إذا حفر إنسان بئرا فلا يخلو: إما أن يكون في موات أو طريق أو ملك.
(٩) فإن حفر البئر في الموات أو في المفازة فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يضمن ما هلك فيها؛ لأنه ليس فيه تعد، وفيه مصلحة للمسلمين، واشترط الحنفية أن لا يكون الحفر في الصحراء في طريق المارة بحيث يحفر في وسط الطريق، فلو حفر وسط الطريق حيث يمر الناس والدواب عليها يضمن، بهذا قيد
[ ٥٦ / ٢٤٦ ]
بعضهم؛ لأنه قد لا يظهر في الظلمة.
قال الكاساني بعد أن نفى الضمان: لأن الحفر في المفازة مباح مطلق. وشرط الشيخ الدردير من المالكية أن لا يقصد بحفر البئر ضررا، لذا قال معلقا على كلام المختصر: ومفهوم قصد الضرر، أنه إن لم يقصد ضررا فلا شيء عليه - وهو كذلك - إن حفر بملكه أو بموات لمنفعة، ولو لعامة الناس.
وقال النووي في المنهاج: ويضمن بحفر بئر عدوانا لا في ملكه وموات. ا. هـ. مفهومه أنه إن حفر بملكه أو بموات لا يضمن.
وقال ابن قدامة: وإن حفرها في موات لم يضمن؛ لأنه غير متعد بحفرها.
الأدلة:
ذكرت الأدلة مع الأقوال وأضيف ما علل به ابن عابدين في الحاشية " رد المحتار، حيث قال: (قوله لم يضمن) لأنه غير متعد فيه، لأنه يملك الارتفاق بهذا الموضع: نزولا، وربطا للدابة وضربا للفسطاط من غير شرط السلامة؛ لأنه ليس فيه إبطال حق المرور على الناس فكان له حق الارتفاق من حيث الحفر للطبخ أو الاستقاء فلا يكون متعديا. ا. هـ. وكذلك إن
[ ٥٦ / ٢٤٧ ]
حفر البئر في ملكه لا ضمان عليه؛ لأنه غير متعد (١). (قلت) بشرط أن لا يحفر في طريق المارة المسلوكة، هذا ولا خلاف بين الحنفية في هذه المسألة سواء كان بإذن الإمام أم لا؛ ذلك لأن الإمام يشترط الإذن للملك، وهما - أي الصاحبان - لا يشترطانه، أما هنا فعلى رأي الصاحبين لا نحتاج إلى إذن، وكذا على رأي الإمام، لأنه يجعل الحفر في الموات تحجيرا، وهو بسبيل منه بلا إذن، أي هو مقدمة للإحياء وله ذلك، وإن كان لا يملكه بدون الإذن (٢).
_________________
(١) ابن عابدين، رد المحتار ٥/ ٣٨٣.
(٢) ابن عابدين، الحاشية ٥/ ٢٨٠.
[ ٥٦ / ٢٤٨ ]