عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا﴾ " وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " ﴿لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا﴾ ". وَفِي السُّنَنِ " ﴿مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ﴾ - وَفِي رِوَايَةٍ - وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الطَّاعُونِ: " ﴿إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ؛ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ﴾ " وَعَنْهُ أَنَّهُ ﷺ " ﴿نَهَى عَنْ النَّذْرِ﴾ " وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " ﴿ذَرُونِي مَا تَرَكْتُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ. وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ".
فَصْلٌ:
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: " وَإِنْ كُنْت فِي حَالِ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ حَالُ الْوِلَايَةِ: فَخَالِفْ هَوَاك، وَاتَّبِعْ الْأَمْرَ فِي الْجُمْلَةِ وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ عَلَى " قِسْمَيْنِ ": (أَحَدُهُمَا): أَنْ تَأْخُذَ مِنْ الدُّنْيَا الْقُوتَ الَّذِي هُوَ حَقُّ النَّفْسِ وَتَتْرُكَ الْحَظَّ، وَتُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَتَشْتَغِلَ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ بِأَمْرِ بَاطِنٍ وَهُوَ أَمْرُ الْحَقِّ ﵎ يَأْمُرُ عَبْدَهُ وَيَنْهَاهُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْأَمْرُ فِي الْمُبَاحِ الَّذِي لَيْسَ حُكْمًا فِي الشَّرْعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ النَّهْيِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ بَلْ هُوَ مُهْمَلٌ تُرِكَ الْعَبْدُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ فَسُمِّيَ مُبَاحًا فَلَا يُحْدِثُ الْعَبْدُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَنْتَظِرُ الْأَمْرَ فِيهِ فَإِذَا أُمِرَ امْتَثَلَ فَيَصِيرُ جَمِيعُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا فِي الشَّرْعِ حُكْمُهُ فَبِالشَّرْعِ وَمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ فِي الشَّرْعِ فَبِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُحَقِّقًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَهُوَ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ حَالَةَ التَّسْلِيمِ. وَإِنْ كُنْت فِي حَالَةِ حَقِّ الْحَقِّ وَهِيَ حَالَةُ الْمُحِقِّ، وَالْفِنَاءُ حَالَةُ الْأَبْدَالِ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ؛ لِأَجْلِ الْحَقِّ الْمُوَحِّدِينَ الْعَارِفِينَ أَرْبَابِ الْعُلُومِ، وَالْفِعْلِ السَّادَةِ الْأُمَرَاءِ السَّخِيِّ الْخُفَرَاءِ لِلْحَقِّ خُلَفَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَجِلَّائِهِ وَأَعْيَانِهِ وَأَحْبَابِهِ ﵈ فَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ فِيهَا بِمُخَالَفَتِك إيَّاكَ بِالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَأَنْ لَا تَكُونَ لَك إرَادَةٌ وَهِمَّةٌ فِي شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ دُنْيَا وَأُخْرَى، عَبْدَ الْمَلِكِ لَا عَبْدَ الْمُلْكِ، وَعَبْدَ الْأَمْرِ لَا عَبْدَ الْهَوَى كَالطِّفْلِ مَعَ الظِّئْرِ وَالْمَيِّتِ الْغَسِيلِ مَعَ الْغَاسِلِ وَالْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ عَلَى حِسِّهِ مَعَ الطَّبِيبِ فِيمَا سِوَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَقَالَ أَيْضًا: " اتَّبِعْ الشَّرْعَ فِي جَمِيعِ مَا يَنْزِلُ بِك إنْ كُنْت فِي
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
