فرضت طبيعة الاتجاهات التربوية السائدة في أوروبا، في الفترة نفسها التي عاشها ابن الجوزي، عدم وجود آراء تربوية واضحة، يمكن مقارنتها بآراء ابن الجوزي.
وقد ساعدت المظاهر المتعددة التي غلبت على القرون الممتدة من القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر الميلاديين، إلى تميز التربية والتعليم في هذه الفترة، فكانت "الحياة العقلية في الشطر الأول من العصور الوسطى خاضعة للكنيسة خضوعًا شديدًا. فمع مجيء الأفكار الوثنية من الشرق وذهاب الحملات الصليبية إلى الأراضي المقدسة، وتأثيرات الغرب
[ ٤٩٤ ]
الفكرية، كل هذه أثارت التفكير والتساؤل عن سلطان الكنيسة العقلي، وهزت العزلة التي عاشتها الحياة العقلية في الغرب" (١). وأبرز حركة فكرية ظهرت في هذه الفترة نتيجة للمظاهر السابقة، هي الحركة الكلامية المدرسية " Scholosticism"، والهدف من هذه الحركة المدرسية "الاستعانة بالعقل في الدفاع عن العقيدة، وتقوية الحياة الدينية والكنسية عن طريق تقوية المواهب العقلية، والقضاء على الشك والإلحاد والهرطقة عن طريق المناقشة" (٢).
وطبيعة هذه الحركة "تنطبق عليها خصائص الطريقة أكثر من خصائص الفلسفة. . . فهي أولًا وقبل كل شيء طريقة للتدريس والتأليف واختبار الحقائق وتمحيصها وتدعيمها والتدليل عليها والتوفيق بين الأقوال والتعاليم الدينية التي تبدو متعارضة" (٣).
ومن المميزات التي تميزت بها هذه الحركة "الإعلاء من شأن فلسفة "أرسطو" ومنطقه القياسي إلى مستوى يجعلهما في مصاف تعاليم الكنيسة. ومن هذه المميزات أيضًا محاولة التوفيق بين العقل والدين والإيمان بأنه ليس بينهما أي تناقض أو صراع إذا ما فُهما حق فهمهما ومحاولة تدعيم السلطة الدينية بالفكر وتبرير العقيدة بالعقل، ومحاولة صياغة العقائد والمبادئ الدينية في عبارات منطقية، وتدعيمها على أساس من المنطق الأرسطوطاليسي" (٤).
ومن أبرز علماء هذه الحركة انسيلم Ansselm (١٠٣٤ - ١١٠٩ م)، وبطرس أبيلارد Abe Lardus (١٠٧٩ - ١١٤٢ م)، وبطرس لمبارد Peter Lombard (١١٠٠ - ١١٦٤ م)، والكسندر هالس Alexander Hales (١١٨٠ - ١٢٣٥ م)، وقد اتفقوا على إمكانية التوفيق بين العقيدة
_________________
(١) أحمد، د. سعد، مرسي وعلي، د. سعيد، إسماعيل. تاريخ التربية والتعليم. القاهرة، عالم الكتب، ١٩٧٣ م، ص ٩٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٨.
(٣) مرجع سابق، الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. تطور النظريات والأفكار التربوبة. ص ٥٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٥٧.
[ ٤٩٥ ]
والعقل، "ولكنهم اختلفوا في تقديم أحدهما على الآخر، فذهب أنسيلم إلى: أن العقيدة يجب أن تسبق المعرفة، وأن الشك لا يمكن قبوله مقدمة أو تمهيدًا للعقيدة، ويقول في هذا الشأن: "أنا لا أبحث عن المعرفة لكي أؤمن ولكني أؤمن لكي أصل إلى المعرفة"، "أحرى بالمسيحي أن يتقدم إلى المعرفة عن طريق الإيمان، لا أن يصل إلى الإيمان عن طريق المعرفة.
أما بطرس أبيلارد فقد ذهب إلى أن: "العقل متقدم أو سابق للعقيدة وأنه يمكن جعله أساسًا لعقيدة الكنيسة" (١).
