في بديع ما جاء في عصا الكبر:
وقال المولى مؤيد الدولة مؤلف هذا الكتاب أطال الله بقاءه في المعنى:
أسفي على عصر الشباب تصرَّمت … أيامه لا بل على أيامي (^٥)
لم أبكه أسفًا على مرح الصِّبا … ووصالِ غانيةٍ وشربِ مدام
لكن على جلدي وخوضي معركًا … يرتاع فيه الموتُ من إقدامي
بيدي حسامٌ كلّما جرّدته … يومَ الوغى أغمدته في الهام
ولصدرِ معتدلِ الكعوب حطمته … في صدر كبشِ كتيبةٍ قمقام (^٦)
ونزال فرسان الهياج وكلّهم … فرقٌ لهول تقحُّمي ومقامي (^٧)
ولقتليَ الأسدَ الضَّواريَ نحطها … كالرّعد قعقع في متون غمام (^٨)
تلقى إذا لاقيتها أسدًا له … بأسٌ يبيح به حمى الأجسام (^٩)
_________________
(١) الصواب أنه حاتم الطائي. ديوانه ١٢١ والحماسة ٢: ٣٧٤. والبيتان في البيان ٣: ٥٩ بدون نسبة.
(٢) جمع الكف، بالضم، هو قدر أن تجمع أصابعها وتضمها. يقول: لا يجد عندي الوارث كثيرا ولا قليلا، بل شيئا بين بين.
(٣) الهبر: قطع اللحم. يقول: يأبى إلا أن يخالط العظم.
(٤) الصرار: خيط يشد فوق خلفها لئلا يرتضعها ولدها. البيان ٣: ٧٤.
(٥) هذه الأبيات مما لم يرو في ديوان أسامة. تصرمت: تقطعت.
(٦) الكبش: الرئيس والقائد. والقمقام: السيد الواسع الفضل.
(٧) الفرق: الخائف الفزع.
(٨) النحط: صوت معه توجع.
(٩) خ: «حمى الآجام» جمع أجمة، وهي الشجر الكثيف الملتف.
[ ١ / ٢٠٦ ]
لو أنَّ عينَ أبي زبيدٍ عاينتْ … فتكاتهِ لأقرَّ بالإحجام (^١)
فحملتُ من بعد الثَّمانينَ العصا … متيقِّنا إنذارها لحمامي
وقال أيضًا أطال الله بقاءه في المعنى:
مع الثمانينَ عاثَ الضَّعفُ في جلدي … وساءني ضعفُ رجلي واضطرابُ يدي (^٢)
إذا كتبت فخطِّي جدُّ مضطربٍ … كخطِّ مرتعشِ الكفينِ مرتعدِ (^٣)
وإن مشيت وفي كفِّي العصا ثقلت … رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد (^٤)
فاعجبْ لضعف يدي عن حملها قلمًا … من بعد حطم القنا في لبَّة الأسد
فقلْ لمن يتمنّى طولَ مدّته … هذي عواقبُ طول العمر والمددِ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: دخل علي بالموصل سنة ست وعشرين وخمسمائة رجل من أهل الموصل نصراني يعرف بابن تدرس (^٥)، وهو شيخ كبير يمشي على عصا ليسلم علي، وأنشدني والعصا بيده قبل السلام:
أحمدُ الله إذْ سلمتُ إلى أن … صرت أمشي وفي يدي عكَّازة
نعمةٌ ليتني بقيت عليها … حذرًا أن أشال فوق جنازة (^٦)
وقال آخر:
عصيت العصا أيّام شرخ شبيبتي … فلما انقضى شرخ الشباب أطعتها
أحمِّلها ثقلي ويحسب كلُّ من … رآها بكفّي أنني قد حملتها
_________________
(١) أبو زبيد الطائي، حرملة بن المنذر، كان نصرانيا مخضرما، وكان أوصف الناس للأسد، وصفه بحضرة عثمان بن عفان وصفا مرعبا، فقال له عثمان: اسكت قطع اللّه لسانك فقد أرعبت قلوب المسلمين. انظر الشعر والشعراء ٢٦٠ والأغانى ١١: ٢٣ - ٣٠ والمعمرين ٨٦ والجمحي ١٣٢ والخزانة ٢: ١٥٥ - ١٥٦.
