ونعني به جورج أفندي أبيض، أو كما تسميه جرائد أوروبا المسيو أبيض الممثل المصري الفنى.
لا تدهش أيها القارئ لهذا العنوان، ولا تستغرب هذا الوصف إذا ما وصفنا به هذا الشاب مع كثرة الأجواق ووفرة الممثلين عندنا. فهو أول ممثل تخرج في المدارس العالية ودرس هذا الفن على أربابه في أوروبا شأن الممثلين في الغرب.
أذاعت الجرائد المحلية خبر قدومه القريب إلى الإسكندرية ومصر مع جوق فرنسوي. ورحبت به تلك الصحف ترحيبًا يستحقه، كما ودعته صحف باريس بأطيب كلمات الوداع، وأحر كلمات التنشيط، وما فتحت هذه الأيام جريدة فرنسوية حتى رأيت فيها رسم أبيض وقرأت فيها ثناء جمًا على حسن استعداده.
قالت الطان: أحرز الفن التمثيلي الفرنسوي نجاحًا جديدًا بتخريج هذا الشاب الأجنبي الذي أعرب عن صفات بديعة.
وقالت الماتان: سيسمع المصريون لأول مرة رواياتنا الجميلة على لسان ممثل مصري.
وقالت الجورنال: فتى كان بالأمس مجهولًا وسيصبح غدًا مشهورًا.
وأفاضت هذه الجرائد وغيرها كالفيغارو والبتي جورنال وجريدة المراسح في الكلام عن ممثلنا الجديد.
[ ١ / ٦٥ ]
شكري غانم فتح الملاعب الفرنسوية بروايته، وجورج أبيض استولى عليها بإلقائه.
عرفت جورج أبيض منذ سنتين وقابلته طويلًا ثاني مرة منذ سنة قبل رجوعه إلى باريس لتأليف الجوق العائد إلينا به الآن. وقد سمعته يمثل قطعًا من أشهر الروايات في بعض المجالس الخصوصية. فرأيت منه ممثلًا بارعًا قادرًا، ينشد الشعر بفخامة وجزالة في الصوت، ولطافة ورشاقة في الحركة، وحدة وبريق في العينين، فتتغلغل نبراته من السمع إلى القلب، وتستوقف حركاته النظر، وتنفذ نظراته في الفؤاد، حتى إذا ما ترك المرسح وعاد يحدثك، رأيت فيه شابًا لطيفًا طيب المعشر، بل تكاد تجد فيه شيئًا من البرودة والجمود.
وقد خصته الطبيعة بصفات ثمينة للمثل، فهو عذب النطق فصيحه، عريض الصدر قويه، يتدفق صحة وعافية، يحب فنه الجديد حبًا أشبه العبادة، وقد قرن كل ذلك بإرادة شديدة
حملته على تذليل كل الصعاب للوصول إلى تحقيق أمنيته، ومضاهاة الغربيين في فن الإلقاء.
وقف على المرسح لأول مرة في مدرسة الحكمة في بيروت حيث مثل وهو تلميذ صغير دورًا في رواية الدراهم الحمراء فسر وأعجب من سمعه. وجعل التمثيل منذ ذاك العهد نصب عينيه.
كبر التلميذ وأنهى دروسه، ودخل العالم ذلك المرسح الكبير حيث تتمثل أمامنا كل يوم ألف رواية. .
واتفق منذ خمس سنوات أنه لما كان رئيسًا لمحطة سيدي جابر أقيمت
[ ١ / ٦٦ ]
حفلة خيرية في الإسكندرية تحت رعاية سمو الجناب الخديوي، مثلت فيه رواية البرج الهائل وكان جورج أبيض يمثل فيها دور بوريدان. فسر سمو أمير مصر من حسن استعداد الشاب وما عرف عن ميله إلى مزاولة تشخيص الروايات. فأرسله إلى باريس، ليتقن هذا الفن، ويطلع على دقائق أسراره.
ذهب الشاب إلى عاصمة الفن الكبرى وملء قلبه السرور وملء صدره النشاط. فقضى هناك خمس سنوات يدرس ويتمرن على أيدي الممثل الأشهر سلفان حتى أصبح الأستاذ مرارًا كثيرة يعهد بأدواره إلى تلميذه.
قال لي أبيض قبيل سفره الأخير: أنا ذاهب هذه المرة لأعود إليكم بجوق سأؤلفه هناك فأعرض على أبناء وطني نتيجة جدي وكدي فعسى أن يرضوا بها.
وتلقيت منه رسالة في هذا الأسبوع يقول فيها: ها قد أنجزت وعدي، ووصلت إلى غايتي. في آخر الشهر تقابلني في الأوبرا الخديوية إن شاء الله وهنا سنقابله، وهناك سنصفق له إعجابًا، في روايات: بريتانيكوس وأدويب الملك والبورغراف وهوراس واندروماخ إلخ. . .
ومهما أخلصنا له التهاني الآن، ومهما أسمعناه من كلمات الإطراء فهي لا تعادل ما سنقابله به يوم يبرز لنا في رواية عربية مع جوق وطني، فيومذاك فقط يكون قد قام بالخدمة المطلوبة.
[ ١ / ٦٧ ]