صفحة فارغة
[ ٥٦ / ٢٣٢ ]
البئر وضمانه
للدكتور: ياسين بن ناصر الخطيب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه ومن والاه، ومن أراد لهذه الأمة التيقظ والانتباه، وبعد:
فإن الإنسان - وهو يرى المشاكل قائمة في بعض الأمور التي تهم المجتمع الذي يعيش فيه - ليأسف على قومه كيف لم يتقدموا إلى الشرع يستلهمون منه ما يرشدهم إلى الخير، ويدلهم على ما فيه الصلاح؟!
وقد رأيت أن الآبار وما شاكلها من حفر البالوعات - البيارات - ومن حفر السواقي والأنهار في الطرقات لتصريف المياه، وحفر الحفر العميقة لزراعة النخيل، كل ذلك سبب مشكلات طويلة، ومآس مزمنة في حياة الناس، وسبب تنازعا وخصاما، وخاصة تلكم المنازعات التي تحدث من جراء الآبار في القرى والأرياف والصحاري والفيافي والطرق، مما يستدعي وضع حلول ناجعة، وأحكام مستنبطة من شرعنا الشريف أو من قواعده العامة، فأحببت أن أدلي بدلوي فأستخرج ما كتبه العلماء
[ ٥٦ / ٢٣٣ ]
من أحكام تدور حول البئر وما يتعلق به.
وبما أنني وجدت أن أكثر المنازعات تخص ضمان ما يسقط في البئر وضمان الأجراء الذين يحفرونها، لذلك جعلت بحثي مقتصرا على هذه المسألة، مع تعريف بالبئر والضمان، ثم بينت أسباب الضمان، وبينت أي أسباب الضمان يدخل في ضمان البئر، وجعلت البئر مثالا.
وقد وجدت أن علماءنا الأعلام لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا بحثوها أو وضعوا قاعدة تكون لها ولغيرها أساسا وأصلا. وهذا وحده كاف للدلالة على عظمة التشريع الإسلامي وشموله لكل نواحي الحياة المختلفة. فسبحان من أحاط بكل شيء؛ علما.
وقد جعلت بحثي هذا مسائل متسلسلة وصلت إلى أربع وستين مسألة، وجعلت المقدمة في التعريفات ثم ختمت البحث بخاتمة في أهم ما توصل إليه البحث. والله الموفق.
ملاحظة:
إذا قلت: (قلت) فهو من كلام الباحث.
إذا قلت: وأستطيع أن أستدل لهؤلاء أو نحو ذلك، فهذا إذا لم أجد دليلا لهم.
وإذا ذكر بعض الفقهاء مسألة ولم يختلفوا فيها ووجدت أنها صحيحة فأقول: وهو الصحيح، أو نحو ذلك. وإن اختلفوا فإني أذكر الخلاف والأدلة والمناقشة والترجيح حسب الوسع.
[ ٥٦ / ٢٣٤ ]
المقدمة: في التعريفات:
(١) تعريف البئر:
البئر: حفرة عميقة يستخرج منها الماء أو النفط، مؤنثة، جمعها أبؤر، وأبآر، وآبار، وبئار.
(٢) تعريف الضمان لغة:
عرف الضمان لغة بتعريفات كثيرة يمكن حصرها فيما يلي:
(أ) الاحتواء؛ لقول ابن فارس: الضمان: جعل شيء في شيء يحويه.
(ب) الكفالة؛ لقول ابن فارس: والكفالة تسمى ضمانا من هذا؛ لأنه كأنه إذا ضمنته فقد استوعب ذمته.
(ج) الاشتمال على الشيء؛ لقول الجوهري: فهمت ما تضمنه كتابك، أي ما اشتمل عليه.
(د) الإلزام والالتزام. قال الفيروزآبادي: وضمنته الشيء
[ ٥٦ / ٢٣٥ ]
تضمينا وتضمنه عني: غرمته فالتزمه.
وإذن فإذا ضمن إنسان آخر قيمة متلف فقد ألزم ذمته، فاشتملت على ذلك المبلغ وتكفلت بأدائه.
(٣) تعريف الضمان اصطلاحا:
عرف فقهاؤنا المتقدمون والمعاصرون الضمان بتعريفات كثيرة ومختلفة، وقد اخترت التعريف التالي من تلك التعريفات، فقلت: الضمان: إلزام بتعويض عن ضرر.
[ ٥٦ / ٢٣٦ ]
وسبب اختيار هذا التعريف هو لأن كلمة (إلزام) بقوة أن يلزم الشرع شخصا ضر غيره بتعويضه؛ ذلك لأن الإلزام لا يكون إلا من حاكم، والحاكمية لله وحده.
وكلمة (بتعويض) توحي أن هناك خلالا حصل، وضررا حدث، وعلى قاعدة (الضرر يزال) فيجب إزالة الضرر أو ترميم آثاره، وهذا الترميم يكون إما بإعطاء المثل، وحينئذ كأن الضرر لم يحدث؛ لأن المثليات يقوم بعضها مقام بعض، وإما بإعطاء القيمة، فإذا كان التالف قيميا وأعطينا القيمة، فحينئذ يستطيع المضرور أن يشتري بالقيمة مثل ما تلف منه.
وكلمة (ضرر) شاملة لكل أنواع الضرر: الكلي والجزئي، ضرر بالنفس أو بالمال أو بالمنافع.
وطلب التعويض عن الضرر لا يكون إلا إذا أضر الإنسان غيره، فالتعريف إذن واضح موجز.
نعم تعريف الضمان بأنه (تعويض عن ضرر) كما قيل أوجز، لكن هذا التعريف غير مانع، إذ قد يحترق دار إنسان قضاء، ويجمع له أصحابه ما يعوضون به ما احترق، فهذا تعويض عن ضرر لكنه ليس بضمان، فبقي تعريفنا سليما. والله أعلم.
[ ٥٦ / ٢٣٧ ]