يقول هيرودتس أن المصريين من أشد البشر تدينًا ولا يعرف شعب بلغ في التقوى درجتهم فيها فإن صورهم بجملتها تمثل ناسًا يصلون أمام رب وكتبهم على الجملة أسفار عبادة وتنساك.
الأرباب المصرية - رب الشمس رأس الأرباب (الآلهة) عندهم وهو الخالق المحسن العليم الكائن منذ البدء له امرأة وابن عريقان مثله في الربوبية وكان المصريون يتعبدون بهذا التثليث الذي تختلف أسماؤه وإن اتحدت مسمياته فكان أهل كل إقليم يسمي كلًا من هذه الأسماء الثلاثة باسم يختلف عن الآخر. ففي منفيس سمي الأب فتاح والأم سيخت والابن ايموتس وفي أبيدوس سموها أوزيريس، ايزيس، وهوروس، وفي ثيبة عمون، وموت، وشونس. ثم اختار أهل كل إقليم أرباب الأقاليم الأخرى وقد يشتقون من كل رب تثليث أرباب أخرى وهكذا تعددت الأرباب وتشوش الدين.
اوزريس - لهذه الأرباب تاريخ وهو تاريخ الشمس فكان هذا الكوكب يتراءى للمصريين كما يتراءى لغالب الشعوب الأصلية أنه أقدم المخلوقات وبعبارة أخرى أنه من الأرباب فاوزيريس أي الشمس قتلها سيت رب الليل وايزيس القمر امرأته تبكيه وتدفنه وهوروس ابنه الشمس الساطعة يأخذ ثأره قاتلًا قاتله.
عمون را - هو رب ثيبة صور عندهم مجتازًا السماء كل يوم في قارب وأرواح الموتى تقذف به بمجاديف طويلة فالرب يقف في المقدم مستعدًا لضرب العدو برمحه. وهاك النشيد الذي كان يتغنى به تعظيمًا له. السلام عليك أنت تهب محسنًا أنت تهب صادقًا يا مولى الأفقين أنت تطوف السماء من عل وأعداؤك هالكون. السماء في أنس والأرض في فرح والأرباب والناس في عيد وكلها اجتمعت لتمجد را يشاهدونه في قاربه وقد كسر العدى. يا را هب فرعون حياة طيبة وامنحه ما يقوته من خبز ويرويه من ماء وطيب شعره وعطر أردانه.
أرباب رأسها رأس حيوان - مثل المصريون أربابهم في صورة آدمية تارة وعلى مثال البهيمة أخرى. ولكل رب حيوانه فيتجسد فتاح في الجعل. وهوروس في الباشق. وازوريس في الثور. وتختلط الصورتان طورًا في إنسان رأسه رأس حيوان أو في حيوان رأسه رأس إنسان. وللرب عندهم أن يكون ذا أربع صور وأشكال فيكون هوروس مثلًا
[ ٤ / ٨ ]
باشقًا أو إنسانًا برأس باشق أو باشقًا برأس إنسان.
حيوانات مقدسة - لا يعلم لماذا كان يعنى المصريون بهذه الإشارة من اتخاذ الحيوانات التي تشبه الأرباب مقدسة مباركة مثل الثور والجعل وايبس (طائر طويل الرجل) والباشق والقط والتمساح فيتوفرون على إطعامهم وحمايتهم. فقد قتل أحد الرومانيين في القرن الأول قبل الميلاد قطًا في الإسكندرية فثار الشعب وقبض عليه فذبحوه رغم إرادة الملك وشفاعته فيه فعلوا ذلك علي حين يرهب المصريون بأس الرومانيين كثيرًا. وكان للمصريين رب يعبدونه في كل معبد. وقد قص سترابون كيفية زيارته تمساحًا مقدسًا في ثيبة فقال: كان هذا الحيوان رابضًا على شط غدير فاقترب منه الكهنة وتقدم اثنان منهم ففتحا فمه وجاء ثالث وحشاه حلويات وسمكًا مشويًا وشرابًا من عسل مصفى.
الثورابيس - أجلُّ هذه الحيوانات المربوبة أو المؤلهة الثورابيس فإنه كان يمثل اوزيريس وفتاح معًا ويعيش في منفيس في مصلى له يخدمه الكهنة فيه حتى إذا مات هذا الثور يكون حاله حال اوزيريس (رب الشمس) فيحنط وتجعل مومياؤه في ناووس أما قبر أوسارهابي فهو من المعاهد الهائلة وقد فتح ماريت الفرنسي مقبرة السرابيوم عام ١٨٥١.
