بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين.
قال الشيخُ الإمامُ العالمُ العلامةُ شيخُ الإسلامِ بقيةُ السَّلفِ الكرامِ زينٌ الدين أبو الفرج عبدُ الرحمن ابن الشيخ الإمام شِهابِ الدين أحمدَ ابنِ الشيخ الإمام ابنِ رجب البغدادي الحنبلي -رحمه الله تعالى:
خرَّج الإمامُ أحمدُ (١) والنَّسائي (٢) والترمذيُّ (٣) وابن حبانَ (٤) في "صحيحه" من حديث كعب بن مالكٍ الأنصاري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال:
«مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ».
قال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِيَ من وجهٍ آخر عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر، وابنِ عبَّاسٍ، وأبي هريرةَ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وجابرٍ، وأبي سعيّد الخدريّ، وعاصمِ بن عدي الأنصاريّ -﵃ أجمعين.
وقذ ذكرتها كلَّها والكلام عليها في كتاب "شرح الترمذي".
ولفظُ حديث جابر: "مَا ذِئْبَانِ ضَارِبَانِ يَأْتِيَا فِي غَنَمٍ غَابَ رعاؤُها بأفسدَ للناس من حبِّ الشَّرفِ والمالِ لدينِ المؤمن".
_________________
(١) في "المسند" (٣/ ٤٥٦، ٤٦٠).
(٢) في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (٨/ ١١١٣٦).
(٣) في "الجامع" (٢٣٧٦).
(٤) كما في "الإحسان" (٣٢٢٨).
[ ١ / ٦٣ ]
وفي حديث ابن عبَّاسٍ: "حُبِّ المَالِ وَالشَّرَفِ" بدل "الحرص".
فهذا مثلٌ عظيم جدًّا ضربه النبيُّ -ﷺ- لفسادِ دينِ المسلم بالحرص عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا، وأن فسادَ الدِّين بذلك ليسَ بدونِ فسادِ الغنم بذئبين جائعين ضاريين يأتيا في الغنمِ، وقد غابَ عنها رعاؤها ليلًا، فهما يأكلانِ في الغنمِ ويفترسانِ فيها.
ومعلومٌ أنّه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليلٌ، فأخبرَ النبيُّ -ﷺ- أَنَّ حرصَ المرءِ عَلَى المالِ والشَّرَفِ: إفساده لدينه ليس بأقلّ من إفسادِ الذئبين لهذه الغنمِ؛ بل إمَّا أن يكونَ مساويًا وإما أكثر، يشيرُ إِلَى أنّه لا يسلمُ من دينِ المسلم مع حرصِهِ عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا إلا القليل، كما أنّه لا يسلمُ من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل.
فهذا المثلُ العظيمُ يتضمن غاية التَّحذيرِ من شرِّ الحرصِ عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا.
فأمَّا الحرصُ عَلَى المالِ فهو عَلَى نوعين:
أحدهما: شدةُ محبةِ المال مع شدةِ طلبهِ من وجوهه المباحةِ، والمبالغة في طلبهِ والجدِّ في تحصيلهِ واكتسابهِ من وجوهه مع الجهدِ والمشقةِ.
وقد وردَ أنَّ سببَ الحديث كان وقوع بعض أفرادِ هذا النوع، كما أخرجه الطبرانيُّ من حديثِ عاصم بن عديٍّ، قال: (اشتريتُ) (*) مائةَ سهم من سهامِ خيبر، فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ- فَقَالَ: "مَا ذِئْبَانِ ضَارِبَانِ فِي غَنَمٍ غَابَ أضاعَهَا ربُّها بأفسدَ من طَلبِ المسلمِ والمالِ والشَّرَفِ لدينِه".
ولو لم يكنْ في الحرص عَلَى المال إلاَّ تضييعُ العمرِ الشَّريفِ الَّذِي لا قيمةَ له، وقد كان يمكنُ صاحبه اكتساب الدرجات العلى والنَّعيم المقيم، فضيَّعَه الحريص في طلب رزقٍ مضمونٍ، مقسومٍ لا يأتي منه إلا ما قُدِّرَ وَقُسِّمَ، ثم
_________________
(١) (*) شريت: "نسخة".
[ ١ / ٦٤ ]
لا ينتفعُ به؛ بل يتركُه لغيرهِ ويرتحل عنه، ويبقى حسابُه عليه ونفعُه لغيره، فيجمعُ لمن لا يحمدُه، ويقدم عَلَى من لا يعذرُه، لكفى بذلك ذَمًّا للحرصِ.
فالحريصُ يضيعُ زمانَه الشريفَ، ويخاطرُ بنفْسه التي لا قيمةَ لها في الأسفارِ وركوبِ الأخطارِ؛ لجمعِ مالٍ ينفع به غيرُه.
كما قيل:
ولا تحسبن الفقر من فقد الغنى ولكن فقد الدين من أعظم الفقر
قِيلَ لبعض الحكماءِ: إِنَّ فلانَا جَمَعَ مَالًا. فَقَالَ: فهل جمعَ أيامًا ينفقُه فيها؟ قيل: ما جمعَ شيئًا.
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيلية: الرزقُ مقسومٌ والحريصُ محرومٌ، ابن آدمَ، إذا أفنيتَ عمرَك في طلبِ الدُّنْيَا، فمتى تطلبُ الآخرةَ؟ !
إذَا كنت في الدُّنْيَا عَنِ الخيرِ عاجزًا فما أنتَ في يومِ القيامةِ صانعُ
قال ابنُ مسعود: اليقينُ أن لا تُرْضي النَّاسَ بسخطِ الله، ولا تحمد أحدًا عَلَى رزق الله، ولا تلوم أحدًا عَلَى ما لم يؤْتِك الله، فإنَّ رزق الله لا يسوقُه حرصُ حريصٍ ولا يردُّه كراهةُ كاره، فإنَّ الله بقسطهِ وعلمه جعلَ الروحَ والفرحَ في اليقين والرضى، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في الشَّكِّ والسخطِ.
وقال بعضُ السَّلف: إذا كان القدرُ حقَّا فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان الغدرُ في الناس طباعًا فالثقةُ بكلِّ أحدٍ عجزٌ، وإذا كان الموتُ لكلِّ أحد راصدًا فالطمأنينةُ إِلَى الدُّنْيَا حمق.
كان عبد الواحد بنُ زيد يحلفُ بالله: لحرصُ (المرءِ) (*) عَلَى الدُّنْيَا أخوفُ عليه عندي من أعدى أعدائه.
_________________
(١) (*) المومن: "نسخة".
[ ١ / ٦٥ ]
وكان يقولُ: يا إخوتاه، لا تغبطوا حريصًا عَلَى ثروة ولا سعة في مكسبٍ ولا مالٍ، وانظروا إِلَيْهِ بعين المقتِ له في (اشتغالِه) (*) اليومَ بما ورديه غدًا في المعاد ثُمَّ ييكي، ويقولُ: الحرصُ حرصانِ: حرصٌ فاجعٌ، وحرصٌ نافعٌ؟ فأما النَّافعُ: فحرصُ المرءِ عَلَى طاعةِ اللهِ.
وأما الفاجعُ: فحرصُ المرءِ عَلَى الدُّنْيَا مشغولٌ معذبٌ لا يسرُّ ولا يلتذُّ بجمعِهِ لشغله، ولا يفرُغُ من محبته الدُّنْيَا لآخرته، كذلك وغفلتِه عما يدومُ ويبقى.
ولبعضِهم في المعنى:
لا تغبطنَّ أخا حرصٍ عَلَى سعةٍ وانظرْ إِلَيْهِ بعينِ الماقتِ القالي
إِنَّ الحريصَ لمشغولٌ بشقوته عن السُّرور بما يحوي من المالِ
وأنشد آخر في المعنى:
يا جامعًا مانعًا والدهرُ يرمقُه مفكرًا أيُّ بابٍ منه يغلقُه
جمعتَ مالًا ففكرْ هل جمعتَ له يا جامعَ المالِ أياما تفرقُه
المالُ عندَك مخزونٌ لوارثهِ ما المالُ مالك إلا يومَ تنفقُه
إِنَّ القناعةَ من يَحللْ بساحتِها لم (ينل) (**) في ظلِّها همًّا يؤرقُه
_________________
(١) (*) انشغاله: "نسخة". (**) يلق: "نسخة".