حَالِ التَّقْوَى الَّتِي هِيَ الْقَدَمُ الْأُولَى، وَاتَّبِعْ الْأَمْرَ فِي حَالَةِ الْوِلَايَةِ وَوُجُودِ الْهَوَى وَلَا تَتَجَاوَزْهُ وَهِيَ الْقَدَمُ الثَّانِيَةُ، وَارْضَ بِالْفِعْلِ وَوَافِقْ وَافْنَ فِي حَالَةِ الْبَدَلِيَّةِ وَالْعَيْنِيَّةِ والصديقية وَهِيَ الْمُنْتَهَى. تَنَحَّ عَنْ الطَّرِيقِ الْقَذِرِ خَلِّ عَنْ سَبِيلِهِ رُدَّ نَفْسَك وَهَوَاك كُفَّ لِسَانَك عَنْ الشَّكْوَى فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ إنْ كَانَ خَيْرًا زَادَك الْمَوْلَى طِيبَةً وَلَذَّةً وَسُرُورًا، وَإِنْ كَانَ شَرًّا حَفِظَك فِي طَاعَتِهِ فِيهِ وَأَزَالَ عَنْك الْمَلَامَةَ وَأَقْعَدَك فِيهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ وَيُرِيحَك عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ كَمَا يَنْقَضِي اللَّيْلُ فَيُسْفِرُ عَنْ النَّهَارِ، وَالْبَرَدُ فِي الشِّتَاءِ فَيُسْفِرُ عَنْ الصَّيْفِ ذَلِكَ النَّمُوذَجُ عِنْدَك فَاعْتَبِرْ بِهِ. ثُمَّ ذُنُوبٌ وَآثَامٌ وَإِجْرَامٌ وَتَلْوِيثٌ بِأَنْوَاعِ الْمَعَاصِي وَالْخَطَايَا وَلَا يَصْلُحُ لِمُجَالَسَةِ الْكَرِيمِ إلَّا طَاهِرٌ عَنْ أَنْجَاسِ الذُّنُوبِ وَالزَّلَّاتِ، وَلَا يُقْبِلُ عَلَى شِدَّتِهِ إلَّا طَيِّبٌ مِنْ دُونِ الدَّعْوَى وَالْهَوَّاشَاتِ كَمَا لَا يَصْلُحُ لِمُجَالَسَةِ الْمُلُوكِ إلَّا الطَّاهِرُ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَأَنْوَاعِ النَّتِنِ وَالْأَوْسَاخِ فَالْبَلَايَا مُكَفِّرَاتٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿حُمَّى يَوْمٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ﴾ ". قُلْت: فَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - ﵁ - أَنَّ لُزُومَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَذَكَرَ الْأَحْوَالَ الثَّلَاثَ الَّتِي جَعَلَهَا: حَالَ صَاحِبِ التَّقْوَى وَحَالَ الْحَقِيقَةِ، وَحَالَ حَقِّ الْحَقِّ وَقَدْ فَسَّرَ مَقْصُودَهُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَنْ يُرِيدَ فِعْلَ مَا أُمِرَ بِهِ
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
فِي الشَّرْعِ، وَتَرْكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ وَأَنَّهُ إذَا أُمِرَ الْعَبْدُ بِتَرْكِ إرَادَتِهِ فَهُوَ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَهَذَا حَقٌّ. فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَتَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ فِي وُجُودِهِ وَلَا نُهِيَ عَنْهُ فَتَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ فِي عَدَمِهِ فَيَخْلُو فِي مِثْلِ هَذَا عَنْ إرَادَةِ النَّقِيضَيْنِ. وَقَدْ بُيِّنَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ الْأَمْرَ دَائِمًا الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ الظَّاهِرَ إنْ عَرَفَهُ أَوْ الْأَمْرَ الْبَاطِنَ، وَبُيِّنَ أَنَّ الْأَمْرَ الْبَاطِنَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ فِي الشَّرْعِ وَلَا مُحَرَّمٍ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُنْتَظَرُ فِيهِ الْأَمْرُ الْخَاصُّ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِحُكْمِ الْأَمْرِ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ صَاحِبِ التَّقْوَى الَّذِي قَبْلَهُ؟ وَصَاحِبِ الْحَقِّ الَّذِي بَعْدَهُ؟ . قِيلَ: أَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ " الْأَبْدَالَ " فَهُمْ الَّذِينَ لَا يَفْعَلُونَ إلَّا بِأَمْرِ الْحَقِّ، وَلَا يَفْعَلُونَ إلَّا بِهِ فَلَا يَشْهَدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِعْلًا فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ الطَّاعَةِ؛ بَلْ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ بِهِمْ مَا قَامَ بِهِمْ مِنْ طَاعَةِ أَمْرِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: فَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ فِيهَا مُخَالَفَتُك إيَّاكَ بِالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ. فَهَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ فَيَشْهَدُونَ
