مذنب هاللي
مالت الشمس إلى المغيب، وكاد قرصها الذهبي يتوارى وراء خط الأفق المحمر، فانعكست أشعتها الصفراء، في مياه البحار الزرقاء، حتى خيل إلى الناظر أن تلك البحار مرآة صافية مرصعة بالزمرد والفيروز، وأن أمواجها تدحرج في طياتها المائعة فضة وذهبًا فتتكسر على الشاطئ العابس لفراق عروس النهار، وابنة الأنوار، التي كانت تملأ القلوب بهجةً وأملًا. ولا يلبث أن يشوب هذا المنظر كدرة تتحول شيئًا فشيئًا إلى سواد قاتم لأن الليل قد مد رواقه على نصف الكرة الأرضية. . . وإذ ذاك يظهر البدر من المشرق بظلمته البهية، تخفره الزهرة ونجمة المساء ونجمة الراعي وسائر الأجرام السماوية، وهو يخطر بينها دلالًا، ويميس اختيالًا. وتأخذ السماء تزهر زهورًا بكواكب لامعة، ونجوم ساطعة، طالما تغزل بمحاسنها الشعراء فعشقوها، وبحث في كنه أسرارها العلماء وما فقهوها: حياة جديدة تبدو في العلى فتدعو النفس إلى الطيران إليها. . .
[ ١ / ٤١ ]
تستحب الجواهر والحجارة الكريمة في جيد النساء، لكنك تجدها أبهى وأسنى في صدر السماء، فأين بهاء الجواهر، من بهاء الكواكب؟
وكان أجرام النجوم لوامعًا درر نثرن على بساط أزرق
صاغها الخالق ونثرها في الفضاء، وهي لا تزال من ذاك الحين إلى ما شاء الله تسير على خطة وضعت لها. . .
لمعت فوق رؤوس أفراد أعلام، وشعوبٍ عظام، اتخذوها سميرًا فنفت عنهم الأكدار، واستنطقوها فأوحت إليهم رائع الحكم ورقيق الأشعار. . . درست تلك الشعوب ودفنت تحت أطلال مدنيتها المندثرة، والكواكب لا تزال تسطع وتضيء محدثة بعظمة الحي الباقي. . .
فيا أيها الليل الرهيب، الساطع بأنوار لا تعد. . . قد كتب في طياتك السوداء بحروف الكواكب سر عجيب. . لولاك لما كانت أعيننا تشاهد سكان السماء، بل كنا على كرتنا الصغيرة نجهل ما يحدق بنا.
أيها الليل المقدس إن كنت تحجب عنا النور، فأنت تبدي لنا الحقيقة بأجلى مظاهرها،
وتسكب على قلوبنا التعبة بلسم الراحة والسلوان، تنسينا ما ينتابنا على هذه الأرض من الأكدار والكروب وما يدهمنا من الدواهي والخطوب. تنسينا ما يحدق بنا من الشقاء والفساد.
نحن نحبك أيها الليل لأنك صادق لا تخدعنا. نحبك لأنك تصلنا بعالمٍ خفي يبين لنا أن نتصوره أحسن من عالمنا. نحبك لأنك تشعل في أفئدتنا نور الأمل وتجعلنا من سكان اللانهاية ونحن في هذه البقعة المحدودة. . .
[ ١ / ٤٢ ]
فأي كتاب تلذ مطالعته أكثر من كتاب السماء. وأية قصيدة تروق معانيها أكثر من القصيدة المسطرة بحروف الكواكب الزهراء على لوح القبة الزرقاء.
وهذا الكتاب سنطالعه أيها القارئ العزيز من حين إلى حين، ونقلب صفحاته المرة بعد المرة. فيكون لنا خير سلوى. وسترى أن التمتع بأسرار هذه الكواكب لا يقل لذة عن التمتع بمرآها.
وأول ما نبدأ به اليوم إيراد شيء عن مذنب هاللي لأن قرب ظهوره يتطلب منا تقديم هذا البحث على سواه.
* * *
ريع سكان الأرض من نباء ظهور مذنب هاللي واصطدامه القريب بكرتنا. وأخذ الكثيرون ينذرونا بخراب العالم في ذاك اليوم المشؤوم وقد أطلق على ذلك المذنب اسم الفلكي الإنكليزي الذي ضبط حساب ظهوره. وسيظهر هذه السنة تمامًا في ١٨ مايو (أيار) الساعة الرابعة عشرة من الوقت الفلكي الذي يبتدئ عند الظهر أعني الساعة الثانية من صباح ١٩ مايو ويجتاز في ساعة من الزمن الكرة الشمسية التي يبلغ قطرها ١٠٨ مرات قطر كرتنا وتدل الحسابات الفلكية على أن المذنب سيكون على مسافة ١٢٨ مليون كيلومتر من الشمس أعني على مسافة ٢٣ كيلومترًا من كرتنا الأرضية. فإذا كان ذنبه يبلغ هذا الطول فإنه يمسنا في طريقه وهذا ليس من المحال. فمن المذنبات ما يبلغ طول ذنبها ٤٠ أو ٥٠ أو مئة مليون كيلومتر. على أن مذنب هاللي ليس من هذا النوع فهو من
[ ١ / ٤٣ ]
المذنبات المتوسطة. لكن قد لوحظ أن ذنبه يختلف طولًا كل مرة يظهر فيها. ولم يتمكن العلماء حتى الآن من تقرير ذلك.
وهذا المذنب يظهر مرة كل ٧٥ سنة بعد أن يكون قد اجتاز في الفضاء خمسة مليارات من الكيلومترات وقد ظهر منذ سنة ٤٦٧ قبل المسيح ثلاثين مرة.
وإذا قدرنا أن ذنب هاللي يبلغ طولًا كافيًا ليمسنا في طريقه فما سوف تكون نتيجة ذلك؟
الجواب متوقف على معرفة الغاز المتركب منه هذا الذنب. فقد يكون من الغازات السامة كالسيانوجين (المركب من الآزوت والكربون) فيقضي على سكان نصف الكرة الأرضية خنقًا. وتحدث صدمته بنا هياجًا في العناصر فيتأثر منها سكان النصف الثاني من كرتنا، فتثور البحار، وتخسف الجبال إلى غير ذلك من النكبات التي تنشأ عن كل تبلبل يطرأ على نواميس الطبيعة. على أن العلامة فلاماريون قد نفى ذلك وسكن الخواطر القلقة، مستندًا إلى الأدلة الآتية:
أولًا: إنه ليس من المقرر أن يبلغ طول الذنب أرضنا هذه.
ثانيًا: إن أذناب المذنبات على غاية الدقة حتى أنها لا تزال شفافة ولو بلغ ثخنها عدة ملايين من الكيلومترات فنظل قادرين على رؤية النجوم من خلالها.
ثالثًا: أنه لم يتقرر إذا كان السيانوجين الموجود في قلب المذنب ممتدًا إلى ذنبه.
[ ١ / ٤٤ ]
رابعًا: تسير كرتنا بسرعة ١٠٦ آلاف كيلومتر في الساعة ويسير المذنب سيرًا معاكسًا لسيرنا سرعته ١٧٠ ألف كيلومتر. فيكون مرور الكرة الأرضية في ذلك الذنب أشبه بمرور قنبلة المدفع في الغيمة. فلا يتأثر الهواء الذي ننشقه من الغازات السامة إلى درجة تجعل حياتنا في خطر.
وعليه فيرى القارئ أن انتهاء العالم الذي تنبأوا عنه لم يحن حينه ولم تأت ساعته - حتى في ١٨ مايو القادم. . .