(تابع ما قبله)
القدرة ٧
الإنسان كلما ترقى في مراقي العقل، وعرج في معارج العلم، ومدارج الفهم، وازداد نظره نفوذًا في الكون وموجوداته ينكشف له من عجائب المصنوعات، وبدائع المخلوقات ما يسوقه سوقًا اضطراريًا إلى الإخبات لفاطر الأرض والسموات، والإيقان بقدرة باهرة له أبدعت هذا الوجود على مقتضى الحكمة ونهاية العدل.
لاشبهة أن الذي تفرد بالملك والتدبير، وتوحد بالخلق والتقدير متصف بقدرة شاملة لسائر الكائنات لها السلطان الأعلى في إيجاد الموجودات على حسب ماخصصته الإرادة واقتضته الحكمة الباهرة فالقدرة من الصفات الأزلية القائمة بذاته تعالى المتعلقة بجميع الممكنات بها الإيجاد والإعدام على وفق الإرادة فليس من وظيفتها أن تتعلق بالواجب لأنه لايقبل العدم ولا بالمستحيل لأنه لايقبل الوجود.
والدليل على اتصافه ﷾ بها صدور الأفعال المحكمة المتقنة عنه جل وعز مثل خلق السموات والأرض وغيرهما من بدائع المصنوعات وعجائب المكونات وماهديت إليه
[ ٦ / ٢٩ ]
الحيوانات من مصالحها وأعطيته من الآلات المناسبة لها وذلك يدل قطعًا على كون صانعها قادرًا فإن من رآى ثوبًا من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتطريف ثم توهم صدوره من جاهل به وعاجز لا استطاعة له ولاقدرة كان عن حيز العقل خارجًا وفي سباسب الجهل راتعًا.
شعورك أيها الإنسان بتلك القدرة الأزلية التي تولتك وأنت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وربتك تلك التربية الجنينية، ثم هدت والدتك وساقتها للعناية بك حتى كبرت وترعرعت، وبأنها لتولاك الآن وتبعثك بالدوافع التي وضعتها فيك إلى كمال أنت مستأهل له يجعلك هادئ الضمير، ثلج الصدر، مطمئن الفؤاد، آمنًا من جيشات الشبه الهائلة، وسطوات الشكوك الفادحة، (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) يزيدك بيانًا وبرهانًا أنك لو استعرضت شيئًا قليلًا من عجائب النباتات ورأيت أنك تلقي إلى الأرض بذرة لا تكاد تحس بها بين أصابعك فتراها بعد سنين شجرة ذات جذع غليظ وفروع ممتدة وأوراق وأثمار ذات ألوان وطعوم وأريج ثم لو طفت أيضًا على مملكة الحيوانات واستحضرت إلى فكرك تلك الكائنات المختلفة في الصور والأحجام والأشكال والطبائع والغرائز ثم لو تفكرت في أن الماهية التي هي أصل كل هذه الصور البديعة مجهولة لديك بالمرة لرجعت وكلك شعور بضعفك وعجزك ولوجدت فؤادك ساجدًا بفطرته أمام هذه القدرة العظمى التي بهرت العقول وأدهشت الألباب خاضعًا لعظيم سلطانها راضخًا لتصرفات هذا الرب جل وعلا معترفًا بأنه على كل شيء قدير (لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فالكون والكائنات آيات لتمام قدرته ودلالات واضحة على كمال تدبيره فسبحانه وتعالى (خلق فسوى وقدر فهدى) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعًا لكم ولأنعامكم).
الإرادة ٨
مما يجب لله تعالى أيضًا الإرادة: وهي صفة أزلية لتقتضي تخصيص لمكونات بما يجوز عليها من الوجوه الممكنة على وفق العلم فكل موجود لابد أن يكون على قدر مخصوص
[ ٦ / ٣٠ ]
وصفة معينة وله وقت ومكان محدودان وتخصيص هذه الوجوه لكل ممكن إنما هو على وفق علمه ﷾ فتأثير القدرة فرع تأثير الإرادة إذ لا يوجد سبحانه شيئًا من الممكنات أو يعدمه بقدرته إلا ما أراد وجوده أو عدمه وهذا معنى قولهم ما خصصه الله بإرادته أبرزه بقدرته وتأثير الإرادة على وفق العلم أيضًا فكل ماعلم أن يكون أولايكون فذلك مراده سبحانه هذا ولاخلاف بين أهل السنة والجماعة في اعتقاد أن الكائنات من خير وشر، وإيمان وكفر، وعرفان ونكر، وغواية ورشد، بإرادة الله تعالى فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر، ولا لفتة ناظر، إلا بمشيئته لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه، (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) لا يسأل عما يفعل والدليل على اتصافه تعالى بالإرادة أنه فاعل بالاختيار، وكل فاعل بالاختيار تجب له الإرادة، وأيضًا لو كانت أفعال العباد واقعة على خلاف مراد الله تعالى كان ذلك نقصًا في ملكه وقصورًا وعجزًا إذ العقول قاضية بأن قصور الإرادة وعدم نفوذ المشيئة من أصدق الآيات الدالة على سمات النقص والاتصاف بالعجز وهو محلل عليه تعالى ومن ثمة قالوا من ترسم للملك ثم كان لا ينفذ مراده في أهل مملكته عدٌ ضعيف المنة مضياعًا للفرصة فإن كان ذلك يزري بمن ترسم للملك فكيف يتصور في صفة ملك الملوك ورب الأرباب تعالى عن قول الظالمين علوًا كبيرًا، ويؤيد ذلك الدلائل النقلية، قال تعالى (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وقال ولو شاء ربك مافعلوه) وورد (ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ومعناه أنه لايتحقق من العبد قصد جازم متعلق بالعقل صارف للقدرة إليه إلا تبعًا لإرادة الله ﷿ ولنختم هذا الموضوع الجليل بأبيات نسبت للإمام الشافعي ﵁ لما لها من التعلق الشديد بهذا المبحث العظيم قال:
ماشئت كان وإن لم أشأ وماشئت أن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ماأردت ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن
يتبع