أ) قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
فجعل الله -﷾- على رأس صفات المؤمنين في أول سورة الأنفال وجلَ قلوبهم عند ذكره تعالى.
ووجل القلوب هو خوفها من الله العظيم -﷾-؛ لأنها تعرفه حق المعرفة، وتؤمن بجلاله وعظمته، فإذا ذُكِر الله أو ذُكّرت به خافت منه، فأحدث لها ذلك خشية الله والانكفاف عن المعاصي، والمسارعة إلى الطاعات، وهذا من أعظم العلامات الدالة على الإيمان الحق، وخوف العبد من ربه (^٣)، وتظهر هذه المقامات العظيمة أهمية عمل القلب، وأثره على إيمان العبد.
_________________
(١) الإيمان المطلق هو: الإيمان الكامل الذي أتى صاحبه بما يستطيع من الواجبات واجتنب كل المحرمات، وعكسه مطلق الإيمان وهو الإيمان الناقص الذي وقع صاحبه في الذنوب غير المكفرة، ويسمى صاحبه الفاسق الملي، فيقولون عنه: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. ينظر: العقيدة الواسطية (١١٤) لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: أشرف بن عبد المقصود، أضواء السلف الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ، شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٥) لابن أبي العز الحنفي، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت، ط ١٠، ١٤١٧ هـ، الإيمان والرد على أهل البدع (مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام، الجزء الثاني) (ص ٤) لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١ بمصر، ١٣٤٩ هـ، النشرة الثالثة، ١٤١٢ هـ.
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٤).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٧ - ٢٨)، تفسير ابن كثير (٤/ ١١)، تفسير السعدي (٣١٥).
[ ٥٨ ]
ب) قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
فجعل الله -﷾- على رأس صفات المؤمنين في أول سورة المؤمنون الخشوع في صلاتهم.
نقل الطبري ﵀ عن الحسن (^١) في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، قال: "كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح" (^٢).
أي: جعلوا أبصارهم في موضع سجودهم، واستحضروا عظمة الوقوف بين يدي الله، فخفضوا الجناح له من هيبته في قلوبهم (^٣).
وقال ابن كثير (^٤) ﵀:
_________________
(١) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه. وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان العباد. ولد بالمدينة، وكانت أمه خيرة مولاة لأم سلمة فكانت تذهب لمولاتها في حاجة وتشاغله أم سلمة بثديها، فربما در عليه، وتوفي عليه رحمة الله سنة (١١٠ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٩٠) للصفدي، ت: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث بيروت، ١٤٢٠ هـ، الأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٦).
(٢) تفسير الطبري (١٧/ ٨).
(٣) ونقل ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ١٢٥) رقم (٧٢٤٥) ت: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ عن مجاهد ﵀ قال: "كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع"، قال مجاهد: وحدثت أن أبا بكر كان كذلك.
(٤) الإمام العلامة، الحافظ الكبير، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، المحدث المفتي البارع فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر، وكان ﵀ جيد الحفظ والفهم، مستقل الرأي، يدور مع الدليل حيث دار ولا يتعصب لمذهب، وكان يستحضر كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، له مؤلفات كثيرة كالتفسير والبداية والنهاية وجامع المسانيد والسنن وغير ذلك، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة (٧٧٤ هـ). ينظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٤٥)، شذرات الذهب (١/ ٦٧)، موسوعة مواقف السلف (٨/ ٣٧٤).
[ ٥٩ ]
"والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين (^١) " (^٢).