حرب البسوس
كانت العرب تقول في أمثالها أشأم من البسوس لأن هذه المرأة كانت سببًا في نشوب حرب طاحنة بين القبائل. وتفصيل الخبر أن البسوس هذه نزلت على ابن أختها جساس بن مرة، فكانت جارة له، ومعها ابن لها وناقة خوارة مع فصيلها، واسم الناقة سراب. وقيل أن الناقة لرجل من بني جرم نزل بالبسوس. فخرج كليب (زوج جليلة أخت جساس) يومًا يتعهد الإمبل ومراعيها، فأتاها وتردد فيها. وكانت إبله وإبل جساس مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها. فقال له جساس وكان معه: هذه ناقة جارنا الجرمي.
فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى
فقال جساس: لا ترعى إبلي مرعى إلا وهذه معها.
فقال كليب: لئن عادت، لأضعن سهمي في ضرعها.
فقال جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها، لأضعن سنان رمحي في صلبك. . . ثم فترقا.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقال كليب لامرأته: أترين أن في العرب رجلًا مانعًا مني جاره. .؟
فقالت: لا أعلمه إلا أخي جساسًا. . . فحدثها بالحديث. وكان بعد ذلك إذا أراد الخروج إلى الحي منعته وناشدته الله ألا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساسًا أن يسرح إبله.
وكان كليب ذا زهو شديد لما هو فيه من العز وانقياد القبائل له، حتى بلع من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالًا. ولا توقد نار مع ناره، ولم يكن تغلبي ولا بكري يجير رجلًا أو يحمي حمى إلا بأمره. وكان هو يجير على الدهر فلا تخفر ذمته. ويقول: وحش أرض كذا في جواري فلا يهاج. وكان يحمي الصيد فيقول: صيد ناحية كذا في جواري. . . فلا يصيب أحد منه شيئًا. وكان قد حمى حمىً لا يطأه إنسان ولا بهيمة، فدخل فيه يومًا فطارت قبرة من على بيضها فقال لها من أبيات:
لا ترهبي خوفًا ولا تستنكري قد ذهب الصياد عنك فابشري
خلا لك الجوف فبيضي واصفري فأنت جاري من صروف الحذر
واتفق أن كليبًا بعد خلافه مع جساس خرج إلى الحمى فوجد الحذر القبرة قد وطئتها سراب
ناقة البسوس فكسرتها، فغضب وأمر غلامه أن: ارم ضرعها. . . فخرقه بسهم وقتل فصيلها. وولت سراب ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأت البسوس ما أصاب الناقة، ضربت وجهها وانتزعت خمارها وصاحت: وا ذلاه. .!
فقال لها جساس: اسكتي. فلك بناقتك ناقة أعظم منها. فأبت أن
[ ١ / ٢٠٢ ]
ترضى. ولما كان الليل، أنشأت تقول، وهي تخاطب سعدًا أخا جساس، وترفع صوتها لتسمع جساسًا:
أيا سعد لا تغرر بنفسك واحترز فإني في قوم عن الجار أوات
ودونك أذوادي إليك فإنني محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمرك لو أصبحت في دار منقرٍ لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار معشر متى يعرف فيها الذئب يعد على شاتي
(ومت العرب أبياتها هذه الموثبات). فقال لها جساس: اسكتي. إني سأقتل جملًا أعظم من هذه الناقة. سأقتل علالًا. . . وكان علال فحل إبل كليب. وقد أراد جساس بهذا القول كليب نفسه.
ثم أن جساسًا مكث يتندس الخبر عن كليب حتى بلغه ذات يوم أنه خرج وليس معه سلاحه فتبعه وصرخ به: يا كليب الرمح وراءك. . .!
وكان كليب لا يلتفت وراءه من الكبر فقال: إن كنت صادقًا فأقبل إلي من أمامي. . . ولم يلتفت إليه فطعنه جساس فأرداه. ثم اجتز رأسه.
ولما عاد إلى الديار سأله مرة: ما وراءك يا بني؟
قال: طعنت طعنةً لتشغلن شيوخ وائل رقصًا. . . قال: أقتلت كليبًا. . .؟ فأجاب: أي وأنصاب وائل أي قتل. . .
فقال أبوه: إذن نسلمك بجريرتك، ونريق دمك في صلاح العشيرة، فلا أنا منك ولا أنت مني. فوالله لبئس ما فعلت. فرقت جماعتك، وأطلت حربها.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وكان همام أخو جساس القاتل ينادم في ذلك الوقت المهلهل أخا كليب المقتول ويعاقر معه الخمرة فجاءته جارية تخبره الخبر. فقال له المهلهل: ما قالت لك الجارية. . .؟ وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شيئًا. فذكر له ما قالت الجارية فقال المهلهل: اليوم خمر وغدًا أمر فشرب همام وهو خائف حذر ولما سكر رفيقه عاد إلى قومه وتأهبوا للقتال.
أما المهلهل فإنه رجع إلى الحي فرأى القوم يعقرون خيولهم ويكسرون رماحهم وسيوفهم، فقال: ويحكم ما الذي دهاكم؟ لقد ذهبتم شر مذهب. أتعقرون خيولكم حتى احتجتم إليها، وتكسرون سلاحكم حين افتقرتم إليه؟
ولما أصبح المهلهل غدا إلى أخيه فدفنه وقام على قبره يرثيه (من أبيات):
دعوتك يا كليب فلم تجبني وكيف يجيبني البلد القفار
سقاك الغيث إنك كنت غيثًا ويسرًا حين يلتمس اليسار
خذ العهد الأكيد علي عمري بتركي كل ما حوت الديار
[ ١ / ٢٠٤ ]
وهجري الغانيات وشرب كأس ولبسي جبة لا تستعار
ولست بخالع درعي وسيفي إلى أن يخلع الليل النهار
وإلا أن تبيد سراة بكر فلا يبقى لها أبدًا أثار
ثم جز شعره، وقصر ثوبه، وهجر اللهو، وحرم على نفسه الشراب. وأرسل رهطًا من أشراف قومه وذوي أسنانهم، فأتوا مرة وهو في نادي قومه. فقالوا له:
إنكم أتيتم أمرًا عظيمًا بقتلكم كليبًا بناب من الإبل، وقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة بيننا وبينكم: وإنا نعرض عليك خلالًا أربعًا، لك فيها مخرج، ولنا فيها مقنع. إما أن تحيي لنا كليبًا، أو تدفع إلينا قاتله جساسًا فنقلته به. أو همامًا فإنه كفؤ له، أو تمكنا من نفسك فإن فيك وفاء لدمه.
فقال لهم مرة: أما إحيائي كليبًا فلست قادرًا عليه. وأما دفعي جساسًا إليكم، فإنه غلام طعن طعنة على عجل وركب فرسه فلا أدري أي بلاد قصد. وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره. أما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل بينها، فلا أتعجل الموت. ولكن لكم عندي خصلتان: أما أحداهما، فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم واقتلوه بصاحبكم. وأما الأخرى، فإني أدفع لكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر
فغضب القوم وقالوا: قد أسأت ببذل هؤلاء، وتسومنا اللبن من دم كليب. ونشبت الحرب بينهم ولت أربعين سنة بسبب ناقة
[ ١ / ٢٠٥ ]
البسوس. وبقي الحرث بن عباد على الحيادة قائلًا: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلًا. وكان مقتل كليب سنة ٤٩٤ للمسيح.