المعنى اللغوي لكلمة الرحمة:
قال ابن منظور: الرحمة: الرقة والتعطف.
والرحمة: المغفرة.
والرحمة: الرزق والغيث.
والرحمة في بني آدم: رقة القلب وعطفه.
ورحمة الله: عطفه، وإحسانه، ورزقه (١).
أما في الاصطلاح: (٢) فالرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من أوصل إليك مصالحك، ودفع المضار عنك، ولو شق عليك في ذلك، فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة بعض الأمهات.
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور ١٢/ ٢٣٠ ط مصادر.
(٢) من كلام ابن القيم في كتابه " إغاثة اللهفان " جـ ٢ ص ١٦٩ - ١٧٥.
[ ٤٥ / ١٨٠ ]
ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له، وامتحانه، ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به، لكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه تعالى إليه بابتلائه وامتحانه.
فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بخلا منه عليهم بما نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم.
ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا، ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم.
ومن رحمته بهم: أن حذرهم نفسه، لئلا يغتروا به، يعاملوه بما لا تحسن معاملته به، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد، حذرهم من نفسه لئلا يغتروا به (٢).
والرحمة صفة من صفات الله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٣٠
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ١٦٩ - ١٧٥.
(٣) سورة الحديد الآية ٢٨
[ ٤٥ / ١٨١ ]
وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (١)، وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال عز من قائل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥)، وقال عز اسمه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ (٦).
وقال رسول الله ﷺ: «جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٢
(٢) سورة الأنعام الآية ٥٤
(٣) سورة الأنعام الآية ١٣٣
(٤) سورة الإسراء الآية ١٠٠
(٥) سورة فاطر الآية ٢
(٦) سورة ص الآية ٩
[ ٤٥ / ١٨٢ ]
تصيبه (١)»، وقال نبي الرحمة ﷺ: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد (٢)».
وقد أجمع سلف هذه الأمة على وصف الله بأنه " رحيم " وعلى أن من صفاته " الرحمة "، وأثبتوا هذه الصفة، كما أثبتها سبحانه لنفسه وأثبتها له نبيه - ﷺ -، بل هذا الأمر فطري لا يتوقف فيه إنسان ما، إذ كل حي يدرك أثر هذه الصفة في نفسه وفي غيره في الأرض وفي السماء، في كل لحظة ولمحة، وجميع القلوب تقر برحمة أرحم الراحمين.
فالرحمة ثابتة لله، بل قد ثبت أنه جل شأنه هو أرحم الراحمين: قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤)، وقال جل ذكره: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٥)، وقال عز من قائل: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ١٠/ ٤٣١ رقم ٦٠٠٠ من حديث أبي هريرة، ومسلم في الصحيح ٤/ ٢١٠٩ رقم ٢١، وأحمد في المسند ٥/ ٥٤٣٩، ٢/ ٣٣٤، ٣/ ٥٥، والترمذي في الجامع كتاب الدعوات / ٩٩، وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٣٥ رقم ٤٢٩٣، ٤٢٩٤، وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم ٢١٦٨.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢١٠٩ رقم ٢٧٥٥ من حديث أبي هريرة.
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥١
(٤) سورة يوسف الآية ٦٤
(٥) سورة يوسف الآية ٩٢
(٦) سورة الأنبياء الآية ٨٣
[ ٤٥ / ١٨٣ ]
وروى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - عن الله. . فيقول الله ﷿: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط (١)».
ولله تعالى اسمان مشتقان من الرحمة هما: الرحمن الرحيم، وسوف نفصل القول فيهما في المبحث التالي:
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ١٧٠ رقم ٣٠٢، وأحمد ١/ ٥، وابن ماجه في السنن كتاب الزهد / ٣٥.
[ ٤٥ / ١٨٤ ]