كان من ديدن المجلات حينئذ أن تكتب تاريخا لكل راحل مرموق من أهل الفكر والسياسة والأدب، نجد شاهد ذلك في المجلات المقتطف والهلال والبيان وغيرها، ولم تشذ الزهور عن ذلك، فقد احتفلت بكثير من هؤلاء، وقد لاحظت أنها خصت الشاعر البائس إمام العبد بكلمات متكررة في أعداد متتالية، فتذكرت أني عنيت بترجمة هذا الشاعر منذ خمسين عاما، فلم أجد غير جمل مقتضبة اجتهدت في صياغتهما، حتى بلغتْ مقالا نشرته بالرسالة بتاريخ ١٢ نوفمبر ١٩٥١، ولكن الزهور فاجأتني بأنباء وطرف عن إمام البؤساء لو وقعتُ عليها حينئذ لاكتسب المقال دسامة حية ليست به، فقد نشرتْ ما أجهل من نثره وشعره معا، كما نشرت بعض ما قيل في رثائه، وقد أبّنت الزهور زعيم الثورة العرابية عند رحيله، ولم تتورط فيما تورطت به بعض الصحف المنافقة، حين هاجمت الراحل الصامت دون حياء، وأنطون اللبق أكبر من أن يهوي إلى نقيصة، وإذا كان لا يتحدث في المجلة عن السياسة الحزبية، فقد تحدث عن السياسة الوطنية مرات، ومن أقوى ما كتبه حديثه عن الوحدة الوطنية حين حدث الشقاق المغرض بين عنصري الأمة عقب مصرع بطرس غالي، فكان الجميل الأديب السياسي المخلص صاحب توجيه عال، ونظر ثاقب عرف يهما حتى آخر يوم من حياته، ولم تقتصر ترجمات الراحلين على الشرقيين وحدهم، بل شملت أفذاذ الغرب مثل تولستوي، ومانويل الثاني وغيرهما.