[ ١ / ٦٦ ]
كتب بعضُ الحكماء إِلَى أخٍ له كان حريصًا عَلَى الدُّنْيَا: أما بعد؛ فإنَّك أصبحت حريصًا عَلَى الدُّنْيَا، تخدمها وهي تزجرك عن نفسِها بالأعراضِ والأمراض والآفاتِ والعلل، كأنَّكَ لم ترَ حريصًا محرومًا، ولا زاهدًا مرزوقًا، ولا ميتًا عن كثيرٍ، ولا متبلغًا من الدُّنْيَا باليسير.
عاتَبَ أعرابيٌّ أَخَاه عَلَى الحرصِ، فَقَالَ له: يا أخي، أنت طالبٌ ومطلوبٌ، يطلبك من لا تفوتُه وتطلبُ أنت من قد كُفِيتَه، يا أخي ألم ترَ حريصًا محرومًا وزاهدًا مرزوقًا.
وقال بعضُ الحكماء: أطولُ النَّاسِ همَّا الحسودُ، وأهنؤُهم عيشًا القنوعُ، وأصبرُهم عَلَى الأذى الحريصُ، وأخفضُهم عيشًا أرفضهم للدنيا، وأعظمُهم ندامةٌ العالمُ المفرط.
ولبعضِهم في هذا المعنى:
الحرصُ داءٌ قد أضـ رّ بمن ترى إلا قليلًا
كم مِنْ عزيز قد صَيَّرَه الحرص ذليلًا
ولغيره:
كم أنتَ للحر صِ والأماني عَبْدُ
ليسَ يجدي الحرصُ والسَّعْيُ (إذا) (*) لم يكن (جَدُّ) (**)
ليسَ لما قدره الله من الأمر بُدُّ
ولأبي العتاهية يخاطب سلمًا الخاسر:
تعالى الله يا سلمُ بن عَمْرٍو أذَلَّ الحرصُ أعناقَ الرجالِ
_________________
(١) (*) إذ: "نسخة". (**) بد: "نسخة".
[ ١ / ٦٧ ]
ومن كلامِ المأمونِ: الحرصُ مفسدةٌ للدينِ والمروءةِ.
وأنشدَ شعرًا:
حرصُ الحريصِ جنونُ والصَّبر حصنٌ حصينُ
إِنْ قدَّر الله شيئًا (لابد من أن يكونُ) (*)
غيره:
حتَّى متى (أنا) (**) في حلٍّ وترحالِ وطولِ سعيٍ وإدبارٍ وإقبالِ
ونازحُ الدَّارِ لا (ينفكُّ) (***) مغتربًا عن الأَحبةِ لا يدرونَ ما حالِ
بمشرقِ الأرضِ طورًا ثم مغرِبها لا يخطرُ الموتُ من حرصٍ عَلَى بال
ولو قنعت أتاني الرزقُ في دعةٍ إِنَّ القنوعَ الغنِيُّ لا كثرة المالِ
غيره:
أَيُّهَا المتعبُ جهدًا لنفسه يطلبُ الدُّنْيَا حريصًا جاهدًا
لا لك الدُّنيا ولا أنت لها فاجعل الهمَّينِ همًّا واحدًا
_________________
(١) (*) فإنه سيكون: "نسخة". (**) أنت: "نسخة". (***) تنفك: "نسخة".
[ ١ / ٦٨ ]
النَّوعُ الثَّاني من الحرص عَلَى المال:
أن يزيدَ عَلَى ما سبق ذكرُه في النوعِ الأول، حتى يطلبَ المال من الوجوه المحرمة ويمنع الحقوقَ الواجبة، فهذا من الشحَّ المذموم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وفي "سنن أبي داودَ" (٢) عن عبد الله بن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالقطيعةِ فَقَطَعُوا، وأمَرهم بالبخلِ فبخلوا، وأمرَهم بالفجورِ ففجروا".
وفي "صحيح مسلم" (٣) عن جابرٍ عن النبي -ﷺ- قال: "اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ".
قال طائفةٌ من العُلَمَاء: الشحُّ هو الحرصُ الشديدُ الَّذِي يحمل صاحبَه عَلَى أن يأخذَ الأشياءَ من غير حلِّها ويمنعها من حقوقها.
وحقيقتُه (شَرَّهُ) (*) النَّفس إِلَى ما حرَّمَ الله ومنع منه، وأن لا يقنعَ الإنسانُ بما أحل الله له من مالٍ أو فرجٍ أو غيرهما، فإن الله تعالى أحلَّ لنا الطيبات من المطاعم والمشارب، والملابس والمناكح وحرَّمَ علينا تناول هذه الأشياء من غير وجوه حلِّها، وأباح لنا دماءَ الكفارِ والمحاربين وأموالَهم، وحرَّم علينا ما عدا ذلك من الخبائثِ من المطاعم والمشارب، والملابس والمناكح، وحرم علينا أخذَ الأموال وسفك الدماء بغير حلها.
فمن اقتصرَ عَلَى ما أبيحَ له فهو مؤمنٌ، ومن تعدَّى ذلك إِلَى ما منعَ منه فهو الشحُّ المذمومُ، وهو مناف للإيمان.
ولهذا أخبر النبيّ - ﷺ - أنَّ الشُّحَّ يَأْمرُ بالقطِيعةِ والفجورِ وبالبخل.
_________________
(١) الحشر: ٩.
(٢) برقم (١٦٩٨).
(٣) برقم (٢٥٧٨). (*) أن تسترضي: "نسخة".
[ ١ / ٦٩ ]
والبخل هو إمساكُ الإنسان ما في يده.
والشُّحَّ: تناولُ ما ليس له ظلمًا وعدوانًا من مالٍ أو غيره، حتَّى قيل: إنَّه رأسُ المعاصي كلُّها.
وبهذا فسَّر ابنُ مسعودٍ وغيره من السَّلفِ الشحَّ والبخلَ.
ومن هنا يُعلمُ معنى حديث أبي هريرةَ ﵁، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يجتمعُ الشحُّ والإيمانُ في مؤمنٍ" (١).
والحديثُ الآخرُ عن النبيّ -ﷺ- أنّه قالَ: "أفضلُ الإيمانِ الصَّبرُ والسماحةُ" (٢).
وَفُسِّر الصبرُ بالصبرِ عن المحارم، والسماحةُ بأداءِ الواجباتِ.
وقد يُستعملُ الشحُّ بمعنى البخلِ وبالعكسِ، لكنَّ الأصلَ هو التفريقُ بينهما عَلَى ما ذكرناه.
ومتى وصلَ الحرصُ عَلَى المالِ إِلَى هذه الدرجة، نقص بذلك الدينُ والإيمانُ نقصًا بيِّنًا فِإنَّ مَنْعَ الواجباتِ وتناولَ المحرماتِ ينقصُ بهما الدين والإيمانُ بلا ريبٍ حتى لا يبقى منه إلا القليل جدًّا.
وأمَّا حرصُ المرءِ عَلَى الشَّرفِ فهذا أشدُّ (هلاكًا) (*) من الحرص عَلَى المال فإِنَّ طلبَ شرفِ الدُّنْيَا والرفعةِ فيها، والرياسةِ عَلَى النَّاسِ والعلو في الأرض أضرُّ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٦، ٤٤١، ٤٤٢)، والنسائي (٦/ ١٣ - ١٤).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٨٥)، وابن ماجه (٢٧٩٤) من حديث عمرو بن عبسة. وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٨) من حديث عبادة بن الصامت. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٥٣٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٦٢٦) من حديث عمير بن قتادة الليثي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١١/ ٣٣)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٥٥) من حديث جابر. (*) إهلاكًا: "نسخة".