وقد وجهت لهذه الحركة انتقادات عدة، منها: "اتهامها بضيق ميدانها الفكري، فإن مجال تطبيقها لم يتعد في الغالب الأعم العقائد والتعاليم الدينية، والمبالغة في تقدير المنطق الأرسطوطاليسي، والوقوف عند حدوده، وتركيزها على اللفظ والشكل والأمور المعنوية المجردة. فكان رجالها يجهدون أنفسهم بالبحث في أمور ميتافيزيقية، وفي مسائل وهمية لا حقائق واقعية تؤيدها الملاحظة الحسية. وكانت كتبهم كما قال هلام: "تحتوي على مجردات عقلية لا قيمة لها، وعلى قضايا مفروضة فرضا وعلى تعريفات مملوءة بالألفاظ التبريرية المزعجة" (٢).
وعلى الرغم من هذه الانتقادات التي وجهت لهذه الحركة، فإن لها مزايا متعددة منها "تحرير العقل المسيحي من النظرة الدينية الضيقة، وإلى الإيمان بأن العقل والدين ليسا متناقضين، والتحسين من أساليب البحث والتأليف والشرح للعقائد والتعاليم الدينية، ووضع مجموعة كبيرة من المفردات والمصطلحات الفلسفية والعلمية سهلت سبل الاتصال والبحث العلميين على مفكري العصر الوسيط والعصور اللاحقة له، وترك مجموعة كبيرة من المؤلفات القيمة في ميادين الدين والقانون والفلسفة، وإنتاج طائفة كبيرة من مشاهير الرجال الذين خدموا العلم والدين في ذلك الوقت (٣). وقد سبق ذكرهم.
ومن أهم منجزات العصر الوسيط هو نشأة الجامعات الأوروبية،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥٧ - ٥٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٥٨.
(٣) المرجع السابق، ص ٥٨.
[ ٤٩٦ ]
ومن أهمها جامعة بولونيا في إيطاليا، وجامعة باريس في فرنسا، جامعة أكسفورد في بريطانيا. وقد ظهرت هذه الجامعات في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي ومطلع القرن الثاني عشر الميلادي، نتيجة للتحرر الفكري الذي حدث فيها وما صاحبه من موقف الكنيسة التي "خرجت بمفاهيم جديدة واهتمامات جديدة من نضالها مع الأباطرة الرومان المقدسين، فقد سمحت للفضول الثائر، والمناقشات الدينية المحتدمة، بأن تتخذ شكلًا علميًّا ذا بالٍ. ثم إن نمو التجارة وظهور الحكومات البلدية، ولاسيما في المدن الإيطالية، نفخت في التعليم المدني روحًا جديدة، وأخيرًا فإن الحروب الصليبية بقضائها على عزلة أوروبا وجعلها على اتصال بالعالم العربي الإسلامي المتمدين، سمحت بدخول الأفكار الجديدة، وبالتالي بتوسيع الآفاق الفكرية عند الغربيين" (١).
هذه أهم جوانب الحياة التعليمية والعقلية في الدول الأوروبية، التي كانت في الفترة الزمنية التي عاش فيها ابن الجوزي.
وحتى تكون المقارنة موضوعية، لابد أيضًا من إبراز الحالة الثقافية والتعليمية والتربوية التي كانت في الدولة الإسلامية، وفي الفترة الزمنية نفسها التي عاش فيها ابن الجوزي.
وقد سبق أن تكلمت على ذلك (٢)، لذلك سنكتفي بمناقشة تلك المظاهر ومدى ارتباطها بالآراء التربوية عند ابن الجوزي. وهل لهذه الآراء علاقة بالفكر الأوروبي في ذلك الوقت، وما مدى تأثيره وتأثره بها.
أهم المظاهر العلمية التي غلبت على عصر ابن الجوزي
١ - "تميز بغداد بالبيئة العلمية الخصبة التي حوت جميع الثقافات.
٢ - اهتمام الخلفاء والوزراء بالعلم والتعليم والعلماء.
