٣) سورة الواقعة الآية ٧٣
(٤) انظر سيد قطب، التصوير الفني ص ٧٦ - ٧٨.
(٥) سورة الحج الآية ٥
(٦) سورة فصلت الآية ٣٧
(٧) سورة فصلت الآية ٣٨
(٨) سورة فصلت الآية ٣٩
[ ٢٣ / ٢٤٤ ]
عبادة وخشوع، وسجود، يتسق معه تصوير الأرض بأنها "خاشعة" فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت. . . . " (١).
ومن أمثلة ذلك التمام والكمال، فالفرق بينهما أن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، ولذلك كان استعمال كلمة (كاملة) أبلغ من استعمال كلمة (تامة) في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢)، لأن التمام علم من العدد وإنما جاءت كلمة (كاملة) لنفي احتمال نقص في الصفات (٣).
ومن ذلك أيضا القعود والجلوس، فالأول يستعمل لما فيه لبث بخلاف الثاني، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤)، إشارة إلى أنه لا زوال لذلك، وقال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٥) لأن مثل هذه الجلسات لا تحصل إلا في زمن يسير (٦). إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة (٧).
_________________
(١) سيد قطب، التصوير الفني ص ٩٧.
(٢) سورة البقرة الآية ١٩٦
(٣) السيوطي، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد علي البجاوي (مصر، دار الفكر العربي) ٣/ ٦٠٥.
(٤) سورة القمر الآية ٥٥
(٥) سورة المجادلة الآية ١١
(٦) السيوطي، معترك الأقران ٣/ ٦٠٥.
(٧) انظر الخطابي، بيان إعجاز القرآن ص ٢٩ - ٣٤، السيوطي، معترك الأقران ٣/ ٦٠٢ - ٦٠٦.
[ ٢٣ / ٢٤٥ ]
السادس