[ ١ / ٧٠ ]
عَلَى العبد من طلب المال، وضررُه أعظمُ، والزهدُ فيه أصعبُ، فإِنَّ المال يبذلُ في طلبِ الرياسةِ والشَّرفِ.
والحرصُ عَلَى الشَّرفِ عَلَى قسمين:
أحدهما: طلبُ الشَّرفِ بالولايةِ والسُّلطانِ والمال.
وهذا خطرٌ جدًّا، وهو الغالبِ، يمنعُ خيرَ الآخرةِ وشَرَفَها وكرامَتها وعزَّها.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ﴾ (١) الآية.
وقلَّ مَنْ يحرصُ عَلَى رياسةِ الدُّنْيَا بطلبِ الولاياتِ فوفق؛ بل يُوكلُ إِلَى نفسهِ، كما قال النبيُّ -ﷺ- لعبد الرحمنِ بن سمرةَ: "يا عبدَ الرحمنِ، لا تسألِ الإمارةَ، فإِنَّكَ إِن أُعْطيتَهَا عن مَسألةٍ وُكّلتَ إليها، وإنْ أُعْطيتَهَا من غير مسألةٍ أُعنتَ عليها" (٢).
قال بعضُ السَّلفِ: ما حرصَ أحدٌ عَلَى ولايةٍ فعدل فيها.
وكان يزيدُ بنُ عبد الله بن وهبٍ من قضاةِ العدلِ والصَّالحين، وكان يقولُ: من أَحَبَّ المالَ والشَّرفِ وخافَ الدوائِرَ لم يعدلْ فيها.
وفي "صحيح البخاريّ" (٣) عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قالَ: "إِنكم سَتحرصونَ عَلَى الإمارة، وستكونُ ندامةً يوم القيامةِ، فنعم المرضعةُ، وبئستِ الفاطمة".
وفيه (٤) -أيضًا- عن أبي موسى الأشعريِّ "أنَّ رجلين قالا للنبي - ﷺ -: يا رسول الله، أَمَّرنا. قال: إِنَّا لاَ نولِي أَمرَنَا هذا من سأَلَه، ولا من حرصَ عليه".
_________________
(١) القصص: ٨٣.
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).
(٣) برقم (٧١٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣).
[ ١ / ٧١ ]
واعلمْ أَنَّ الحرصَ عَلَى الشَّرفِ يستلزمُ (شرًّا) (*) عظيمًا قبلَ وقوعه (في السَّعي) (**) في أسبابِه، وبعد وقوعِه بالخطر العظيم الَّذِي يقع فيه صاحبُ الولاية من الظلمِ والتكبرِ وغير ذلك من المفَاسِدِ.
وقد صنَّفَ أبو بكر الآجري -وكان من العُلَمَاء الربَّانيين في أَوائلِ المائةِ الرابعة- مصنفًا في "أخلاق العُلَمَاء وآدابهِم" وهو من أجلِّ ما صُنِّف في ذلك، ومن تأمَّله علمَ منه طريقة السَّلفِ من العُلَمَاء، والطرائقَ التي حَدَثَتْ بعدهم المخالفةَ لطريقتهم، فوصفَ فيه عالم السوء بأوصافٍ طويلة.
منها: أنّه قال: قد فتنه حبُّ الثناءِ والشَّرفِ والمنزلةِ عند أهل الدُّنْيَا، يتجملُ بالعلم كما يتجمل بالحلةِ الحسناء للدنيا، ولا يجمَّل علمه بالعمل به.
وذكر كلامًا طويلًا إِلَى أن قال: فهذه الأخلاقُ وما يشبهُها تغلبُ عَلَى قلب من لم (ينتفعْ) (١) بالعلم، فبينا هو مُقاربٌ لهذه الأخلاقِ إذ رَغبتْ نفسُه في حبِّ الشَّرفِ والمنزلةِ، فأحبَّ مجالسةَ الملوكِ وأبناءِ الدُّنْيَا، (فأحب) (٢) أن يشاركهم فيما هُم فيهِ (من منظرٍ) (٣) بَهيٍّ، ومَركبٍ هَنِيٍّ، وخادم سَرِيٍّ، ولباسٍ ليّنٍ، وفِراشٍ ناعمٍ، وطعام شَهِيٍّ، وأَحبَّ أَن (يُعتنى به) (٤)، وأن (يسمع) (٥) قَولُه، ويُطَاعَ أَمرُه، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلا مِن جهةِ القَضاءِ فَطلبَهُ، فَلم يُمكنْهُ إِلا بِبذلِ دِينِهِ، فَتَذَلَّلَ لِلمُلُوكِ وأتباعِهِم، (فَخدمَهُم) (٦) بِنَفْسِهِ، وأَكرَمَهُم بِمَالِهِ، وسَكتَ عَن قَبيحِ مَا ظَهَرَ (من منازل أبوابهم، وفي منازلهم وفعلهم) (٧)، ثم زيَّنَ لَهم كثيرًا من قَبيحٍ (فِعلهم بتأوُّلِهِ) (٨) الخطأ ليحسن
_________________
(١) (*) من النسخة "ك" وليست في النسخ الثلاث الأخرى. (**) بالسعي: "نسخة".
(٢) يتضمخ: "نسخة".
(٣) وأحب: "نسخة".
(٤) من رخاء عيشهم من منزلٍ: "نسخة".
(٥) يغشى بابه: "نسخة".
(٦) يُشْفَعَ: "نسخة".
(٧) وخدمهم: "نسخة".
(٨) من مَناكِرِهم عَلَى أبوابهم وفي منازلهم ومن قولهم وفعلهم: "نسخة".
(٩) أفعالهم بتأويله: "نسخة".
[ ١ / ٧٢ ]
(موقعه) (١) عندهم، فَلمَّا فعلَ هذه مُدةً طوِيلةً واسْتحكَمَ فيه الفسادُ وَلَّوْهُ القضاءَ فذبح بغيرِ سِكينٍ، فصارتْ لَهُم عليه ِمِنَّةٌ عَظِيمةٌ، ووجبَ عليه شُكرُهم، (فآلمَ نفسه) (٢) لئلاَّ (يُغضِبهُم) (٣) عليه فَيعزِلوهُ عن القضاءِ، ولم يلتفتْ إِلَى غَضبِ مَولاهُ، فاقْتطعَ أموالَ اليتامَى والأَراملِ، والفُقراءِ والمساكين، وأموالَ الوَقفِ الموقوفة عَلَى المجاهدينَ، وأهلِ الشَّرفِ بالحرمينِ، وأموالًا يعودُ نفعُها عَلَى جميعِ المسلمين، فأرضى بها الكاتبَ والحاجب والخادمَ، فأكلَ الحرامَ وأطعمَ الحرامَ وكَثُرَ الداعي عليهِ، فالويلُ لمن أورثَه علمُه هذهِ الأخلاقَ.
هذا (العِلْم) (٤) الَّذِي استعاذَ منه النبيُّ -ﷺ- وأمر أن يُستعاذَ منه، وهذا (العِلْم) (٤) الَّذِي قالَ فيهِ -﵊-: " «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ، عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ» (٥).
وكان -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ" (٦).
وكان ﵇ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٧).
هذا كُلُّهُ كَلامُ الإِمام أبي بَكرٍ الآجُري -رحمه الله تعالى- وكان في أَواخِرِ الثلاثِمائة، ولم يَزَلِ الفسادُ (مُتَزَايِدًا) (*) عَلَى ما ذَكرناه أضعافًا مُضَاعَفَةً، فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
_________________
(١) موقفه: "نسخة".
(٢) فأْلَّمَ بنفسه: "نسخة".
(٣) يغيظهم: "نسخة".
(٤) العالم: "نسخة".
(٥) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٥٨)، وابن عبد البر في "جامع ببان العِلْم وفضله" (١٠٧٩)، والطبراني في "الصغير" (٥٠٧) من حديث أبي هريرة.