(٢) هذه الأبيات مما لم يرو أيضا في ديوان أسامة. وقد أنشدها في الاعتبار ١٦٣. وانظر ابن خلكان ١: ٦٣ والمسالك ١٠: ٥٠٠ مصورة دار الكتب.
(٣) في الأصل والمسالك: «لخط مرتعش»، والوجه ما أثبت من خ والاعتبار.
(٤) الجلد: الغليظ من الأرض.
(٥) خ: «بابن مرزينا».
(٦) في الأصل: «خالدا لا أشال»، وأثبت ما في خ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال المؤلف ﵀ (^١):
حملتْ ثقليَ في السهل العصا … ونبتْ بي حين حاولت الحزونا (^٢)
وإذا رجليَ خانتني فلا … لوم عندي للعصا في أن تخونا (^٣)
قال المؤلف: وأنشدني العميد أبو الحسن علي بن أبي الآمال بالموصل في سنة ست وعشرين وخمسمائة، ولم يسم القائل:
ما زلت أركب شاكلاتِ الربرب … حتَّى مشيت على العصا كالأحدب (^٤)
وتزلُّ رجلي كلَّما ثبَّتها … فكأنني أمشي الوحي في الطّحلب (^٥)
أأزبد ثالثة وأنقص عن مدى … مشى اثنتين لقد أتيتُ بمعجب
والليثُ لو بلغت سنوه سنَّي أو … قاربنها، أمسى فريسةَ ثعلب (^٦)
قال: وأنشدني القاضي الرشيد أحمد بن الزبير بمصر سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، للشاعر المعروف بابن المكر بل (^٧):
تقوَّس بعد طول العمر ظهري … وداستني الليالي أيَّ دوسِ
فأمشي والعصا تمشي أمامي … كأن قوامها وترٌ لقوس
قال المؤلف ﵀: أنشدني الخطيب مجد الدين أبو عمران موسى ابن الخطيب قدوة الشريعة يحيى الحصكفي (^٨) ﵀، بظاهر ميافارقين في شعبان سنة إحدى وستين وخمسمائة:
_________________
(١) كذا في الأصل. وفي خ: «أطال اللّه بقاءه» هنا وفي سائر المواضع.
(٢) في الأصل، خ: «وثبت بي حين حاولت الحرونا»، صوابه في الديوان ٣٢٣. والحزون: جمع حزن، بالفتح، وهو ما غلظ من الأرض.
(٣) في الأصل: «في العصا أن تخونا»، ولا يستقيم به الوزن، وصوابه في خ الديوان.
(٤) شاكلة الشئ: جانبه.
(٥) في الأصل: «في الطلب»، وأثبت ما في خ.
(٦) في الأصل: «سنوه سنتي أو قاربت»، صوابه في خ.
(٧) خ: «بالمكربل».
(٨) نسبة إلى حصن كيفا، وهي بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر. ويحيى هذا، هو أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسن الخصكفى الخطيب، ترجم له في خريدة القصر، وسرد طائفة من خطبه وأشعاره.