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مَا قَامَ بِهِمْ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ فَلَا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ حَمْدًا وَلَا مِنَّةً عَلَى أَحَدٍ، وَيَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا مُسِيئًا إلَيْهِمْ وَلَا يَرَوْنَ لَهُمْ حَقًّا عَلَى أَحَدٍ إذْ قَدْ شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعِبَادَ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا بِأَنْفُسِهِمْ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا بَلْ هُوَ الَّذِي كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَّقَى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَحَقُّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ فَيَرَوْنَ أَنَّ مَا قَامَ بِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَهُوَ جُودُهُ وَفَضْلُهُ وَكَرَمُهُ لَهُ الْحَمْدُ فِي ذَلِكَ. وَيَشْهَدُونَ: أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. وَأَمَّا مَا قَامَ بِالْعِبَادِ مِنْ أَذَاهُمْ فَهُوَ خَلَقَهُ وَهُوَ مِنْ عَدْلِهِ، وَمَا تَرَكَهُ النَّاسُ مِنْ حُقُوقِهِمْ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا عَلَى النَّاسِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهُ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا فَعَلَ وَمَا لَمْ يَفْعَلْ. وَلِهَذَا كَانُوا مُنْكَسِرَةً قُلُوبُهُمْ؛ لِشُهُودِهِمْ وُجُودَهُ الْكَامِلَ، وَعَدَمَهُمْ الْمَحْضَ، وَلَا أَعْظَمَ انْكِسَارًا مِمَّنْ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ إلَّا الْعَدَمَ لَا يَرَى لَهُ شَيْئًا وَلَا يَرَى بِهِ شَيْئًا. وَصَاحِبُ الْحَقِيقَةِ الَّذِي هُوَ دُونَ هَذَا قَدْ شَارَكَهُ فِي إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا لِلَّهِ لَكِنْ قُصِرَ عَنْهُ فِي شُهُودِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَرُؤْيَتِهِ وَأَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ. بَلْ الرَّبُّ هُوَ الْخَالِقُ الْفَاعِلُ لِكُلِّ مَا قَامَ بِهِ وَأَنَّ كَمَالَ هَذَا الشُّهُودِ لَا يُبْقِي شَيْئًا مِنْ الْعَجَبِ وَلَا الْكِبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكِلَاهُمَا قَائِمٌ بِالْأَمْرِ مُطِيعٌ لِلَّهِ لَكِنْ هَذَا يَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ مُسْلِمًا مُصَلِّيًا وَأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا، وَذَاكَ وَإِنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِهَذَا وَيُصَدِّقُ بِهِ إذْ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ لَكِنْ قَدْ لَا يَشْهَدُهُ شُهُودًا يَجْعَلُهُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ. وَأَيْضًا بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ: وَهِيَ أَنَّ الْأَوَّلَ تَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ وَهِمَّةٌ فِي أُمُورٍ فَيَتْرُكُهَا فَهُوَ يُمَيِّزُ فِي مُرَادَاتِهِ بَيْنَمَا يُؤْمَرُ بِهِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ وَمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُنْهَى عَنْهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مُرَادٌ أَصْلًا إلَّا مَا أَرَادَهُ الرَّبُّ إمَّا أَمْرًا بِهِ فَيَمْتَثِلُهُ هُوَ بِاَللَّهِ وَإِمَّا فِعْلًا فِيهِ فَيَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِ وَلِهَذَا شَبَّهَهُ بِالطِّفْلِ مَعَ الظِّئْرِ فِي غَيْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَأَمَّا (الْأَوَّلُ: الَّذِي هُوَ فِي مَقَامِ التَّقْوَى الْعَامَّةِ فَإِنَّ لَهُ شَهَوَاتٍ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَلَهُ الْتِفَاتٌ إلَى الْخَلْقِ وَلَهُ رُؤْيَةُ نَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْمُجَاهَدَةِ بِالتَّقْوَى بِأَنْ يَكُفَّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَعَنْ تَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ بِغَيْرِ الْأَمْرِ فَهَذَا يَحْتَاجُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا لَا يَفْعَلُهُ وَهُوَ التَّقْوَى وَصَاحِبُ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَا يُؤْمَرُ بِهِ فَقَطْ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ فِي الشَّرْعِ وَمَا كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَفْعَلْ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ.