(٦) أخرجه مسلم (٢٧٢٢) من حديث زيد بن أرقم، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٠، ٣٦٥، ٤٥١)، وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٢٦٣، ٢٨٤)، وابن ماجه (٣٨٣٧) من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٤/ ٤٤٤) من حديث جابر. (*) بعده يتزايد: "نسخة".
[ ١ / ٧٣ ]
ومن دَقِيقِ آفاتِ حُبِّ الشَّرفِ: طَلَبُ الولاياتِ والحرصُ عليها، وهو بابٌ غامضٌ لا يعرفُه إلا العُلَمَاءُ بالله، العَارِفُونَ بِهِ المُحِبُّونَ لَهُ، الذين يُعادون لهُ من جُهَّالِ خلقهِ المُزَاحمينَ لِرُبُوبيتِهِ وإلهيتهِ، مع حقارتهم وسُقوطِ منزلتهِم عند الله، وعندَ خَواصِّ عبادِهِ العارفين بهِ.
كما قال الحسنُ -﵀- فيهم: إِنَّهُمْ وَإِن طقطَقَتْ (١) بهم البغالُ وهملجَت (٢) بهمُ البرَاذِينُ (٣) فَإِنَّ ذُلِّ المعصيةِ فِي رِقَابهم، أبى الله إلا أن يُذلَّ مَنْ عَصَاهُ.
واعلْمْ أَنَّ حُبَّ الشَّرفِ بالحرصِ عَلَى نُفوذِ الأمرِ والنهي وتَدبيرِ أَمرِ الناسِ، إذا (قصدَ) (*) بذلك مُجَرَّدَ عُلوّ المنزلة عَلَى الخلقِ والتَّعاظم عليهم، وإظهارِ صاحب هذا الشَّرفِ حاجةَ الناس إِلَيْهِ وافتقارهم إِلَيْهِ، وذُلّهم له في طلبِ حوائجِهم منه، فهذا نفسُه مُزاحمةٌ لرُبوبِية الله تعالى وإلهيتِهِ، وربما تسبب بعضُ هؤلاءِ إِلَى إيقاع الناس في أمر يحتاجُون فيه إِلَيْهِ؛ ليضطرِّهم بذلك إِلَى رفع حاجاتهم إِلَيْهِ، وظهورِ افتقارهم واحتياجهم إِلَيْهِ، ويتعاظم بذلك ويتكبَّرُ بِهِ، وهذا لا يَصلحُ إلا لله تعالى وحده لا شريكَ لى.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤).
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٥).
وفي بعض الآثارِ أنَّ الله تعالى يبتلي عبدهُ بالبلاءِ ليسمعَ تضرعهُ.
_________________
(١) الطقطقة: صوت قوائم الخيل عَلَى الأرض الصلبة. "اللسان" مادة: (طقطق).
(٢) الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة. "اللسان" مادة: (هملج).
(٣) البرذون من الخيل: ما كان من غير نتاج العرب. "اللسان" مادة: (برذن). (*) كان القصد: "نسخة".
(٤) الأنعام: ٤٢.
(٥) الأعراف: ٩٤.
[ ١ / ٧٤ ]
وفي بعضِ الآثارِ -أيضًا- أن العبدَ إذا دعا الله وهو يُحبهُ قال الله: "يا جِبريلُ، لاَ تَعْجَلْ بِقَضَاءِ حاجتهِ، فَإِنِّي أحبُّ أَنْ أَسْمَعَ تَضرعَهُ".
فهذه الأمورُ أصعبُ وأخطرُ من مجردِ الظلمِ وأدهى من الشِّركِ، والشركُ أعظم الظُّلم عند الله.
وفي "الصحيح" (١) عن النبيّ - ﷺ - قال: "يَقُولُ الله تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا عَذَّبْتُهُ".
كان بعضُ المتقدمينَ قاضيًا، فرأى في منامهِ كأنَّ قائلًا يقول: أَنتَ قاضٍ، واللًه قاضٍ. فاستيقظَ مُنزعجًا، وخرجَ عن القضاءِ وتركهُ.
وكان طائفةٌ مِن القضاةِ الورعين يمنعونَ الناسَ أن يدعوهم بـ "قاضي القُضَاة"، فإن هذا الاسمَ يُشبهُ مَلِكَ الملوكِ الَّذِي ذمَّ النبي -ﷺ- التسميةَ به.
وقال: "لَا مَالِكَ إِلاَّ الله" (٢).
و"حاكمُ الحُكَّامِ" مِثلُه، أو أَشدُّ منه.
ومن هذا البابِ -أيضًا- أن يُحبُّ ذُو الشَّرفِ والولايةِ أَن يُحْمَدَ عَلَى أفعالهِ ويُثنْى عليهِ بها، ويطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسَبَّبُ في أَذى من لا يُجيبُه إليهِ، ورُبما كانَ ذلكَ الفعلُ إِلَى الذمِّ أقربَ منهُ إِلَى المدحِ، وربما أظهرَ أمرًا حسنًا في الظاهرِ، وأحبَّ المدحَ عليه وقصدَ بهِ في الباطنِ شرًّا، (وفَرِحَ بتمْويهِ) (*) ذلكَ وترويجه عَلَى الخلقِ.
وهذا يدخلُ في قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الآية (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٠٥)، ومسلم (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة. (*) وقصد تمويه: "نسخة".
(٣) آل عمران: ١٨٨.
[ ١ / ٧٥ ]
فإنَّ هذه الآيةَ إِنما نزلتْ فيمن هذه صفاتُهُ، وهذا الوصفُ -أَعني طلبَ المدح مِنَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ عَلَى تركهِ -لا يصلحُ إِلَّا لله وحدهُ لا شريكَ لهُ، ومن هنا كان أئمةُ الهدى ينهونَ عن حمدهِم عَلَى أعمالهم وما يصدُرُ منهم من الإحسانِ إِلَى الخلقِ، ويأمرونَ بإِضافةِ الحمدِ عَلَى ذلك إِلَى اللَّه وحدهُ لا شريكَ لهُ، فإِن النِّعم كلَّها منهُ.
وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز -﵀- شديد العنايةِ بذلكَ، وكتبَ مرةً إِلَى أهلِ الموسمِ كتابًا يْقرَأُ عليهم، وفيه الأمرُ بالإحسانِ إليهم، وإزالةُ (المظالمِ التي) (*) كانت عليهم، وفي الكتاب: "ولا تحمدُوا عَلَى ذلك كُلِّهِ إلًا اللَّهِ، فَإِنّهُ لوْ وَكَلَني إِلَى نفسِي كنتُ كغيري" (١).
وحكايتُه مع المرأةِ التي طلبتْ منه أن يفرضَ لِبناتِها اليتامى مشهورةٌ، فإنها كانت لها أربعُ بناتٍ، ففرض لاثنتينِ منهنَّ، وهي تحمدُ اللَّه، ثُم فرضَ للثالثةِ فَشَكرتْهُ، فقالَ: إنَمَا كنَّا نفرضُ لهنَّ حيثُ كنتِ تولينَ الحمدَ أهلَهُ، فمري هؤلاء الثلاثَ يُواسينَ الرابعة. أو كما قال﵁.
وحاصل الأمر أراد أن يعرف أنَّ ذا الولايةِ إِنما هو مُنتصِبٌ لتنفيذ أمرِ اللَّه، وآمرُ العبادَ بطاعة الله تعالى، وناهٍ لهم عن محارم الله، ناصحٌ لعبادِ الله بدُعائهم إِلَى الله، فهو يقصد أن يكون الدينُ كُلُّه لله، وأن تكونَ العِزَّةُ لله وهو مع ذلك خائفٌ من التقصيرِ في حقوقِ الله أيضًا.
فالمُحِبّونَ للَّه غَايةُ مقاصدهم من الخلقِ أن يحبوا الله ويُطعوهُ، (ويفردوه) (**) بالعبوديةِ والإلهيةِ، فكيفَ من يزاحِمُهُ في شيء من ذلك، فهو لا يريدُ من الخلقِ جزاءً ولا شُكُورًا، وإِنما يَرجُو ثوابَ عمله من الله كما قال الله تعالى:
_________________
(١) (*) مظالم: "نسخة".
(٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٩٣). (**) من النسخة "ك" وباقي النسخ الثلاث: "ويعرفوه".
[ ١ / ٧٦ ]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيتين (١).
وقال - ﷺ -: "لَا تُطرُونِي كَمَا أَطرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبد، فقولُوا: عبدَ الله ورسُولهُ" (٢).
وكَانَ - ﷺ - يُنكرُ عَلَى مَن لَا يتأدَّبُ معهُ في الخطاب بهذا الأدب، كما قال: "لَا تقُولُوا: مَا شَاءَ الله وَشَاءَ محمدٌ، بل قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ" (٣).
وقال لمن قال: مَا شاءَ اللَّه وشئتَ: "أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاءَ الله وَحْدَهُ" (٤).
فَمِن هُنا كانَ خُلفاءُ الرُّسلِ وَأَتباعُهم مِن أُمراءِ العَدلِ وقُضاتِهم لَا يدعونَ إِلَى تعظيمِ نفوسهم البتَّةَ؛ بل إِلَى تعظيمِ الله وحدَهُ وإفرادهِ بالعُبوديه والإلهيةِ، ومنهم من كانَ لا يُريدُ الولايةَ إلَّا للاستعانةِ بها عَلَى الدعوة إِلَى الله وحدهُ.
وكان بعضُ الصالحينَ يتولى القضاء ويقولُ: (أنا) (*) أتولاهُ لِأَستعينَ بهِ عَلَى الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنُكر.
ولهذا كانتِ الرسلُ وأتباعُهم يصبرونَ عَلَى الأذى في الدعوة إِلَى الله، ويتحملونَ في تنفيذ أوامر الله من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهُم صابرونَ؛ بل رَاضُونَ
_________________
(١) آل عمران: ٧٩ - ٨٠.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث ابن عباس.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢، ٣٩٨)، وابن ماجه (٢١١٨) من حديث الطفيل بن سخبرة الأزدي. وأخرجه أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤ و٣٩٨)، وأبو داود (٤٩٨٠) من حديث حذيفة.
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٢١٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وابن ماجه (٢١١٧)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٤٥) من حديث ابن عباس. (*) من النسخة "ك" و"س" وفي النسخة "" إِنَّمَا، وفي الأصل "ألا".
[ ١ / ٧٧ ]
بذلك، فإِن المحبَّ ربما يتلذذُ بما يُصيبهُ من الأذى في رضى مَحبوبهِ، كما كانَ عبدُ الملكِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز -﵄- يقولُ لأبيهِ في خلافتهِ إذا حرصَ عَلَى تنفيذِ الحقّ وإقامةِ العدلِ: يا أَبَتِ، لوَدِدْتُ أَني غَلتْ بي وبكَ القُدورُ في الله ﷿.
وقال بعضُ الصّالحينَ: ودَدتُ أنَّ جسمي قُرِضَ بالمقاريضِ وأَنَّ هذا الخلقَ كُلّهم أطاعُوا اللَّه ﷿. فعُرضَ قولُه عَلَى بعض العارفينَ، فَقَالَ: إِن كانَ أرادَ بذلك النصيحةَ للخلق وإِلَّا فلا أدري. ثم غُشِيَ عليهِ.
ومعنى هذا: أنَّ صاحبَ هذا القولِ قد يكونُ لحظ نُصحِ الخلقِ والشفقةِ عليهمِ من عذابِ اللَّه (وأحبَّ) (*) أن يفدِيَهم من عذابِ اللَّه بأَذى نفسهِ، وقد يكونُ لحظ جَلالِ اللَّه وعظمتِهِ وما يستحقُّهُ من الإجلالِ والإكرامِ والطَّاعةِ والمحبةِ، فَوَدَّ أَنَّ الخلقَ قاموا بذلك، وإن حَصَلَ له في نفسهِ غايةُ الضررِ، وهذا هو مَشهدُ خواصِّ المُحبين العارفينَ بِمُلاحظتهِ فغُشِيَ عَلَى هذا الرجلِ العارفِ.
وقد وصف اللَّه -تعالى- في كتابه أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم.
وفى ذلك يقولُ بعضُهم:
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
القسم الثاني:
طلبُ الشَّرفِ والعُلوِّ عَلَى الناس بالأُمور الدينيةِ، كالعلمِ والعملِ والزُّهدِ.
فهذا أفحشُ من الأولِ وأقبحُ وأشدُّ فسادًا وخطرًا، فإنَّ العلمَ والعملَ والزهدَ إنَّمَا يُطلبُ بها ما عند الله من الدرجات العُلَى والنعيمِ المقيمِ ويطلب بها ما عند الله والقربِ منهُ والزُّلفى لَديهِ (**).
_________________
(١) (*) فأحب: "نسخة". (*) لقربه: "نسخة".
[ ١ / ٧٨ ]
قال الثوريُّ: إِنَّما فُضلَ العلمُ؛ لأنَّهُ يُتقى به اللَّه، وإلًا كَانَ كسائر الأشياءِ.
فَإِذَا طلبَ بشيء من هذا عَرضَ الدُّنْيَا الفاني فهو -أيضَا- نوعانِ:
أحدهما: أن يطلبَ به المالَ، فهذا من نوعِ الحرصِ عَلَى المالِ وطلبهِ بالأَسبابِ المحرَّمةِ.
وفي هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ -: " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يعني: رِيحَها.
خرّجهُ الإمامُ أحمد (١)، وأبو داود (٢)، وابنُ ماجه (٣)، وابنُ حبانَ في "صحيحه" (٤) من حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-.
وسببُ هذا -واللُّه أعلمُ- أَنَّ في الدُّنْيَا جنةً مُعجَّلةً، وهي معرفةُ الله ومحبتُهُ، والأُنسُ به والشَّوقُ إِلَى لقائِهِ، وخشيتُهُ وطاعتُهُ، والعلمُ النافعُ يدلُّ عَلَى ذلك، فمن دلَّهُ علمهُ عَلَى دخول هذه الجنةِ المُعجَّلةِ في الدُّنْيَا دَخَلَ الجنةَ في الآخرةِ، ومن لم يشُم رائحتَها لم يشُم رائحةَ الجنةِ في الآخرةِ.
ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالمٌ لم ينفعهُ اللَّه بعلمهِ، وهو أشدُّ الناسِ حسرةً يومَ القيامةِ، حيثُ كان معهُ آلةٌ يتوصَّلُ بها إِلَى أعلى الدَّرجاتِ وأَرفعِ المقاماتِ، فلم يستعملها إلا في التوصُّل إِلَى أَخَسِّ الأمورِ وأدناهَا وأحقرِهَا، فهو كمن كان معهُ جواهرُ نفيسةٌ لها قيمةٌ، فباعَها ببعر أو شيءٍ مستقذَرٍ لا يُنتفَعُ بهِ، بل حالُ من يطلبُ الدُّنْيَا بعلمهِ، أقبح وأقبحُ وكذلك من يطلبُها بإظهارِ الزهدِ فيها، فإنَّ ذلكَ خداعٌ قبيحٌ جدًّا.
_________________
(١) في "المسند" (٢/ ٣٣٨).
(٢) في "السنن" (٣٦٦٤).
(٣) في "السنن" (٢٥٢، ٢٦٠).
(٤) كما في "الإحسان" (٧٨).
[ ١ / ٧٩ ]
وكان أبو سليمان الدَّارانيُّ يعيبُ عَلَى من لبس عباءةً، وفي قلبهِ شهوةٌ من شهواتِ الدُّنْيَا تساوي أكثر من قيمةِ العَباءة.
يشيرُ إِلَى أنَ إظهارَ الزهدِ في الدُّنْيَا باللباس الدني إِنَّمَا يصلحُ لمن فرغَ قلبهُ من التَّعلُّقِ بها، بحيثُ لا يتعلقُ قلبُهُ بها بأكثرَ من قيمةِ ما لبسهُ في الظاهرِ، حتى يستوي ظاهرُهُ وباطنُهُ في الفراغ من الدُّنْيَا.