[ ١ / ٢٠٨ ]
كبرتُ إلى أن صرتُ أمشي على العصا … لتجبر ما أعرى الزَّمان من الوهن (^١)
يقولون ما تشكي وهل من شكاية … أشدَّ على الإنسانِ من كبر السنِّ (^٢)
قال: وأنشدني أيضًا لبعضهم:
[حملتُ العصا لا الضَّعف أوجب حملها … عليَّ ولا أنِّي تحنَّيتُ منْ كبرْ]
ولكنني ألزمت نفسيَ حملها … لأعلمها أن المقيم على سفرْ
قال: وأنشدني بها الموفق نصر بن سلطان لبعضهم:
كل أمرٍ إذا تفكرت فيه … وتأملته تراه طريفا
كنت أمشي على اثنتين قويا … صرت أمشي على ثلاث ضعيفا
قال المؤلف ﵀:
إذا تقوّس ظهر المرء من كبر … فعاد كالقوس يمشي والعصا وترُ (^٣)
فالموت أروح شيء يستريح به … والعيش فيه له التعذيب والضرر (^٤)
وقال أيضًا في المعنى (^٥):
إذا عاد ظهر المرء كالقوس والعصا … له حين يمشي وهي تقدمه وترْ
وملّ تكاليف الحياة وطولها … وأضعفه من بعد قوّته الكبر
فإن له في الموت أعظمَ راحةٍ … وأمنًا من الموت الذي كان ينتظر
وقال المؤلف ﵀:
حنانى الدهر وأفن … تنى الليالي والغيرْ
فصرتُ كالقوس ومن … عصاي للقوس وتر
_________________
(١) في الأصل: «ليخبر ما أعدى الزمان على الوهن»، صوابه في خ.
(٢) شكيت، لغة في شكوت.
(٣) في الأصل وخ: «فعادة القوس»، صوابه من الديوان ٣١٨.
(٤) في الديوان: «أروح آت».
(٥) الأبيات التالية في ديوانه ٣١٩.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أهدج في مشيى وفي … خطوي فتورٌ وقصر
كأننّي مقيدٌ … وإنما القيدُ الكبر
والعمر مثل الماء، في … آخره يأتي الكدرْ
وأنشدني الأمير السيد شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن شهاب الدين العلوي الحسيني، بالموصل في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، لبعض المغاربة:
ولي عصًا في طريق السَّير أحمدها … بها أقدِّم في تأخيرها قدمي
كأنها وهي في كفِّي أهشُّ بها … على ثمانين عامًا لا على غنمي
كأنني قوسُ رامٍ وهي لي وترٌ … أرمي عليها رماء الشَّيب والهرم
قال المصنف ﵀: وحدثني الشريف الإمام شمس الدين أبو المجد علي ابن علي بن الناصر (^١) للحق الحسيني الحنفي بالموصل، في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة قال: خرج خواجا بزرك (^٢) وفي يده عصا، وهو ينشد هذين البيتين:
بعد الثمانين ليس قوه … لهفى على قوّة الصُّبوَّه (^٣)
كأنني والعصا بكفِّي … موسى ولكن بلا نبوّه
قال: وأنشدني أيضًا قال: أنشدني والدي أبو الحسن علي قال: أنشدني والدي أبو طالب يحيى قال: أنشدني والدي الأمير أبو شجاع وقد علت سنه وحمل العصا:
أهدى ليِ الدهرُ رجلًا منه ثالثةً … ما كان أحسنني أمشي بثنتينِ
أمشي بها وهي تمشي بي معاونة … ما كان أحسننى أمشى بلا عون
_________________
(١) خ: «الناصر الحق».
(٢) هو نظام الملك الطوسي الحسن بن علي بن إسحاق. انظر ما سبق في صفحة ١٨٦، ١٨٧.
(٣) هذان البيتان نسبا إلى نظام الملك، كما في وفيات الأعيان. وهذه النسبة لا تستقيم، والشعر نفسه يأباها فإن نظام الملك ولد سنة ٤٠٨ وقتل سنة ٤٨٥، أي إنه لم يصل إلى الثمانين. والصواب نسبتها إلى أبى الحسن محمد بن أبي الصقر الواسطي، كما في الوفيات في ترجمة نظام الملك. وابن أبي الصقر هو محمد بن علي بن الحسن، ولد سنة ٤٠٩ وتوفى سنة ٤٩٨. ورواية ابن خلكان: «قد ذهبت شرة الصبوة». وكلمة «الصبوة» لم أجد لها سندا في المعاجم، وفيها «الصبو» بدون هاء.
