إن العمل بسنة رسول الله (ﷺ) هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام.
لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أَفَيُدْهِشُكَ أن يتقوَّض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟
إننا نستعمل هنا كلمة السنة بأوسع معانيها، على أنها المثال الذي أقامه لنا الرسول ﷺ من أعماله وأقواله، إن حياته العجيبة كانت تمثيلا حيًّا، وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلَّغ الوحي ﷺ.
لقد أتى الإسلام بالرسالة الجديدة التي لا تجعل احتقار الدنيا شرطًا للنجاة في الآخرة، تلك الخاصة الظاهرة في الإسلام تجلو الحقيقة الدالة على أن نبينا -الذي كان في رسالته الدليل الهادي للإنسانية- كان شديد الاهتمام بالحياة الإنسانية في كلا اتجاهيها، في المظهر الروحي، والمظهر المادي، وإن القول بأننا مجبرون على اتباع الأوامر المتعلقة بالنوع الأول، ولكننا لسنا مجبرين على أن نتبع الأوامر المتعلقة بالنوع الثاني إنما هو نظر سطحي، وهو فوق ذلك مناهض في روحه للإسلام، مثل الفكرة القائلة بأن بعض أوامر القرآن الكريم قد قصد بها العرب الذين عاصروا نزول الوحي، لا النخبة من الأكياس (الجنتلمان) الذين يعيشون في القرن العشرين.
- هذا القول بخس شديد لقدر النور النبوي الذي قام به المصطفى ﷺ.
[ ٢٢ / ٢٧٠ ]
- وكما أن حياة المسلم يجب أن تقوم على التعاون التام المطلق بين ذاته الروحية وذاته الجسدية، فإن هداية نبينا يجب أن تضم الحياة على أنها وحدة مركبة، أي على أنها مجموع أعمق المظاهر الخلقية، والعملية، والشخصية، والاجتماعية، وهذا هو أعمق معاني السنة.
من كتاب (الإسلام على مفترق الطرق)
للمستشرق النمساوي المسلم: محمد أسد
تعليق التحرير:
إن محمد أسد -المستشرق النمساوي المسلم- بفضل الله تعالى خالطت بشاشته بشاشة الإسلام قلبه، وظهر ذلك فيما سطره في كتابه (الإسلام على مفترق الطرق) .
فقد كتب فيه كلمات رائعة عن السنة المطهرة، وأوردت منها ما ذكره من أن ترك السنة هو انحلال الإسلام، وأن حياة رسول الله ﷺ كانت تمثيلًا حيًّا، وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكرم، فلابد إذن من اتباعها، في القرن العشرين كما اتبعت في الماضي، في الحياة الروحية والجسدية على السواء.
وما أروع تصوير هذا المستشرق المسلم لعظمة السنة المشرفة وأهميتها للمسلم، وضرورة الأخذ بها مع القرآن الكريم، لأن الأخذ بها أخذ بالقرآن الكريم، وردها رد للقرآن الكريم، فقد جاء فيه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر آية ٧)، وذلك كل ما جاء به الرسول ﷺ إنما هو وحي من الله تعالى كما قال جل شأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم آية ٣-٤)، وحذر تعالى من ترك سنة رسوله ﷺ في قوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور آية ٦٣) . إذ أنه بدون السنة لا يفهم ولا يُطبق كثير من أحكام الدين.
[ ٢٢ / ٢٧١ ]
فإلى منكري السنة المشرفة، والمعرضين عنها، والمحادين لها، نوجه هذا التحذير الإلهي الشديد، وإلى الذابين عن السنة المطهرة، نوجه الدعاء لهم بالتوفيق، ونستحثهم للجد، وعدم ترك لواء الذب عن المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، والله معهم، ولن يترهم أعمالهم.
وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وخاتم رسله محمد وعلى آله صحبه
سعد ندا
عضو التحرير
[ ٢٢ / ٢٧٢ ]