وما أحسنَ قول بعض العارفينَ -وقد سُئلَ عن الصوفيّ- فَقَالَ: الصوفيّ.
مَنْ لبسَ الصُّوفَ علَى الصَّفَا وَسَلَكَ طَرِيقَ الْمُصْطَفَى
وَذَاقَ الْهَوَى بَعْدَ الْجَفَا وَكَانَتِ الدُّنْيَا مِنْهُ خَلْفَ الْقَفَا
النوع الثاني: مَن يطلبُ بالعمل والعلم والزهد الرياسة عَلَى الخلقِ والتعاظُمَ عليهم، وأن ينقادَ الخلقُ ويخضعونَ لهُ ويصرفُونَ وُجوههُم إليهِ، وأن يُظهرَ للناسِ زيادةَ علمهِ عَلَى العُلماءِ ليَعلوَ بهِ عليهِم ونحو ذلك.
فهذا موعدُهُ النارُ؛ لأنَّ قَصْدَ التَّكبرِ عَلَى الخلقِ مُحَرَّمٌ في نفسهِ، فَإِذَا استعملَ فيهِ آلة الآخرةِ كان أقبحَ وأَفحشَ من أن يستعملَ فيهِ آلاتِ الدُّنْيَا من المالِ والسلطانِ.
وفي " السنن " عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يُجَارِي بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يَصْرِفَ وُجُوهَ الناسِ إِلَيهِ أَدْخَلَهُ الله النَّارَ".
خرجه الترمذيُّ (١) من حديث كعبِ بنِ مالكٍ.
وخرجه ابنُ ماجه من حديث ابن عمرَ (٢) وحُذيفةَ (٣) وعنده: "فَهُوَ فِي النَّارِ".
وخرج ابن ماجه (٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٥) من حديث جابر، عن
_________________
(١) في "الجامع" (٢٦٥٤). قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوي عندهم، تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه.
(٢) في "السنن" (٢٥٣). قال في " الزوائِد": إسناده ضعيف لضعف حماد وأبي كرب.
(٣) في "السنن" (٢٥٩) وفي "الزوائد": إسناده ضعيف.
(٤) في "السنن" (٢٥٤). في "الزوائد": رجال إسناده ثقات.
(٥) كما في "الإحسان" (٧٧).
[ ١ / ٨٠ ]
النبي -ﷺ- قال: "لَا تَعَلِّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ العُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا لتَخَيّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ؛ فمنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنارَ النَّارَ".
وخرَّجه ابنُ عدَي (١) من حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- بنحوه، وزاد فيه: "وَلَكِنْ تَعَلَّمُوهُ لِوَجْهِ الله والدَّارِ الآخِرَةِ".
وعن ابن مسعود قال: "لَا تَعَلَّمُوا العِلمَ لِثَلاثٍ: لِتُمارُوا بهِ السُّفهاءَ، أَو لتُجَادلُوا بهِ الْفُقهاءَ، أَو لِتَصرفُوا بهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيكُمْ، وابتغُوا بقوْلكُم وفعلكُم ما عندَ اللَّه؛ فإِنَّه يبَقَى؛ وَيَفْنَى مَا سِوَاهُ".
وقد ثبتَ في "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ
-ﷺ-: "إِن أَوّلَ خلق تُسَعَّرُ بهمُ النَّارُ يومَ القيامةِ ثلاثة " منهُمُ العَالمُ الَّذِي قرأَ
القُرْآنَ ليُقَالَ: قَارئ، وتعلَّمَ الْعلمَ ليقَالَ عَالمٌ، وأنَهُ يُقالُ لهُ: قدْ قِيلَ ذَلكَ، وأُمرِ بهِ فسُحبَ عَلَى وجهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وذكر مثلَ ذلك في المتُصدِّق ليقال إِنَّهُ جَوادٌ، وفي المجاهدِ ليُقالَ إِنَهُ شُجاعٌ.
وعن علي ﵁ قال: يا حملةَ العِلمِ، اعملوا بهِ؛ فإنما العالمُ من عملَ بما عَلمَ، فوافقَ عملُهُ علمَهُ، وسيكون أقوامٌ يحملونَ العلمَ لا يُجاوزُ تَراقِيهم، يُخالفُ عملَهم علمُهُم، وتخالفُ سريرتُهُم علانيتَهُم، يجلسونَ حلقًا حلقًا فيباهي بعضُهم بعضًا، حتى إنَّ الرجلَ ليغضبُ عَلَى جليسهِ إذا جلسَ إِلَى غيرهِ ويدعُهُ، أَولئكَ لا تصعدُ أعمالُهم في مجالسهِم تلكَ إِلَى الله ﷿.
وقال الحسنُ: لا يكونُ حظُّ أحدِكُم من العِلْم أن يقال عالمٌ.
وفي بعض الآثارِ أنَّ عيسى ﵇ قال: "كيفَ يكونُ من أهلِ العلمِ من يطلبُ العِلْم ليُحَدِّثَ بهِ ولا يطلبُهُ ليعملَ به؟! ".
_________________
(١) في "الكامل" (٧/ ٢١٦) ترجمة يحيى بن أيوب الغافقي. وقال عن هذا الحديث وغيره: غير محفوظين وأعل هذا الحديث بتفرد يحيى بن أيوب به عن ابن جريج.
(٢) برقم (١٩٠٥).
[ ١ / ٨١ ]
وقال بعضُ السلفِ: بَلغنا أَنَّ الَّذِي يطلبُ الأحاديثَ ليحدِّثَ بها لا يجدُ ريحَ الجنةِ، يعني: من ليسَ له غرضٌ في طلبهَا إلاَّ ليحدث بها دُون العملِ بها.
ومن هذا القَبيلِ كراهةُ السَّلفِ الصَّالحِ الجُرْأَة عَلَى الفُتيا والحرصَ عليها (والمنازعة) (*) إليها والإكثارَ منها.
وروى ابنُ لهيعةَ عن [عُبيد اللَّه] (١) بن أبي جعفر مرسلًا، عن النبي -ﷺ- قال: "أجْرَؤُكُم عَلَى الْفُتْيَا أَجرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ" (٢).
وقال علقمة: كانوا يَقُولُونَ: أَجرؤُكُم عَلَى الفتيا أَقلُّكُم علمًا.
وعن البراءِ قال: "أَدركتُ مائة وعشرين من الأنصارِ من أصحابِ رسول اللَّه - ﷺ - يُسأَلُ أحدُهُم عن المسأَلةِ مَا منهُم من أحد إِلَّا وَدَّ أن أخاهُ كَفاهُ".
وفي روايةٍ: "فيرُدُّها هذا إِلَى هذا، وهذا إِلَى هذا حتى ترجع إِلَى الأوَّلِ".
وعن ابنِ مَسعودٍ ﵁ قال: "إِن الَّذِي يُفتي الناسَ فى كُل ما يَسْتَفْتُونَهُ لمجنون".
وسُئِلِ عمرُ بنُ عبد العزيزِ عن مسألةٍ، فَقَالَ: ما أَنا عَلى الفُتيا بِجَريءٍ.
وكتبَ إِلَى بعضِ عُمَّالِهِ: إِني واللَّه مَا أَنا بِحَريصٍ عَلَى الفُتيا، ما وَجدتُ منها بُدًّا.
وليسَ هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّ الناسَ احتاجُوا إليهِ، إِنما هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّهُ وَجدَ من يَكفيهِ.
وعنهُ أنّه قال: أَعلمُ الناسِ بالفتوى أَسكَتُهُم، وأجهلُهُم بها أَنطقُهُم.
_________________
(١) في "الأصل": عبد الله. وهو خطأ، والصواب "عبيد الله" انظر "تهذيب الكمال" (١٥/ ٤٨٨).
