يا شعراء
شعراء مصر يندبون حالهم، ويتذمرون لكساد سوق الأدب في بلادهم، فيناجون شعراء الشام مستفهمين، وشعراء الشام يتأوهون لسوء مصيرهم، وإعراض الناس عن بضاعتهم فيجيبون شعراء مصر آسفين. . . النغمة واحدة في القطرين، والشكوى متشابهة في البلدين، وقد أصبح لسان حال الفريقين:
اليوم من يعلق الرجاء به أكسد شيء في سوقه الأدب
[ ١ / ١٣٢ ]
ومتى كان الشاعر سعيدًا غير في الخيال، وأين كان غنيًا سوى في التصور؟
ولو كانت الأبيات تنفع شاعرًا لما كان يبنيها ويسكن بالأجره. . .
فتعزوا يا شعراء، ولا يأخذن منكم اليأس وأنتم الأغنياء. ألم يقل شاعركم:
ورأس مالي سحر الكلام الذي منه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجة البيان فأختار اللآلئ منها وأنتخب
وآخذ اللفظ فضة فإذا ما صغته قيل أنه ذهب
النظارة العجيبة
شبه العلماء العين بالآلة الفوتوغرافية ترتسم عليها كل الصور المنظورة. وقد ثبت لأحد العلماء الآن أن العين تحفظ صورة آخر ما ترى على أكمل شكل. لكن الرسم الدقيق لا يراه النظر المجرد. فاخترع نظارة مكبرة لتجسيم هذا الرسم. أنت لا تلتفت أيها القارئ إلى هذا الاختراع وتعده تافهًا ليس وراءه من فائدة كبرى. أما أنا فبخلاف ذلك فإني أعده اكتشافًا خطيرًا أين منه سائر الاكتشافات. أركب هذه النظارة، وأنظر في عين ذاك المتظاهر بالورع والتقوى، فأرى رسم المكان الذي كان فيه قبل طرقه باب المسجد. وأنظر في عين تلك الحسناء العفيفة، فأرى صورة آخر حبيب كانت تغازله وتداعبه. انظر في عين الكاتب فأقرأ فيها صفحات ذلك الكتاب الذي سرق منه مقالة ادعاها. . . أنظر. . . فأرى. . .
[ ١ / ١٣٣ ]
خراب العالم
وما عهد هذا الخراب ببعيد: ثمانية عشر يومًا تنقضي فيقضي علينا بالهلاك حريقًا أو غرقًا أو تسممًا - كما يزعم البعض. وذلك لأن مذنب هاللي يمسنا بذنبه فيكتسح عالمنا في
الفضاء كما تكتسح المكنسة حبة الرمل. . . ما اغرب طبع الإنسان. كل شيء غير منتظر يولد فينا الخوف واليأس بدل الفرح والأمل: سر في طبع الإنسان لا أعرف فك رموزه. والخوف من ظهور المذنبات قديم العهد تجده في أشعار فرجيل وفي كتابات غيره من الأقدمين. وها أن قلوب الأكثرين قد هلعت لقرب ظهور مذنب هاللي. ففي إسبانيا ساد الرعب واستولى القنوط على القوم، وفي الصين ثار الشعب وهاج وأخذ يفتك بالأجانب ويسلب وينهب. وفي النمسا خافوا خوفًا فلسفيًا فباعوا أملاكهم وأخذوا ينفقون أثمانها على إقامة الأفراح والمسرات لتوديع هذه الحياة. ولعمري أن هذا النوع من الخوف يفضل سواه بكثير. ولقد ذكرني ذلك برسالة كتبها فولتر في مثل هذه الأيام منذ مئة وسبه وثلاثين سنة، وكان الباريسيون ينتظرون ظهور المذنب الذي ننتظره اليوم. فضحك كعادته ضحكًا يرن صداه في أذني الآن. فأقهقه معه لأن الضحك يجلب الضحك ألا تضحك معي أيها القارئ. . .؟ وإذا قضى علينا المذنب فنموت ضاحكين مسرورين
وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن نموت حزانا
[ ١ / ١٣٤ ]