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
وَأَمَّا (الثَّالِثُ): فَقَدْ تَمَّ شُهُودُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ. فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لِلَّهِ وَيَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا تَكُونُ لَهُ هِمَّةُ إرَادَةٍ أَنْ يَفْعَلَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَ(الثَّلَاثَةُ) مُشْتَرِكُونَ فِي الطَّرِيقِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَا يَفْعَلُ إلَّا الطَّاعَةَ لَكِنْ يَتَفَاوَتُونَ بِكَمَالِ الْمَعْرِفَةِ وَالشَّهَادَةِ وَبِصَفَاءِ النِّيَّةِ وَالْإِرَادَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَلَامُ الشَّيْخِ كُلِّهِ يَدُورُ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَمْرَ مَهْمَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا يَكُونُ فِيهِ مُسْلِمًا لِفِعْلِ الرَّبِّ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ اخْتِيَارٌ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا بَلْ إنْ عَرَفَ الْأَمْرَ كَانَ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ كَانَ مَعَ الْقَدَرِ فَهُوَ مَعَ أَمْرِ الرَّبِّ إنْ عَرَفَ وَإِلَّا فَمَعَ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ الْحَوَادِثِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ لَا بِاسْتِحْبَابِ وَلَا كَرَاهَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ هُوَ وَالشَّيْخُ حَمَّادٌ الدباس، وَإِنَّ السَّالِكَ يَصِلُ إلَى أُمُورٍ لَا يَكُونُ فِيهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ بَلْ يَقِفُ الْعَبْدُ مَعَ الْقَدَرِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ السَّالِكُ فِيهِ عِنْدَهُمْ مَعَ " الْحَقِيقَةِ الْقَدَرِيَّةِ " الْمَحْضَةِ إذْ لَيْسَ هُنَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وَهَذَا مِمَّا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ. وَيَقُولُونَ: " الْفِعْلُ " إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرْعِ وُجُودُهُ رَاجِحًا عَلَى عَدَمِهِ وَهُوَ الْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ رَاجِحًا عَلَى وُجُودِهِ. وَهُوَ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ. وَإِمَّا أَنْ يَسْتَوِيَ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُبَاحُ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ. ثُمَّ " الْفِعْلُ الْمُعَيَّنُ " الَّذِي يُقَالُ هُوَ مُبَاحٌ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةٌ لِلْعَبْدِ لِاسْتِعَانَتِهِ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَلِحُسْنِ نِيَّتِهِ فَهَذَا يَصِيرُ أَيْضًا مَحْبُوبًا رَاجِحَ الْوُجُودِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفَوِّتًا لِلْعَبْدِ مَا هُوَ أَفْضَلُ لَهُ كَالْمُبَاحِ الَّذِي يَشْغَلُهُ عَنْ مُسْتَحَبٍّ فَهَذَا عَدَمُهُ خَيْرٌ لَهُ. وَالسَّالِكُ الْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ لَا يَكُونُ الْمُبَاحُ الْمُعَيَّنُ فِي حَقِّهِ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ تَرْكُهُ وَفِعْلُ الطَّاعَةِ مَكَانَهُ خَيْرًا لَهُ وَإِنَّمَا قَدْرُ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ إذَا كَانَ مَعَ عَدَمِهِ يَشْتَغِلُ بِمُبَاحِ مِثْلِهِ. فَيُقَالُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَهَذَا يَصْلُحُ لِلْأَبْرَارِ أَهْلِ الْيَمِينِ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ بِالْفَرَائِضِ كَأَدَاءِ. الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَشْتَغِلُونَ مَعَ ذَلِكَ بِمُبَاحَاتِ. فَهَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ الْمُبَاحُ الْمُعَيَّنُ يَسْتَوِي وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِي حَقِّهِمْ إذَا كَانُوا عِنْدَ عَدَمِهِ يَشْتَغِلُونَ بِمُبَاحِ آخَرَ وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ تَتْرُكَ النَّفْسُ فِعْلًا إنْ
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
لَمْ تَشْتَغِلْ بِفِعْلِ آخَرَ يُضَادُّ الْأَوَّلَ؛ إذْ لَا تَكُونُ مُعَطَّلَةً عَنْ جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ. وَمِنْ هَذَا أَنْكَرَ الْكَعْبِيُّ " الْمُبَاحَ " فِي الشَّرِيعَةِ لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ فَهُوَ يُشْتَغَلُ بِهِ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ إلَّا أَنْ يُشْتَغَلَ بِضِدِّهِ وَهَذَا الْمُبَاحُ ضِدُّهُ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ضِدٌّ وَاحِدٌ وَإِلَّا فَهُوَ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ فَأَيُّ ضِدٍّ تَلَبَّسَ بِهِ كَانَ وَاجِبًا مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. وَسُؤَالُ الْكَعْبِيِّ هَذَا أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النُّظَّارِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ جَوَابِهِ: كَأَبِي الْحَسَنِ الآمدي، وَقَوَّاهُ طَائِفَة بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ أَضْدَادُهُ مَحْصُورَةً فَأَمَّا مَا لَيْسَتْ أَضْدَادُهُ مَحْصُورَةً فَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ أَمْرًا بِأَحَدِهِمَا كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ، وَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. فَيُقَالُ فِي الْمُخَيَّرِ: هُوَ أَمْرٌ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَيُقَالُ فِي الْمُطْلَقِ هُوَ أَمْرٌ بِالْقَدَرِ الْمُشْتَرَكِ. وَجَدْنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ يَمِيلُ إلَى هَذَا. وَقَدْ أَلْزَمُوا " الْكَعْبِيَّ " إذَا تَرَكَ الْحَرَامَ بِحَرَامِ آخَرَ وَهُوَ قَدْ يَقُولُ: عَلَيْهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ كُلِّهَا إلَى مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمِ بَلْ إمَّا مُبَاحٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ وَإِمَّا وَاجِبٌ.
[ ١٠ / ٥٣٠ ]