(٢) أخرجه الدارمي (١٥٧). (*) والمسارعة: "نسخة".
[ ١ / ٨٢ ]
وقال سفيانُ الثوريُّ رحمة اللَّه عليه: أَدركنا الفُقهاءَ وهُم يَكرهونَ أن يُجيبوا في المسائل والفُتيا حتى لا يَجِدوا بُدًّا من أن يُفتُوا، وإذا أُعفُوا منهَا كانَ أَحبَّ إليهِم.
وقال الإمامُ أحمدُ ﵁: مَن عرّضَ نفسَهُ لِلفُتيا فقد عَرّضَها لِأَمْرِ عَطيم، إِلاَّ أنَهُ قد تُلجئُ الضرورةُ.
قِيلَ لَهُ: فَأَيَّمَا أفضلُ؟ الكلامُ أَمِ السُّكوتُ؟
قال: الإمساكُ أَحَبُّ إِلَيّ.
قِيلَ لَهُ: فإِذَا كَانتِ الضرورةُ؟
فجعلَ يقولُ: الضرورةُ الضرورةُ! وقالَ: الإمساكُ أَسلمُ لَهُ.
وليعلمِ المفتي أنهُ يوقعُ عن اللَّه أَمرهُ ونهيهُ، وأنهُ موقوفٌ ومسئُولٌ عن ذلك.
قال الربيعُ بنُ خُثيمٍ: أيها المفتون! انظُروا كيفَ تُفتون.
وقال عمرُو بنُ دينارٍ لقتادةَ لما جلس للفُتْيَا: تدري في أي عمل وقعت، وقعت بين الله وبين عباده وقلتَ: هذا يَصلحُ، وهَذا لا يَصلحُ.
وعن ابن المنُكدرِ قال: إِنَّ العالمَ داخل بينَ اللَّه وبينَ خلقهِ، فلينظُرْ كيفَ يدخلُ عليهم.
وكان ابنُ سيرينَ إذا سُئلَ عن الشيءِ من الحلالِ والحرامِ تغيرَ لونُهُ وتبدَّلَ، حتى كأنَّه ليسَ بالذي كانَ.
وكانَ النَّخعيُّ يُسأَلُ فتظهرُ عليهِ الكراهةُ ويقولُ: ما وجدتَ أحدًا تسأل غيري؟! وقالَ: قَد تكلَّمتُ ولو وجدتُ بُدَّا مَا تكلمتُ، وإنَّ زمانًا أكونُ فيه فقيهَ الكُوفةِ لزمانُ سُوءٍ.
ورُوِيَ عن عمر قال: إِنّكم لتستفتوننا استفتاءَ قومٍ كأَنَّا لا نسألُ عمَّا نُفتيكم به.
وعن محمدِ بن واسعٍ قال: أَولُ من يُدعى إِلَى الحسابِ الفُقهاءُ.
[ ١ / ٨٣ ]
وعن مالكٍ أنّه كانَ إذا سُئِلَ عن المسألةِ كأنهُ واقفٌ بين الجنةِ والنَّارِ.
وقال بعضُ العلماءِ لبعضِ المُفتينَ: إذا سُئلْتَ عن مَسأَلة فلا يَكُنْ همُّكَ تخليصَ السائل، ولكن تخليصَ نفسكَ أَوَّلًا.
وقال لِآخرَ: إِذَا سُئلتَ عن مسألةٍ فتفَكَّر؛ فإن وجدتَ لنفسك مخرجًا فتكلّم وإلا فاسْكُتْ.
وكلامُ السلفِ في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا يطولُ ذكرُه واستِقْصَاؤهُ.
ومِن هذا البابِ أيضًا كراهةُ الدّخولِ عَلَى الملُوكِ والدُّنُوِّ منهُم، وهُوَ البَابُ الَّذِي يدخُلُ منهُ عُلماءُ الدُّنْيَا إِلَى نيلِ الشَّرفِ والرياساتِ فيها.
وخرج الإمام أحمدُ (١)، وأبو داود (٢)، والترمذيُّ (٣)، والنسائي (٤) من حديث ابن عباس، عن النبيّ -ﷺ- قال: "مَنْ سكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَن ِاتّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السَّلاَطين افتُتِن".
وخرج أحمد (٥)، وأبو داود (٦) نحوه من حديث أبي هريرة "، عن النبي -ﷺ- وفي حديثه: "وَمَا ازْدَادَ أَحَدٌ منَ السَّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ منَ اللَّه بُعْدًا".
وخرج ابن ماجه (٧) من حديث ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا الْخَطَايَا".
_________________
(١) (١/ ٣٥٧).
(٢) برقم (٢٨٥٩).
(٣) برقم (٢٢٥٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
(٤) برقم (٤٣٢٠).
(٥) (٢/ ٣٧١، ٤٤٠).
(٦) برقم (٢٨٦٠).
(٧) برقم (٢٥٥). قال في "الزوائد": إسناده ضعيف، وعبيد الله بن أبي بردة لا يعرف.
[ ١ / ٨٤ ]
وخرجه الطبراني (١) ولفظُه: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ يَأْتِيهُمُ الشَّيطَانُ يَقُولُ: لَو أَتَيتُمْ الْملُوكَ فَأَصَبْتُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَاعتْزَلْتُمُوهُمْ بِدِينِكُمْ، أَلاَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا الْخَطَايَا".
وخرّجَ الترمذيُّ (٢) من حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحَزَنِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا جُبُّ الحَزَنِ؟ قَالَ: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: «الْقَرَّاءُونَ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ».
وخَرَّجَ ابن ماجه (٣) نحوه، وزاد فيه: "وَإنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّه الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ الْجَورَةَ".
ورُوى من حديث علي (٤)، عن النبي -ﷺ- نحوُه.
ومِنْ أَعظمِ ما يُخشى عَلى من يَدخلُ عَلَى الملُوكِ الظلمة أَن يُصدِّقَهم بِكَذِبهم، ويُعينَهُم عَلَى ظُلمهم ولو بالسكوتِ عن الإنكارِ عليهم، فإنَّ من يرُيدُ بدُخولهِ عليهم الشَّرفَ والرّياسةَ -وهو حريصٌ عليهم- لَا يقدمُ عَلَى الإنكارِ عليهم؛ بل رُبَّمَا حَسَّن لهم بعضَ أفعالهم القبيحة تقربًا إليهم لِيحسُنَ موقعُهُ عندهُم، ويُساعدُوه عَلَى غرَضِهِ.
وقد خَرَّج الإمامُ أحمدُ (٥)، والترمذيُّ (٦)، والنسائي (٧)، وابن حبانَ في "صحيحه" (٨) من حديثِ كعبِ بن عُجرةَ، عن النبي -ﷺ- قال: "سيكونُ
_________________
(١) في "الأوسط" (٨٢٣٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به هشام بن عمار.
(٢) في "الجامع" (٢٣٨٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٣) في "السنن" (٢٥٦).
(٤) أخرجه العقيلي (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وابن عدي (٤/ ١٣٩). وفي إسناده "أبي بكر الداهري" قال عنه العقيلي حدث بأحاديث لا أصل لها ويحيل عَلَى الثقات، وذكر العقيلي هذا الحديث منها. وقال ابن عدي عن هنا الحديث: باطل.
(٥) في "المسند" (٤/ ٢٤٣).
(٦) في "الجامع" (٢٢٥٩). قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه.
(٧) في "السنن الصغرى" (٤٢٠٧).
(٨) كما في "الإحسان" (٢٧٩، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥).
[ ١ / ٨٥ ]
بَعْدِي أُمَرَاءُ؛ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الحَوْضَ".
وخرج الإمامُ أحمدُ (١) معنى هذا الحديث من حديث حذيفةَ، وابن عُمرَ، وخبَّابِ بنِ الأرتِّ، وأبي سعيد الخُدريِّ، والنُّعمانِ بنِ بشير -﵃.
وقد كان كثير من السلفِ ينهونَ عن الدخولِ عَلَى الملوكِ لمن أراد أمرهُم بالمعروفِ ونَهيهُم عن المنكر أيضًا.