عبادة الموتى - عبد المصريون أيضًا أرواح الموتى ويظهر أنهم كانوا يعتقدون أولًا أن لكل إنسان قرينًا (كا) فإذا مات يخلفه قرينه في حياته وهو اعتقاد اعتقده كثير من الشعوب المتوحشة وكان القبر المصري يدعى قديمًا بيت القرين وهو عبارة عن مكان منخفض مظلم كالغرفة يزين من أجل القرين بضروب الآثار من كراسي ومناضد وسرر وصناديق وأصونة وأغشية وأقمشة وألبسة وأدوات زينة وأسلحة ويضعون تارة مركبة حربية وما شاء للذته من تماثيل وصور وكتب ولطعامه من بر وكل ما حلا بالعين وحلي بالفم ويضعون فيه طورًا قرين الميت وهو تمثال من خشب أو حجر صنع على صورته ومثاله ثم يسور مدخل الناووس فيبقى فيه القرين ويعنى الأحياء بأمره فيجلبون له طعامًا أو يتوسلون إلى أحد الأرباب أن يرزقه طعامًا على نحو ما تراه في هذا الرسم المزبور على الحجر: (قربان لازوريس ليعطي زادًا من خبز وشراب وثيران وإوز ولبن وخمر وجعة ولباس وعطور وكل كا طاب وصفًا إلى المتوفى فلان).
حشر الأرواح - أنشأ المصريون منذ السلالة الحادية عشرة يعتقدون أن الروح تنفصل عن
[ ٤ / ٩ ]
الجسد وتلحق باوزيريس تحت الأرض حيث تغيب الشمس كل يوم فيما يظهر. هناك يتصدر اوزيريس في محكمته وقد أحاط به أربعة وعشرون محكمًا فيؤتى بالروح أمامهم فتحاسب عما قدمته بين يدي نجواها في الحياة فتوزن أعمالها بميزان الحق وتطلب شهادة القلب. فيهتف الميت قائلًا: يا قلب إني ورثتك عن أمي منذ درجت على الأرض فلا تقم علي شاهدًا تتجنى عليّ أمام الرب المتعال فالنفس الشريرة تعذب قرونًا ثم تهلك والنفس الطيبة تطير أحقابًا وبعد محن كثيرة تنضم إلى زمرة الأرباب وتفنى فيهم.
الموميات - تستطيع الروح في خلال هذه الزيارة الدخول في الجسد لتستريح ولذا اقتضى أن يظل الجسد سليمًا. ومن أجل ذلك تعلم المصريون طريقة تحنيط الجثث فيملؤون الجثة عنبرًا ويغطسونها في مستحم من النطرون ويعصبونها بعصيبات فتصير مومياء. هكذا توضع المومياء في تابوت من خشب أو جبس وتودع في القبر مصحوبة بما يقتضي لها من ضروريات الحياة.
كتاب الأموات - كان يوضع بجانب المومياء كتاب صغير اسمه كتاب الموتى يذكر فيه ما ينبغي للنفس أن تقوله في العالم الثاني دفاعًا عن نفسها أمام محكمة أوزيريس وهو: ما ارتكبت خيانة وما عذبت أيمًا وما ارتكبت محرمًا ولا ألفت البطالة ولا وشيت بالعبد إلى مولاه ولا حبست الخبز عن المعابد ولا سرقت عصيبات الموتى ولا طعامهم ولا طففت مكاييل الحبوب ولا صدت الحيوانات المقدسة ولا قبضت الأسماك المقدسة. أطعمت الجوعان وأسقيت العطشان وكسوت العريان وقدمت الضحايا للأرباب وصنعت الوضائم للموتى وهنا تستبان حكمة المصريين وهي الاحتفاظ بالرسوم والتكاليف واحترام ما له علاقة بالأرباب وأن يكون المرء مخلصًا محتشمًا محسنًا.
الصنائع
الصناعة - المصريون أول من مارس الصنائع التي تمس حاجة الشعب المتحضر إليها فكانت الصور في القبور من عهد السلائل الأولى أي من نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد تمثل ناسًا يحرثون ويزرعون ويحصدون ويدرسون ويذرون الحبوب وقطعانًا من ثيران وخرافًا وإوزًا وخنازير وأعيانًا حسنة ثيابهم واحتفالات وأعيادًا يحتفل فيها بضرب العيدان أي كما كانت حياة هذه الأمة بعد ثلاثة آلاف سنة حذو القذة بالقذة. وقد عرف المصريون
[ ٤ / ١٠ ]
لذاك العهد صنع الذهب والفضة والقلز والأسلحة والحلي والزجاج والخزف والمينا ونسج الثياب من صوف وكتان وأنسجة شفافة أو موشاة بالذهب.
