شعيب بن الحسين الأندلسى: صوفى أندلسى مشهور، ولد فى قطنيانة إحدى قرى إشبيلية، وتوفى عام ٥٩٤ هـ (١١٩٧ - ١١٩٨ م) ودفن بالعباد بالقرب من تلمسان، وهو من أسرة مغمورة وكان أبواه فقيرين، بدأ أبو مدين منذ حداثته بحفظ القرآن الكريم فى بلده جريًا على مألوف القوم السائر، ثم تعلم صناعة النسج، ولما أحس من نفسه الميل نحو الدرس أقبل عليه بحماسة زائدة، فنزح عن وطنه إلى فاس
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ليأخذ عن علماء من المغاربة جذبته اليهم شهرتهم.
ولا نعرف الزمن الذى انتقل فيه أبو مدين إلى فاس، ويحتمل أن يكون ذلك قد حدث فى أخريات دولة المرابطين، أو فى بداية الموحدين، وإذا جاز لنا أن نحكم من العلوم التى كانت تدرس حينذاك فى جامعات فاس، ومن أبرزها علم الحديث، فإنا نستطيع القول بأن المغرب كان وقتئذ تحت سلطان الموحدين.
ويظهرنا كتاب التراجم من العرب على أن أبا مدين كان متفننًا فى علوم الإسلام المختلفة، نقليها وعقليها. ونرى مما تقدم أن أبا مدين كان بفاس فى الوقت الذى انبعثت فيه مذاهب الموحدين فى بلاد المغرب، ونهضت فيه العلوم الكلامية والفقهية بتأثير تلك المذاهب، ولكن يظهر أن الطالب الأندلسى الحدث لم يبد أى ميل نحو هذه الأنظار الجديدة، لأن ذوقه وجهه إلى التصوف بصفة خاصة، وهداه إلى سلوك هذا الطريق الشيخ أبو يعزى الذى بلغ به إلى مرتبة الوصفى الكامل بالصيام والصلاة وأقصى ضروب التقشف. ولم يجد أبو مدين -لفقره المدقع- آية صعوبة فى قطع علائقه وملذاته الزائلة، فتنقل متدرجًا فى كل مراتب الصوفية حتى بلغ مرتبة "القطب" و"الغوث".
وبعد أن مكث عدة أعوام بفاس انتقل الصوفى الشاب إلى مكة حيث لقى -كما يقال- الولى الكبير عبد القادر الجيلانى فارتبط به بصلات الود، وأتم بإرشاده علومه الصوفية.
ولما عاد أبو مدين من المشرق انصرف إلى تعليم الصوفية فى بلاد المغرب. فاستقر فى بجاية ناسكًا نسكًا شديدًا، وسرعان ما اشتهر بولايته وعلمه، وهرع إليه الناس من أقصى البلاد يسألونه ويأخذون عنه. وكان له قبل نزوحه من فاس كرامات، وأظهر مثلها أثناء رحلته فى المشرق وبعد عودته إلى بجاية.
وكانت تعاليم أبى مدين الصوفية التى قام بنشرها فى بجاية تخالف مذاهب فقهاء الموحدين فى تلك المدينة،
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فقلق هؤلاء من شهرته التى أخذت تذيع يومًا بعد يوم، ومن مريديه الذين تزايد عددهم، فبيتوا النية على اغتياله. ولما علم السلطان الموحدى أبو يوسف يعقوب المنصور بأمر هذا العالم الزاهد طلب إلى عامله بجاية أن يبعث به إلى مراكش ليتولى نقاشه بنفسه، فصدع أبو مدين بأمر السلطان عن طيب خاطر، وخرج فى ركب من مريديه يطلب عاصمة الموحدين بعد أن ودع تلاميذه ولكن عاجلته المنية وهو فى رحلته هذه على شاطئ نهر إسر، على بعد فراسخ معدودات من مدينة تلمسان، ودفن -كما أوصى- برباط العباد، قرب تلمسان، ولا يزال قبره بالعباد إلى الآن يزوره الناس من كل حدب وصوب.
ويمكن أن نلخص تعاليم أبى مدين كلها فى هذا البيت الذى كان يردده دائمًا كما يقول يحيى ابن خلدون:
"الله قل وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتدًا بصدق مراد".