ومِمَّن نهى عن ذلك: عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وابنُ المباركِ والثَّوريُّ وغيرُهم من الأئمةِ.
وقال ابنُ المبُاركِ: ليسَ الأَمرُ الناهِي عندَنا من دَخلَ عليهم فأمرهُم ونهاهُم، إِنَّمَا الآمرُ الناهي من اعتزلهُم.
وسببُ هذا ما يُخشَى من فتنةِ الدخولِ عليهم؛ فإنَّ النَفسَ قد تُخيلُ للإنسانِ إذا كانَ بعيدًا عنهُم أنهُ يأمرُهم وينهاهُم ويغلّظُ عليهم، فَإِذَا شاهدهُم قريبًا مالتِ النَّفسُ إليهم؛ لأنَّ محبةَ الشَّرفِ كامنة في النفس، (والنفسُ تحُسِّنُ له ذلك و) (*) مداهنتهم وملاطفتهم، وربما مالَ إليهم وأحبَّهُم، ولا سيما إِنَّ لاطفُوهُ وأكرموهُ وقبل ذلك منهم، وقد جرى ذلك (لابن طاوسٍ) (**) مع بعض الأُمراءِ بحضرةِ أبيهِ طَاوسٍ فوبَّخَهُ طاوسٌ عَلَى فعلهِ ذلكَ.
وكتبَ سُفيانُ الثوريُّ إِلَى عبَّادِ بن عَبَّادٍ، وكانَ في كتابهِ:
"إِيَّاكَ وَالأُمراءَ أن تدنُو منهم أو تُخالطهم في شيء من الأشياءِ، وإياكَ أن تُخدَعَ ويقالُ لك: لتشفعَ وتدرأَ عن مظلومٍ أو تردَّ مظلمةً؛ فإن ذلك خديعةُ
_________________
(١) في "المسند" (٢/ ٩٥)، (٤/ ٢٣، ٩٢)، (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، (٥/ ١١١، ٣٨٤)، (٦/ ٣٩٥). (*) لمحبة النفس له، ولذلك: "نسخة". (**) لعبد الله بن طاوس: "نسخة".
[ ١ / ٨٦ ]
إبليسَ، وإنما اتَّخذها فُجَّارُ القُرَّاءِ سُلمًا، وما كُفيتَ من المسألةِ والفُتيا فاغتنمِ ذلك ولا تُنافسهم، وإياكَ أن تكونَ كمن يُحبُّ أن يُعملَ بقولهِ أو يُنشر قولهُ أو يُسمع قولُهُ، فَإِذَا تُركَ ذلك منه عُرفَ فيه، وإياك وحُبَّ الرئاسة، فإنَّ الرجلَ يكونُ حُبُّ الرئاسةِ أحبَّ إِلَيْهِ من الذهب والفضةِ، وهو بابٌ غامضٌ لا يُبصرُهُ إلاَّ البصيرُ من العُلماءِ السَّماسرةِ، فتفقَّد بقلبٍ واعمل بنيَّةٍ، واعلم أَنَه قد دنا من النَّاسِ أمرٌ يشتهي الرجلُ أن يموتَ، والسلامُ".
ومن هذا البابِ أيضًا كراهةُ أن يُشهرَ الإنسانُ نفسهُ للناسِ بالعلم والزهدِ والدِّينِ، أو بإظهارِ الأعمالِ والأقوالِ والكراماتِ ليزار وتُلتمَسَ بركتُهُ ودُعاؤُه، وتقبيل يدُهُ وهُو مُحبٌّ لذلكَ ويُقِيمُ عليهِ ويفرحُ به أو يَسعى في أسبابهِ.
ومن هنا كانَ السلف الصالحُ يكرهونَ الشُّهرةَ غايةَ الكَراهةِ، منهُم: أيوبُ والنخعيُّ وسفيانُ وأحمدُ وغيرُهم من العلماءِ الربَّانيينَ، وكذلك الفُضَيلُ وداود الطَّائيُّ وغيرُهما من الزُّهَّادِ والعارفينَ، وكانوا يذُمُّونَ أنفسهُم غايةَ الذمِّ ويسترون أعمالهُم غايةَ السَّترِ.
دخلَ رجلٌ عَلَى داودَ الطائيّ فسألهُ ما جاء به؟ فَقَالَ: (جئت) (*) أزورك. فَقَالَ: أمَّا أنتَ فقد أصبتَ خيرًا حيثُ زُرتَ في الله، ولكن أنا أنظرُ ماذا لقيتُ غدًا إذا قيل لي: من أنتَ حتَّى تُزارَ؟ من الزهَّادِ أنتَ؟ لَا والله. من العُبَّادِ أنتَ؟ لَا واللَّه. من الصالحينَ أنت؟ لَا واللَّه وَعدَّدَ خصالَ الخيرِ عَلَى هذا الوجهِ، ثُمَّ جعَل يُوبِّخُ نفسُه، فيقول: يا دَاودُ! كنتَ في الشَّبيبةِ فاسقًا، فلمَّا شِبتَ صِرتَ مُرَائِيًا، والمُرائي أشرٌّ من الفَاسقِ.
وكان محمدُ بنُ واسعٍ يقولُ: لو أنَّ للذنوبِ رائحةً ما استطاعَ أحد أَن يُجَالِسَني.
وكان إبراهيمُ النخعيُّ إذا دخلَ عليهِ أحدٌ وهو يقرأُ في المصحفِ غَطَّاهُ.
_________________
(١) (*) أَحَبّ أن: "نسخة".
[ ١ / ٨٧ ]
وكانَ أُويسٌ وغيرُه من الزُّهَّادِ إذا عُرفوا في مكَانٍ ارتحلُوا عنهُ.
وكان كثيرٌ منَ السلفِ يَكرهُ أن يُطلَبَ منهُ الدُّعاءُ، ويقولُ لمن يسألهُ الدُّعاء: أَمِنِّي أنا؟!
ومِمَّنْ رُويَ عنهُ ذلك عمرُ بنُ الخطابِ وحذيفةُ بن اليمان ﵄، وكذلك مالكُ بنُ دينارٍ.
وكان النخعي يَكرهُ أن يُسألَ الدُّعاء.
وكتبَ رجلٌ إِلَى أحمدَ يسألُهُ الدعاءَ فَقَالَ أحمدُ: إذا دعونا نحنُ لهذا، فمن يدعُو لَنا؟!
وَوُصفَ بعضُ الصالحينَ واجتهادَهُ في العبادةِ لبعضِ الملُوكِ فَعزمَ عَلَى زيارتهِ، فبلغَهُ ذلكَ فجلسَ عَلَى قَارِعة الطريقِ يأكُلُ، فَوافَاهُ الملكُ وهُو عَلَى تِلكَ الحالةِ، فَسلَّمَ عليهِ، فَردَّ ﵇، وجعل يأكُلُ أكلًا كثيرًا ولا يَلتفتُ إِلَى الملكِ، فَقَالَ الملكُ: ما في هذا خيرٌ، ورَجعَ. فَقَالَ الرجلُ: الحمدُ لله الَّذِي رَدّ هذا عَنِّي وهو لائمٌ.
وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا.
وها هنا نُكتةٌ دقيقة، وهي أن الإنسانَ قد يذُمُّ نفسهُ يين الناسِ يُريدُ بذلك أن يُرِي أَنه مُتواضعٌ عندَ نفسهِ، فيرتفعُ بذلكَ عندَهُم ويمدحُونَهُ بهِ، وهذا من دَقائقِ أبوابِ الرِّياءِ وقد نَبَّه عليهِ السلفُ الصالحُ.
قال مُطَرَّفُ بنُ عبدِ الله بن الشِّخِّير: كَفى بالنفس إِطراءً أَن تَذُمَّهَا عَلَى الملأ، كأنك تُريدُ بذمِّها زينتَهَا، وذلك عند الله سَفَهٌ.
***
[ ١ / ٨٨ ]