[ ١ / ٢١٠ ]
هديَّة كنت آباها فصيَّرها … إليَّ بالرغم مني قرَّةَ العينِ
بانَ الشباب وجاء الشَّيب يصحبه … يا ليتها صحبة تبقى بلا بينِ
وقال المؤلف ﵀:
ويحَ السِّنينَ ومرّها … ما ذا بنا هي فاعله
جعلت عصايَ ولم تكن … شغلي لكفِّيَ شاغله
محمولة هي في المجا … ز وفي الحقيقة حامله
والعمرُ ألجأني إلي … ها والقوى المتخاذله
والنَّفس عما سوف تل … قى حين تسلمُ غافله
وجميعُ مكروهاتها … في العيشة المتطاولهْ
قال المؤلف ﵀ (^١).
قصّر خطوي وحنى صعدتي … مزورُّ دهرٍ خائن خابلِ (^٢)
وصار كفّي مالكًا للعصا … من بعد حمل الأسمر الذابل
أمشي بضعفٍ وانحناء على … عصايَ مشى الصائد الخاتل
كأنَّني لم أمش يوم الوغى … إلى نزال البطل الباسل
ولم أشقَّ الجيش لا أختشي … من الردى كالقدرِ النازل
فانظرْ إلى ما فعل العمرُ بي … من طوله لم أحظ بالطَّائل
يا حسرتا إنِّي غدًا ميّت … على فراشي ميتة الخامل
هلّا أتاني الموتُ يومَ الوغى … بين القنا والأسلِ الناهلِ
وقال أيضًا (^٣):
نظرتْ إلى ذي شيبة متهدِّمٍ … أفناهُ ما أفنى من الأعوام (^٤)
يمشي وتقدمه العصا وقد انحنى … فكأنها وتر لقوس الرامي
_________________
(١) الأبيات التالية مما لم يرد في ديوانه.
(٢) في الأصل: «وقنا صعدتى … خاتل»، صوابه في خ.
(٣) وهذه الأبيات أيضا مما لم يرد في ديوانه.
(٤) في الأصل: «أفنى وكم أفنى»، صوابه في خ.
[ ١ / ٢١١ ]
ورأتْ سماتِ الأريحيَّة والنَّدى … ودلائلَ المعروف والإقدام
واستخبرت عنّى فقلت لها امرؤ … نائي المواطن من كرام الشَّام
نبت الديارُ به وضاق فسيحها … عنه ففارقها بغير ملام
قالت من أيِّ الناسِ أنت فقلت من … أولاد منقذَ في ذرًى وسنام
من معشر أبدًا تروح رماحهم … بدم العدى مخضوبة الأعلام
تحمي البلادَ سيوفهم وتبيح ما … تحميه دونهم سيوفُ الحامي
النازلين بكلِّ ثغر خائف … والآمنين معرَّةَ الجرَّام (^١)
وإذا أناخ السائلون بجوِّهم … عادوا ثقالَ الظَّهر بالإنعام (^٢)
كم فيهم عند الحقوق إذا عرتْ … من باذلٍ متبرِّع بسَّام (^٣)
تغني يداه إذا هما همتا ندًى … في المحل عن صوب الغمام الهامي
يتهلَّلون طلاقةً ويخافهم … لسطاهمُ الآسادُ في الآجام (^٤)
قالت فأين همُ فقلتُ أبادهمْ … دهرٌ وهل باقٍ على الأيام
ووددت لو ناهلتّهم كأسَ الردى … ووردتُ قبلهمُ حياض حمامي
فحياةُ مثلي بعد عزّ باذخ … ومعاشرٍ غلبٍ ومالٍ نام
ونفاذِ أمر لا يردّ، يطيعه … فيما قضى العاصي من الأقوام (^٥)
لأشدُّ من غصص الحمام وراحتي … بالموت غايةُ منيتي ومرامي (^٦)
فبكت بزفرة موجع لو صادفت … حجرًا لذاب من الزَّفير الحامي
وقال أيضًا:
حمَّلتُ ثقلي بعد ما شبتُ العصا … فتحملته تحمّل المتكاره
_________________
(١) المعرة: الأذى والجناية. والجرام: جمع جارم، وهو الجاني. وفي الأصل: «الحرام».