وقد وصل أبو مدين بالتزامه الشديد بهذا المبدأ إلى أقصى مراتب الصوفية فتجردت نفسه التجرد كله، واتحد بالله -الذى كان يحده إلى آخر نسمة من حياته بقوله: "الله الحق"- اتحادًا تامًا. وآثار أبى مدين التى كتبها عبارة عن قليل من الأشعار الدينية الصوفية و"وصية" و"عقيدة" (انظر فهرس المخطوطات العربية للمكتبة الأهلية بباريس، رقم: ١٢٣٠، ١٠؛ ٣٤١٠؛ ٤٥٨٥، ورقة ١٥. وكذلك فهرس مخطوطات المكتبة الأهلية بالجزائر، رقم ٣٧٦، ورقة ٣٩؛ ٥٩٩، ورقة ٣، ٩٣٨، ورقة ١ - ٩؛ ١٨٥٩؛ ورقة ٧٣). وقد دفن أبو مدين مشيعًا بجموع حاشدة من أهل تلمسان، وكان جنازه فرصة ليظهر أهل تلك المدينة فيها تقديرهم الكبير للصوفى. وصار أبو مدين منذ ذلك ولى تلمسان وحاميها، وازدهرت هذه المدينة ببركاته، كما نمت مدينة العباد حول قبره. وبنيت قبة أبى مدين بعد وفاته بقليل من الزمن بأمر السلطان
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الموحدى محمد الناصر. وأخذ بعده كثير من الأمراء والملوك الذين حكموا تلمسان يضيفون الشئ الكثير إلى زخارف قبره المبارك. وقد بنى السلاطين المرينيون أصحاب تلمسان فى القرن الرابع عشر الميلادى إلى جانب قبره كثيرًا من المنشآت الفخمة التى لا يزال بعضها باقيًا إلى اليوم نذكر منها بصفة خاصة الجامع والمدرسة.
المصادر:
(١) ابن أبى زرع: القرطاس، طبعة فاس ١٣٠٣ هـ، ص ١٩٤؛ ترجمة بومييه Beaumier ص ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢) أحمد الغبرينى: عنوان الدراية، Notices et extraits du Eu-: Gherbonneau nouan ed- diraia باريس سنة ١٨٦ م، ص ٤.
(٣) يحيى بن خلدون: بغية الرواد Hist. des Beni Abdel-Wad rois de: Bel) Tlemcen، الجزائر سنة ١٩٠٤ م) الأصل ص ٢٣ - ٢٥؛ الترجمة، ص ٨٠ - ٨٣.
(٤) أحمد بابا: نيل الابتهاج، فاس ١٣١٧ هـ، ص ١٠٧ - ١١٢.
(٥) محمد بن مريم: كتاب البستان، وانظر Revue africaine Delpech فى رقم ١٦٤، ص ١٣٥.
(٦) المقرى، ليدن سنة ١٨٥٥ م، جـ ١، ٨٢٩، ٨٨٤.
[بل A. Bel]
+ أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسى، هو الصوفى الأندلسى الشهير، ولد حوالى سنة ٥٢٠ هـ (١١٦ م) فى قطنيانة، وهى بلدة صغيرة على مسيرة ٣٠ كيلو مترا تقريبًا شمالى الشمالى الشرقى لإشبيلية، ونشأ فى عائلة متواضعة جدًا، وتعلم صنعة النسج، ولكنه درس القرآن مدفوعًا بنزوعه الشديد إلى العلم، وما إن تيسر له الأمر حتى شخص إلى المغرب لإتمام تعليمه، وفى فاس تتلمذ على أئمة من الشيوخ ترجع شهرتهم إلى تقواهم وتقشفهم أكثر من رجوعها إلى تفقههم
[ ٢ / ٤٠١ ]
فى علوم الدين، مثل أبى يعزى الهزميرى، وعلى بن حرزهم، والدقاق. والدقاق هو الذى خلع عليه الخرقة التى تشهد على أنه سلك طريق الصوفية. ولكن مرشده الحق إلى سلوك الطريق هو أبو يعزى، وبإذن شيخه هذا رحل إلى المشرق، وهناك وفق إلى استيعاب ما أثر من الغزالى وكبار الصوفية.
