بدأ أمين تقي الدين مقاله بسرد أكثر من أربعين علمًا من أعلام الأدب والعلم والصحافة رحلوا إلى مصر من سوريا فسقطت نجومهم في سماء الوادي ثم تساءل عن سر ذلك قائلا:
"لست أدري في طبيعة مصر نفسها خاصية الأدب، وقد كانت مصر منذ القديم ولا تزال إلى يومنا هذا أمّ الأدب والمتأدبين، أم هي الحياة، فيها يوحى الشعر، ويُستنْزَل البيان، وقد قام في وادي النيل في كل زمان شعراء مجيدون وكتاب أفاضل منذ فتحها عمرو بن العاص إلى اليوم، خذ أدباء اليوم في القطرين تجد الفرق ظاهرا، أدباء مصر يبتكرون طريقتهم في كل عصر، وأدباء سوريا يقلدون إما الإفرنج وإما الجاهليين، ورب قائل يقول إن أدباء سوريا الذين هاجروا إلى مصر إنما هم الذين كانوا زعماء النهضة الأدبية الحديثة فيها، فأنا لا أنكر ذلك ولكنني أرى أيضا أنه لولا مدنية مصر، ولولا الاستعداد الذي وجده أولئك الزعماء في حكومة مصر وبلاد مصر لما استطاعوا أن ينهضوا تلك النهضة الصحيحة، وإلا فلماذا وهم سوريون لم يرقوا بالآداب في سوريا إلى الحد الذي رقيت إليه في مصر، ذلك أنهم استطاعوا أن ينهضوا بسوريا نهضتهم في مصر، ولكن مدنية سوريا لم تكن عونا لهم في عملهم الشاق، فوقفت هذه النهضة في منتصف الطريق".
لست أسوق هذا القول لأؤيده أو أعارضه، ولكني أصور به مشاعر أمين تقي الدين حين هاجر من لبنان ليكون صاحب رسالة أدبية في مصر، وقد وجد من صديقه الكبير أنطون الجميّل صدرا رحيبا، ففسح له مجال العمل إدارة وتحريرًا، وظهر أمين تقي الدين بشعره ونثره على صفحات الزهور وعلى غير صفحات الزهور بعد احتجابها، ومن حقه أن نسجل صفحة من جهاده في هذا المضمار ببعض ما قلناه عنه.
[ ١ / ٥ ]