طغى نهر السين على مدينة باريس، فنشر في تلك الربوع الجميلة الدمار والخراب ولسنا في حاجة إلى إيراد تفصيل هذا الخطب الجسيم، فقد اطلع القراء على ذلك في الصحف اليومية. وإذا كانت عاصمة فرنسا مهبط الجمال وكل فنون الجمال، فيليق بالشعراء أن يسكبوا عليها في مصابها دمعة الأسف:
١
يا فرنسا لا عدمنا مننًا لك عند العلم والفن جساما
لطف الله بباريس ولا لقيت إلا هناء وسلاما
روعت قلبي خطوب روعت ساهر الأحياء فيها والنياما
أنا لا أدعوا (سين) طغى إن (للسين) وإن جار ذماما
لست بالناسي عليه عيشة كانت الشهد وأحبابًا كراما
شوقي
[ ١ / ٢٦ ]
٢
باريس عاصمة ملك حذيت على غير منوال
إذا أطرى الواصفون بلدة قالوا: هيا لجنة، أنهارها جارية، وبناياتها شامخة، ورياضها يانعة، وأشجارها ثامرة، وأعوادها زاهرة. . . أوصاف ابتذلتها أقلام الكاتبين، ووقفت عندها بديهات الشعراء.
أما باريس فلا تتناولها هذه الأوصاف. كل شيء هو دون
[ ١ / ٢٧ ]
ما وصف به، إلا باريس فهي فوق ما وصفت به.
قال أكثر الناس: الجمال غريب لا وطن له. . . كذبوا. باريس وطنه ومشرق شمسه.
الذين رأوا باريس عرفوا محاسنها وهم فيها. وأبناؤها عرفوا محاسنها وهم فيها. فلما فارقوها امحت صورها من أذهانهم إلا قليلًا بقي بها ما تحتملها العقول وانضوى ما لا تحتمله. هذه محاسن ترتع فيها النفوس والنواظر معًا. وفيها ما يدخل النفوس لا عن طريق الاستشعار، بل عن طريق الإدراك. وحين تزايل الأبصار أشكالها تزايل البصائر خيالاتها.
الطرقات السوية، والقصور العالية، والمصابيح المتلألئة، والجسور الممتدة، والكنائس
المرتفعة، والدمى المنصوبة، والمصانع العاملة والندية الحافلة يتأود بينها برج ايفل، كأنه خطيب الحرية بين تلك العجائب، بل كأنه حارس القضاء موكل بسكان البانثيون.
سبحانك اللهم ما أكبر قدرتك، بل ما أفصحها وأبلغها من قدرة. .
البلدة الطيبة التي فرعت الحوادث مروتها، ثم ضحكت لها وجوهها، ربيبة العز على اختلاف أنواعه: عز الجمال، وعز العلم، وعز الدولة. اختلفت
[ ١ / ٢٨ ]
فيها مواكب الأبهة. دخلها هنري الرابع فاتحًا. وعاودها بونابرت ظافرًا ولكن تهادت فيها انطوانت إلى ميدان القصاص. وهي بعد ذلك رقت ودقت وحلت: فكانت الفاتنة يوم فرحها، وكانت الفاتنة يوم ترحها.
وإن مواقع الجياد، يوم دخلها غليوم الأول، لهي مواقع القبل من شفاه عشاقها. ذلك أديم تنبو عنه الشقوة، ويترقرق عليه النعيم.
لم يسعدني الزمان بزورة لها، وكم اشتقتها، وكم أشتاقها. .! وإنما عشقتها الروح، ولم ترها العين. وما كن عشقي لها على قدر ما نعتها به الناعتون فأقول: الأذن تعشق قبل العين أحيانًا ولكن عشقي لها على قدر معرفتي بها.
بيني وبينها الفدافد والبحار. لم يستجل مرآتها ناظراي. غير أن نفسي حلقت بسمائها وخواطري جالت في أرجائها.
كلما أنشدت بيتًا لهوغو أو لموسه، خلتني أنشد شعرها وأترجم لذاتي عنها.
حين أبصر الباريسي الظريف في حديثه الطيب، وشمائله المليحة، أذكر باريس. . . وحين أشاهد الباريسية في شعرها الذهبي، وعينيها السماويتين، وحديثها العذب، أخال جزءًا من باريس يتكلم، بل أحسب روح باريس تمثلت لعيني لتوحي إلي معاني الشعر. ولترسل من أعماق روحي كوامن الإعجاز. . .
[ ١ / ٢٩ ]
تتغير باريس ما بين غمضة عين وانتباهتها: هكذا ينبغي أن تكون. . . للجمال فيها كل آونة شأن جديد الجمال فها موضة فلو تأملوا إحدى فاتناتها، لألفوها صباحًا كالخوخة كللها الندى، وفاح لها شذا. ولرأوها ظهرًا، وقد تمشت فيها حرارة الشمس حتى لتجانبها الشفاه إشفافًا، بعد إذ تطامنها لثمًا. ولوجدوها مساءً وقد جمد نشرها وبدر، حتى لتنزل عنها الثنايا إذا حاولت لها عضاضًا.
الله في باريس وفي فتن باريس! عروس أوروبا الغالية، بنت التمدين، المثال الجمل لكل شيء: يتشبه الناس بأبنائها. يلبسون كملابسهم، ويأكلون كمآكلهم، ثم ينطقون بألسنتهم، ثم يتغتذون بعلمهم كذلك كانت باريس، وكذا ستكون.
* * *
تعالوا نبكي على باريس في أطلالها ورسومها، وفي أشلاء مواتها، وفي قصورها المتداعية. ابتدرتها سوابق عبرات السماء بمتصلة الثمآبيت، وانشق لها صدر الغمام عن كل متداني الهيدب غداة أقبل عليها السين في أواذيّه المتدافعة، وأزباده المترامية.
كم مقلة بالأمس يتكلم إنسانها عن الصبا، جاد غربها اليوم بواكفٍ هتان. وكم وجنة رق عليها ماء الشباب، خددتها مسبلات الدموع.
عبست تلك الوجوه الضاحكة، وخلت هاتيك المغاني الآهلة، وعطلت مصانع طالما أجادت تنميق المحاسن في كل البلاد، وباتت بلاد الله تندب حسناءها. . .
[ ١ / ٣٠ ]
قال أحد أدباء الفرنسويين لكل امرئ وطنان: وطنه الأصلي ووطنه باريس فلبيك إذن على باريس كل الناس، فهي وطن كل الناس.
من حقها على من أكرمت وفادتهم ورحبت بهم منزلًا، ونثروا عليها التبر وهي حالية، أن يكرموها في مصابها، وأن ينثروا عليها التبر وهي عاطلة.
سأبكي باريس مستمدًا دموع الغمائم، مستعينًا بعيون النيرات. فإن تنفد الدموع، فإن من الأسى ما يجدده الشوق، وينميه الغرام. سلام على باريس في مصابها. سلام عليها في جلبابها الأسود. وكأنها العذراء بعثت لتدعو العالم إلى السجود. . .
ولي الدين يكن