(٢) الجو: ما انخفض من الأرض. وفي الأصل: «بنحوهم»، صوابه في خ.
(٣) في الأصل: «متترع»، صوابه ما أثبت من خ.
(٤) السطا، أراد بها السطوات.
(٥) أي إن العاصي يخضع له. وفي الأصل: «مطيعه فيما قضى القاضي»، صوابه في خ.
(٦) في الأصل: «لا شك»، صوابه في خ.
[ ١ / ٢١٢ ]
ومشت به مشيَ الحسير بوقره … لا يستقل مقيَّدا بعثاره (^١)
ما آدها ثقلي ولكن ثقل ما … أبقى الشباب عليَّ من أوزاره (^٢)
ورجايَ معقودٌ بمن أعطى أخا … السَّبعين عهدة عنقه من ثاره
وقال أيضًا (^٣):
غرضتُ من الحياة فكلُّ عمري … تصرَّم بالحوادث والخطوب (^٤)
فما ظفرت يدي بسرورِ يومٍ … بغير همومِ حادثةٍ مشوبِ
صبًا كالسُّكر أعقبه شباب … تقضّي بالوقائع والحروب
ووافى بعده شيبٌ بغيض … فلا سقيًا لأيام المشيبِ
أراني طيب لذّاتي ولهوى … يعدُّ من الجهالة والعيوبِ
وأدّاني إلى كبرٍ وضعف … وأدواء خفينَ على الطبيب (^٥)
إذا رمتُ النُّهوض ظننتُ أنّي … حملت ذرى الشّناخب من عسيب (^٦)
فإن أنا قمت بعد الجهد أمشى … فمشيى حين أعجل كالدَّبيب
تسيِّرني العصا هونًا وخلفي … مسيرُ الموت كالرِّيح الهبوب
وأفنى الموتُ إخواني وقومي … وأترابي فها أنا كالغريبِ
وفيما قد لقيت ردًى وموتٌ … ولكن ليس قلبي كالقلوب
_________________
(١) في الأصل: «بعشاره»، صوابه من خ والديوان ٣٢٣.
(٢) كلمة «على» ليست في الأصل، وإثباتها من خ والديوان.
(٣) الأبيات التالية مما لم يرد في ديوانه.
(٤) يقال غرض غرضا، من باب تعب: أي أدركه الملال والضجر. وفي الأصل: «غوضت»، صوابه في خ. وقال أسامة أيضا في ديوانه ٤٦: غرضت من الهجران والشمل جامع … ولم يتعمدنا بفرقتنا الدهر
(٥) في الأصل: «وأدواء جفين»، صوابه في خ.
(٦) ظننت، هي في الأصل: «هممت». صوابه في خ. والشناخب: جمع شنخوب، وهو رأس الجبل وأعلاه. وعسيب: جبل بعالية نجد.