عقود الأبنية - كان المصريون أقدر البنائين القدماء في العالم أقاموا المعاهد العظيمة حتى صارت كأنها خالدة بحيث لم يقو الزمن لعهدنا على تقويضها وتبديدها ولم يبنوا مثلنا بيوتًا لسكن الأحياء بل كانت مبانيهم خاصة بالأرباب والموتى فيبنون لهذا الغرض المعابد والمقابر. ولم يبق من مساكنهم إلا رسوم محيلة أما قصور الملوك فلم تكن على قول اليونان غير خانات بالنسبة للقبور. ذلك لأن المسكن يبنى ليأوي إليه الإنسان في حياته والقبر يبقى خالدًا على الدهر.
القبور - أصل الهرم الكبير قبر ملوكي والقبور القديمة هي من هذا النوع. وترى في مصر السفلى إلى اليوم أهرامًا مصطفة كالشوارع أو مبددة هنا وهناك تختلف في الكبر والصغر. ثم صارت تقام القبور تحت الأرض يعمر بعضها تحت التراب وينحت الآخر من حجر الصوان الكرانيت في الجبال ولكل جبل قبور جديدة. وكانت مدينة الموتى أي مدافنهم على مقربة من مساكن الأحياء ولكنها أزهى وأوسع.
المعابد - يتطلب الأرباب كذلك مساكن طيبة خالدة وتتألف معابدهم من هيكل جميل وهو مأوى الرب تكتنفه القصور والحدائق وغرف الكهنة وحاشيتهم ودروج جواهرهم وأدواتهم وملابسهم وقد صنع مجموع هذه الأبنية المسورة في عصور كثيرة. فاشترك ملوك من جماع السلائل المصرية في تشييد معبد عمون في ثيبة من السلالة الحادية عشرة إلى السلالة الأخيرة ومن العادة أن يفتح في أول المعبد باب عظيم محني الجوانب وتقام على طرفيه مسلتان مبنيتان بشعاف الصخر مذهبة الأطراف أو تمثالان من الحجر على مثال جبار جالس. وقد يوصل إلى المعبد من طريق طويل نصبت في جوانبه تماثيل أبي الهول مصنوعًا من الحجر على صفين. هذه الأهرام والمنحنيات والتماثيل وأبو الهول والمسلات تنبئ بما بلغه المصريون من العناية بعقود الأبنية وكلها ثخينة قصيرة عميقة بحيث تبدو هذه المعاهد ضخمة لا يبليها الدهر ولا تفنيها الغير.
صناعة النحت - حاكى النحاتون من المصريين الطبيعة بنقوشهم. وإن الناظر ليدهش من أقدم التماثيل لما فيها من الحياة والبساطة ولاشك أنها كانت صور الموتى. ومن هذا الجنس
[ ٤ / ١١ ]
صورة ذاك العامل الجاثي المحفوظة في متحف اللوفر بفرنسا. وعلى عهد السلالة الحادية عشرة تقيد النحات بقاعدة مقررة دينية فلم يعد يمكنه تمثيل الجسم الإنساني على حسب ما يظهر له وأخذت التماثيل منذ ذاك العهد تتشاكل وغدت السوق متآزية والأرجل ملتفة والأذرع مشتبكة على الصدور والهيئة غير متحركة لكنها مهيبة وأبدًا ذات جلال ومتحدة في المنوال فانقطعت هذه الصناعة عن محاكاة الطبيعة وغدت رمزًا متفقًا عليه.
الرسم - استعمل المصريون أصباغًا لا تنصل بقيت باهية زاهرة بعد مضي خمسة آلاف سنة عليها. على أنهم لم يعرفوا غير تلوين الرسم وظلوا ولا خبرة لهم بتنويع الألوان ولا رسم الظلال والأشباح البعيدة. وكان للرسم كما للنقش قواعد دينية مطردة فإذا عرض على صانع أن يرسم خمسين شخصًا يصورهم على هندام واحد ونظام واحد.
الآداب - للمصريين آداب خاصة بهم فقد عثر في النواويس على كتب طب وسحر وزهد كما عثر على قصائد ورسائل ورحلات وروايات.
مصير التمدن المصري - احتفظ المصريون بأربابهم ودينهم وصنائعهم إلى ما بعد سقوط مملكتهم فخضعوا للفرس ثم لليونان ثم للرومان ولم يطرحوا شيئًا من عاداتهم القديمة ولا نسوا خطهم ومومياءهم وحيواناتهم ثم دثر التمدن المصري ببطء بين القرن الثالث والثاني ب م.
[ ٤ / ١٢ ]