وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي هَذَا نَظَرًا صَحِيحًا سَلِيمًا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَاتِ والقبالات الَّتِي تُسَمَّى الضَّمَانَاتِ. كَمَا تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ ضَمَانًا وَكَمَا سَمَّاهُ السَّلَفُ قِبَالَةً؛ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَايَعَاتِ. وَأَحْكَامُ الْبَيْعِ مُنْتَفِيَةٌ فِي هَذَا مِنْ كَوْنِ مُؤْنَةِ التَّوْفِيَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَكُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومَاتِ: مِثْلَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الملاقيح وَالْمَضَامِينِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ وَأَرْحَامِ الْإِنَاثِ وَنَتَاجِ النَّتَاجِ. وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ. وَهُوَ الْمُعَاوَمَةُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِيَ تِلْكَ الْأَعْيَانَ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ وَأُصُولُهَا يَقُومُ عَلَيْهَا الْبَائِعُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَنْتِجُهَا وَيَسْتَثْمِرُهَا وَيُسَلِّمُ إلَى الْمُشْتَرِي مَا يَحْصُلُ مِنْ النَّتَاجِ وَالثَّمَرَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ. وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الْجُمْهُورِ فِي " حَبَلِ الْحَبَلَةِ " أَنَّهُ بَيْعُ نَتَاجِ النَّتَاجِ فَإِنَّهُ يَكُونُ إبْطَالُهُ لِجَهَالَةِ الْأَجَلِ وَهَذِهِ الْبُيُوعُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ هِيَ مِنْ بَابِ الْقِمَارِ الَّذِي هُوَ مَيْسِرٌ وَذَلِكَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْأُصُولِ يُمْكِنُهُمْ تَأْخِيرُ الْبَيْعِ إلَى أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ مَا يَخْلُقُهُ مِنْ هَذِهِ الثِّمَارِ وَالْأَوْلَادِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا مُخَاطَرَةً ومباختة. وَالتِّجَارَاتُ بِضَمَانِ الْبُسْتَانِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهِ كَضَمَانِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا فَيَزْدَرِعَهَا وَاحْتِكَارِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَبْنِي فِيهَا وَيَغْرِسُ فِيهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[ ٣٠ / ٢٣٧ ]
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْإِجَارَةِ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ أُجْرَةُ ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ حَيَوَانًا فَيَمُوتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَكَذَلِكَ الْمَبِيع إذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَتَتْلَفُ الصُّبْرَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّمْيِيزِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي تَلَفِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ. وَقَبْلَ الْقَبْضِ؛ كَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا وَمُكِّنَ مِنْ قَبْضِهِ. وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَبًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي. وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْتَثْنِي الْعَقَارَ. وَمَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ أَنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْضٌ كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. فَيَتَقَارَبُ مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ: أَنَّ مَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مَنْ مَالِ أَخِيك شَيْئًا بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟﴾ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورُ عَنْهُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. إذَا تَلِفَ
[ ٣٠ / ٢٣٨ ]
بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَمَذْهَبُهُ أَنَّ التَّبْقِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا. وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: قَبْضُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْإِجَارَاتِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِقَبْضِ تَامٍّ يَنْقُلُ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَقْصُودِ. وَهَذَا طَرْدُ أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فَرَّطَ فِي قَبْضِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاحِهَا حَتَّى تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي قَبْضِ الْمُعَيَّنِ حَتَّى تَلِفَ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَالتَّأْثِيرِ؛ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ مِنْ الْمُشْتَرِي: كَانَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُفَرِّطِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى مَنْ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَوْ فَرَّطَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ حَتَّى تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ. وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ. وَفِي الْإِجَارَةِ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ ازْدِرَاعِ الْأَرْضِ لِآفَةِ حَصَلَتْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ. وَإِنْ نَبَتَ الزَّرْعُ ثُمَّ حَصَلَتْ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ حَصَادِهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرِ وَالْمَنْفَعَةِ قَالَ: الثَّمَرَةُ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْمَنْفَعَةُ. وَهُنَا الزَّرْعُ لَيْسَ بِمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ بَلْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا؛ وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا قَالَ: الْمَقْصُودُ بِالْإِجَارَةِ هُوَ الزَّرْعُ فَإِذَا
[ ٣٠ / ٢٣٩ ]