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال أيضًا:
إنْ ضعفتْ عن حمل ثقلي رجلي … ورابني عثارها في السهل (^١)
أمشي كما يمشي الوجي في الوحلِ … مشيَ الأسير موثقًا بالكبل
فللعصا عنديَ عذرُ المبلي (^٢) … إن عجزت أو ضعفت عن حملي
وقال أيضًا وكتب بها في كتاب إلى ولده الأمير عضد الدين أبي الفوارس مرهف إلى مصر يطلب منه عصًا من آبنوس (^٣):
أريد عصًا من آبنوسٍ تقلُّني … فإن الثّمانين استعادت قوى رجلي
ولو بعصا موسى اتَّقيتُ لآدها … على ما بها من قوَّةٍ حملها ثقلي
ولكن تمنَّينا الرّجاءَ بباطلٍ … وكم قدرُ ما ترخي المنايا وكم تملي (^٤)
إذا بلغَ المرءُ الثمانين فالرّدى … يناد به بالتَّرحال من جانب الرَّحلِ
وقال أيضًا (^٥):
لما بلغت من الحياة إلى مدى … قد كنت أهواهُ تمنَّيت الرّدى
لم يبقِ طولُ العمر مني منَّةً … ألقي بها صرفَ الزّمانِ إذا اعتدى
ضعفت قوايَ وخانني الثِّقتانِ من … بصري وسمعي حين شارفت المدى
فإذا نهضتُ حسبت أنِّي حاملٌ … جبلًا وأمشي إن مشيت مقيَّدًا
وأدبُّ في كفِّي العصا وعهدتها … في الحرب تحمل أسمرًا ومهنَّدا
وأبيت في لين المهاد مسهَّدًا … قلقًا كأنّنيَ افترشت الجلمدا
والمرءُ ينكس في الحياةِ وبينما … بلغ الكمالَ وتمَّ عاد كما بدا
وقال أيضًا (^٦):
ألوم الرَّدى كم خضته متعرِّضا … له وهو عنِّي معرضٌ متجنِّبُ
_________________
(١) في الأصل: «وداسنى»، صوابه في خ والديوان ٣٢٠.
(٢) يقال أبلاه عذرا: أداه إليه فقبله.
(٣) الأبيات التالية ليست في ديوانه.
(٤) في الأصل: «ترجى» وأثبت ما في خ.
(٥) الأبيات التالية ليت في ديوانه.
(٦) الأبيات التالية لم ترد في ديوانه. وقد وردت ما خلا البيت الرابع في كتاب لباب الآداب ص ٢٢٦.
[ ١ / ٢١٤ ]
وكم أخذت منِّي السُّيوفُ مآخذ ال … حمامِ ولكنَّ القضاءَ مغيَّبُ
إلى أن تجاوزتُ الثمانينَ وانقضت … بلهنيةُ العيش الذي فيه يرغب (^١)
وأصبحت أستهدي العصا فتميلُ بي … لضعفي عن قصدي كأنّى أنكب (^٢)
فمكروه ما تخشى النّفوس من الرّدى … ألذّ وأحلى من حياتي وأعذب (^٣)
وقال أيضًا (^٤):
قد كان كفِّي مألفًا لمهنَّدِ … تعري (^٥) القلوبُ له وتفرى الهامُ (^٦)
- قوله «تعرى» من العرواء، وهي الحمى (^٧) -
ولأسمرٍ لدنِ الكعوب وحازه … حيث استمرَّ الفكرُ والأوهامُ
يتزايل الأبطال عنِّي مثلَ ما … نفرت من الأسد الهصورِ نعامُ
فرجعتُ أحملُ بعد سبعينَ العصا … فاعجبْ لما تأتي به الأيّام
وإذا الحمامُ أبى معاجلة الفتى … فحياته لا تكذبنَّ حمامُ (^٨)
قال مؤيد الدولة مؤلف هذا الكتاب، ﵀ (^٩): هذا آخر ما قلته وجمعته، وألفته ورصفته، في ذكر العصا. وبه نجز الكتاب، بعون الملك الوهّاب.
_________________
(١) البلهنية: سعة العيش ورخاؤه ونعمته.
(٢) الأنكب: الذي كأنما يمشى في شق، أي جانب.
(٣) في لباب الآداب: «وأطيب».
(٤) الأبيات التالية مما لم يرو في ديوانه.
(٥) في الأصل: «تفدى القلوب» صوابه في خ.
(٦) في الأصل: «الحماء».
(٧) في الأصل: «قوله تفدى من الفداء وهو الحماية»، والصواب ما أثبت من خ. يقال عرته الحمى: أخذته بعروائها، وهي الرعدة، يقال عرى فهو معرو.
(٨) في الأصل: «وإذا الحمام أنى»، صوابه في خ.
(٩) «قال المولى مؤيد الدولة مؤلف هذا الكتاب أطال اللّه بقاءه، وحرس نعماءه».
[ ١ / ٢١٥ ]