وربما يكون قد لقى فى مكة عبد القادر الجيلانى المتوفى سنة ٥٦١ هـ (١١٦٦ م)؛ ثم عاد إلى المغرب واستقر فى بجاية حيث عرف بتعليمه وحياته المثالية. وبلغت شهرته مسامع السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور من بنى مؤمن، وخشى السلطان على ما يظهر من سلطانه الدين الخارج على مذهب الموحدين فدعاه إلى بلاطه. فلما أصبح على مرأى البصر من تلمسان أقعده المرض وتوفى سنة ٥٩٤ هـ (١١٩٧ م) ودفن حسب وصيته الصريحة فى العباد وهى قرية على مشارف تلمسان كان يؤمها النساك كثيرا فيما يظهر، ثم أصبحت بعد دفنه فيها مكانًا له بركته الخاصة.
وإذا كانت المكانة التى يشغلها أبو مدين فى الإسلام بالمغرب عظيمة الأهمية، فإن هذا لا يرجع فى حقيقة الأمر إلى مؤلفاته، إذ لم يؤثر عنه إلا بعض قصائد فى التصوف، ووصبة وعقيدة (انظر A. Bel)؛ وإنما استحق مرتبة "القطب" و"الغوث" و"الولى" على ما نقله عنه مريدوه وما ينسب إليه من حكم، وتشيد حكمه بكمال حياة التقشف، والزهد فى خيرات الدنيا، والتواضع، والتوكل المطلق على الله. وقد جرى أبو مدين على القول: "لا ينفع مع الكبر عمل ولا يضر مع التواضع بطالة" وكثيرًا ما كان يردد هذا البيت:
الله قد وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتدًا بصدق مراد
والحق إنه ليس لمذهبه فى التصوف أصالة؛ وإنما يمكن تعليل نجاح هذا المذهب وسلطانه الممتد على الزمن
[ ٢ / ٤٠٢ ]
باستطاعته التوفيق بين نزعات مختلفة وبطيعة المجتمع الذى تلقاه. ويقول برنشفك R. Brunschving. ": " إن فضله الكبير ونجاحه العظيم يرجعان إلى أنه استطاع أن يوائم مواءمة موفقة بين شتى المؤثرات التى تأثر بها على نحو يفهمه مستمعوه. والتصوف المعتدل الذى أدخله الغزالى قبله بقرن فى الإسلام على مذهب أهل السنة من أجل نخبة من الخاصة. أصبح بعد بفضل أبى مدين يوافق عقلية المؤمن فى شمال إفريقية سواء كان من العامة أو من الخاصة. لقد أمدنا أبو مدين بغير معقب بمفتاح التصوف فى شمالى إفريقية".
وتنسب إليه كتب المناقب كرامات، وقد اتخذته تلمسان حيث توفى، وليًا لها. وأصبح ضريحه مركزًا لعمارة جامعة (مسجد العباد سنة ٧٣٧ هـ = ١٣٣٩ م؛ ومدرسة سنة ٧٤٧ هـ = ١٣٤٧ م، وقصر صغير، وحمام) أنشأ معظمها سلطان فاس أبو الحسن المرينى صاحب تلمسان، ولا يزال هذا الضريح يؤمه بالزيارة كثير، أهل الريف من إقليم وهران وشرقى مراكش.
المصادر:
(١) ابن مريم: البستان، طبعة بن شنب، الجزائر سنة ١٣٢٦ هـ (١٩٠٨ م) وترجمه Provenzali إلى الفرنسية، الجزائر سنة ١٩١٠، ص ١١٥ وما بعدها.
(٢) الغبرينى: عنوان الدراية، طبعة ابن شنب، الجزائر سنة ١٩١٠ م.
(٣) ابن خلدون (يحيى): تاريخ بن عبدالواد، ترجمة A. Bel. بعنوان. Hist des B. Abd el- Wad.، الجزائر سنة ١٩٠٤ م، جـ ١، ص ٨٠ - ٨٣.
(٤) أحمد بابا: نيل الابتهاج، فاس سنة ١٩١٧ م، ص ١٠٧ - ١١٢.
(٥) Vie du celebre marabout J.J.J Barges Sidi abu Medien، باريس سنة ١٨٨٤ م.
الأب قنواتى [مارسيه، G. Marcais]
[ ٢ / ٤٠٣ ]