هل للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه؟
تقدم في حكمة الابتلاء والفتن أن فيها أجرا عظيما وتكفيرا للسيئات، فهل للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه؛ طلبا لهذا الفضل العظيم، أو يترك ما أوجبه الله عليه خوفا من الفتنة؟ وهذا يرجع إلى الحكمة في الأمور والعمل لكل وقت بما يناسبه، فالمتتبع لسيرة المصطفى - ﷺ - وهو أكمل المؤمنين إيمانا وأقوى توكلا وأعظم داعية يرى أنه لا يستدعي البلاء على نفسه، ولا يترك ما أوجبه الله عليه، وإنما جمع بين التوكل والعمل بالأسباب، فقام بالدعوة إلى الله خير قيام، حسب
[ ٤٥ / ٣٠٣ ]
مقتضى الظروف والأحوال المقرونة بحكمة الله وأمره وشرعه، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه دخل بعد رجوعه من الطائف بجوار المطعم بن عدي ليجيره من أذى قريش، حتى يبلغ رسالة ربه (١)، وكان - ﷺ - يخرج إلى القبائل أيام الموسم ويدعوهم إلى الإسلام ويقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي (٢)». كذلك هجرته - ﷺ - وهجرة أصحابه الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، تدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه، حيث لم يستمر الرسول - ﷺ - في مواجهة القوم كما أنه كان يحمي نفسه من الأعداء في المعارك، وينهى الصحابة من تعرضهم للبلاء، وإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه الله عليهم، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق (٣)». وقال - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٠.
(٢) سنن الترمذي: ٥/ ١٨٤ كتاب فضائل القرآن باب ٢٤، سنن أبي داود: ٥/ ١٠٣، كتاب السنة في القرآن: ٢٢، سنن ابن ماجه: ١/ ٧٣، المقدمة باب في ما أنكرت الجهمية (١٣)، حديث (٢٠١) مسند أحمد: ٣/ ٣٩٠، سنن الدارمي: ٢/ ٣١٧، كتاب فضائل القرآن باب القرآن كلام الله.
(٣) مسند أحمد: ٥/ ٤٠٥ سنن الترمذي: ٤/ ٥٢٣ كتاب الفتن باب ٦٧ وقال: هذا حديث حسن غريب سنن ابن ماجه: ٢/ ١٣٣٢ كتاب الفتن باب قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " المعجم الكبير للطبراني عن حذيفة وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٢٥٣ رقم ٧٦٧٤ وسلسلة الأحاديث الصحيحة: ٢/ ١٧٢ رقم ٦١٣.
[ ٤٥ / ٣٠٤ ]
من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير (١)». ويقول - ﷺ - عن الطاعون: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها (٢)» وقوله - ﷺ -: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف (٣)». وتعوذ - ﷺ - من فتنة الغنى والفقر والدنيا والنار، وغير ذلك، قال العلماء: أراد - ﷺ - مشروعية ذلك لأمته (٤). يقول ابن تيمية بعدما ساق هذه الأحاديث: (وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء، ويحرم عليه أشياء، فيبخل بالوفاء، كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور، وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود، ويقتضي أن الإنسان إذا ابتلي فعليه أن يصبر ويثبت، ولا ينكل حتى يكون من الرجال الموقنين القائمين
_________________
(١) صحيح البخاري: ٨/ ١٠٦ كتاب الأحكام باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله وفي الكفارات والأيمان والنذور. صحيح مسلم: ٣/ ١٢٧٣ كتاب الأيمان باب ندب من حلف يمينا (٣) والإمارة باب النهي عن طلب الإمارة (٣) كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد: ٥/ ٦٢ - ٦٣.
(٢) صحيح البخاري: ٤/ ١٧٣٧ كتاب الطب باب ما يذكر في الطاعون واللفظ له، صحيح مسلم: ٤/ ١٧٣٧ كتاب السلام باب الطاعون والطير.
(٣) صحيح البخاري: ٤/ ٢٤ كتاب الجهاد باب لا تتمنوا لقاء العدو، صحيح مسلم: ٣/ ١٣٦٣ كتاب الجهاد باب كراهة تمني لقاء العدو (٦) سنن أبي داود كتاب الجهاد: ٣/ ٩٥ باب في كراهية لقاء العدو.
(٤) فتح الباري: ١٣/ ٤٤ مسند أحمد: ١/ ١٨٢ - ١٩٤، ٥/ ٢٠١، ٢٠٨.
[ ٤٥ / ٣٠٥ ]
بالواجبات، ولا بد في جميع ذلك من الصبر) (١). ا. هـ.
وهذا لا يسقط الواجب على المسلم، بل عليه أن يؤدي ما أوجبه الله عليه حسب استطاعته، فإن ابتلي صبر واحتسب، ولذلك يقول الرسول - ﷺ -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٢)». فإذا تعين على المسلم واجب فعليه أن يسلك السبل التي تعينه على الواجب، ولا يلقي بنفسه في التهلكة، ولا يترك الواجب لشيء دونه فيكون كمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب، ومؤمن ومنافق، وطيب وخبيث، فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها؛ لأنه وقع بالمعصية وفر من الواجب إلى ما يميل له طبعه وهواه، كما قال
_________________
(١) التحفة العراقية في أعمال القلوب لابن تيمية ص ٤٦، وانظر الزهد والورع والعبادة له ص ١٨.
(٢) صحيح مسلم: ١/ ٦٩ كتاب الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان سنن النسائي: ٨/ ١١١، كتاب الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان - سنن أبي داود: ١/ ٦٧٧ كتاب الصلاة باب خطبة يوم العيد: ٢٤٨ - مسند أحمد: ٣/ ٢٠، - سنن ابن ماجه: ١/ ٤٠٦ كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في صلاة العيدين.
(٣) سورة التوبة الآية ٤٩
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣
[ ٤٥ / ٣٠٦ ]
تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١). يقول الجد بن قيس لما ندبه رسول الله - ﷺ - إلى تبوك يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعريضي لبنات بني الأصفر، فإني لا أصبر عنهن، فالذين استأذنوا لهذا السبب وقعوا في فتنة النفاق، وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر، فالفتنة التي فر منها - بزعمه - هي فتنة محبة النساء وعدم صبره عنهن، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا، والعذاب في الآخرة (٢). يقول ابن تيمية ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك، بأنه يطلب السلامة من الفتنة (٣). ويقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه، وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد، فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته، والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)، فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة، فهو
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٤٩
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ١٠/ ١٤٨: أسباب النزول للواحدي: ٢٨٤، زاد المعاد ٣/ ١٦٩.
(٣) الاستقامة: ٢/ ٢٨٧.
(٤) سورة الأنفال الآية ٣٩
[ ٤٥ / ٣٠٧ ]
في الفتنة سقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد، فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر (١). فالله ﷿ أمر المسلم أن يقوم بالواجب، وأن خوفه من الفتن لا يعفيه منه، كما قال تعالى: ﴿الم﴾ (٢) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣)، وبين سبحانه أن من قام بالواجب أعانه الله عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). فعلى المسلم أن يسلك سبيل الدعوة إلى الله بالطرق التي بينها الله، وإذا حصل له ضرر فعليه أن يدفعه بكل وسيلة مشروعة، كما تقدم من سيرة المصطفى - ﷺ -. وعليه أن يصبر ويحتسب فإنه أعظم لأجره.
_________________
(١) الاستقامة: ٢/ ٢٨٩.
(٢) سورة العنكبوت الآية ١
(٣) سورة العنكبوت الآية ٢
(٤) سورة العنكبوت الآية ٦٩
[ ٤٥ / ٣٠٨ ]