_________________
(١) عاقل، د. فاخر. التربية قديمها وحديثها. بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة ١٩٨١ م، ص ٣٣.
(٢) انظر الباب الثاني، ص ٥٣ وما بعدها من هذا الكتاب.
[ ٤٩٧ ]
٣ - انتشار المكتبات العامة والخاصة المليئة بالكتب المختلفة.
٤ - قيام الجوامع الإسلامية بمهمة العلم والتعليم.
٥ - انتشار المدارس التعليمية على المذاهب الأربعة.
٦ - كثرة العلماء المتفرغين للعلم والتعليم وكثرة مؤلفاتهم.
٧ - تعدد المذاهب والفرق الكلامية والاتجاهات الفكرية المختلفة.
٨ - ازدهار العلوم الإسلامية بالإضافة إلى علوم الطب والفلك والهندسة.
٩ - ترجمة كتب الفلسفة والمنطق إلى اللغة العربية" (١).
وبمقارنة هذه المظاهر العلمية السائدة في الدولة الإسلامية، بالاتجاهات الفكرية السائدة في الدول الأوروبية، يتضح لنا ازدهار الحياة التعليمية الإسلامية، وشمولها لجميع أنواع العلوم الإسلامية والعلمية من طب وفلك وهندسة وإنجاز ترجمة كتب الفلسفة والمنطق من جميع اللغات اليونانية والهندية إلى اللغة العربية.
هذا بالإضافة إلى الاختلاف الواضح في العقائد، فالدولة الإسلامية تدين بالعقيدة الإسلامية وتبني فكرها عليها، والدول الأوروبية تدين بالمسيحية وتبني فكرها عليها، مع محاولتها في هذه الفترة التحرر من سلطان الكنيسة إلى حد ما.
وأهم النقاط التي ناقشها الفكر الأوروبي هي إمكانية التوفيق بين
_________________
(١) أخذت هذه المعلومات من مراجع عدة بتصرف وإيجاز. أ - شلبي د. أحمد. موسوعة التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية. القاهرة، مكتبة النهضة، الطبعة السابعة، ١٩٨٢ م، الجزء الثالث، ص ٢٣٤. ب - مرجع سابق، السيوطي، الحافظ، جلال الدين. تاريخ الخلفاء. ص ٤٠٧ - ٤٠٨. جـ - مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. المجلد العاشر، ص ٢١٤، ٢٨٤، ٢٥٠. د - مرجع سابق، الحكيم، حسن، عيسى، علي. كتاب المنتظم لابن الجوزي. ص ١٦٦.
[ ٤٩٨ ]
العقيدة والعقل والإيمان وأنه ليس بينهما أي تناقض أو صراع إذا ما فُهما حق الفهم. وهذه فكرة لم يناقشها ابن الجوزي لكونه مسلمًا يدين العقيدة الربانية التي جاءت أحكامها وتشريعاتها موافقة للعقل البشري والإيمان الفطري، فحتى في الغيبيات مثلًا لا يحس المسلم بالتناقض أو الصراع وإنما يخاطب العقل البشري.
كذلك قام الفكر الأوروبي بمحاولة صياغة العقائد والمبادئ الدينية في عبارات منطقية وتدعيمها على أساس من المنطق الأرسطوطاليسي. وابن الجوزي لم يناقش ذلك، ولكن ناقش -بصفة عامة- آراء الفلاسفة وتابعيهم الذين ينقلون "من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وجالينوس" (١)، ثم بين أن هؤلاء الفلاسفة "كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلّطوا ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات" (٢).
وبذلك نلاحظ أننا لا نستطيع مقارنة عصر ابن الجوزي بأفكاره التربوية الإسلامية بالعصر الأوروبي وأفكاره، لتركيز الأوروبيين الواضح على الديانة المسيحية، ومحاولة التحرر منها في خطواتها الأولى. وبذلك يكون الفكر التربوي لابن الجوزي فكرًا تربويًا متميزًا، لأنه استقاه من المنهج التربوي الإسلامي.