أ) قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فجعلها الله من أبرز صفات العلماء.
_________________
(١) ينظر: (٩٠).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٤٠).
[ ٦٢ ]
قال ابن كثير ﵀: "أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر" (^١).
قال السعدي ﵀: "فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] " (^٢).
ب) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. فأعد الله لمن يخشونه بالغيب -وبالأخص حينما لا يطلع عليهم أحد من الخلق- مغفرة وأجرًا كبيرًا.
قال السعدي ﵀: "أي: في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا الله، فلا يقدمون على معاصيه، ولا يقصرون فيما أمر به. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم وقاهم شرها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير وهو ما أعده لهم في الجنة من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والمشتهيات، والقصور والمنازل العاليات، والحور الحسان، والخدم والولدان، وأعظم من ذلك وأكبر رضا الرحمن الذي يحله الله على أهل الجنان" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٤٤).
(٢) تفسير السعدي (٦٨٩).
(٣) تفسير السعدي (٨٧٦).
[ ٦٣ ]
ج) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. فمن صفات من يخشون الله بالغيب إشفاقهم من الساعة، وذلك بخوف قلوبهم ووجلها.
قال السعدي ﵀: "فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشونه في حال غيبتهم، وعدم مشاهدة الناس لهم، فمع المشاهدة أولى، فيتورعون عما حرم، ويقومون بما ألزم، ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون وجلون؛ لكمال معرفتهم بربهم، فجمعوا بين الإحسان والخوف" (^١).
ولهذا كانت العقوبة عظيمة تنخلع منها القلوب لمن ضعف في قلبه خشية الله بالغيب، فقال -ﷺ-: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (^٢).
وإن مما يجعل القلب يخشى الله بالغيب: استحضار مراقبة الله له، واطلاعه عليه، وأن الله يسمعه ويراه، عليم بسره ونجواه، يقول تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، وقال -﷾-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
_________________
(١) تفسير السعدي (٥٢٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٥)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ت: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٧ هـ، كتاب الحدود وغيرها، الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣/ ١٧٠) ح (٣٥٣٤): "رواه ابن ماجه ورواته ثقات"، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه، ت: محمد الكشناوي، دار العربية بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب (٤/ ٢٤٦) ح (١٥٢٥): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٩١) ح (٢٣٤٦)، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٣١٧) ح (٤٢٤٥).
[ ٦٤ ]
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
د) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
فيتأثر من يخشون الله عند تلاوة القرآن الكريم أو سماعه، بقشعريرة الجلود، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وهذه صفة أصحاب القلوب التي تخشى الله، فإذا تلوا كتاب الله أو سمعوا آياته أصابهم من خشيتهم لله ما تقشعر منه الجلود وتضطرب من الخوف من الله عند آيات الوعيد والتذكير بعظمة الله، فيخشع القلب وتدمع العين، ثم تلين وتسكن وترق عند آيات الرحمة، وكما قال تعالى عنهم عند سماع آيات القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] (^١).
وعن قتادة ﵀ عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: "هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان (^٢) " (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) وهو يقصد بهذا ما حصل بعد جيل الصحابة الكرام -﵃- من الغشي والصعق عند سماع آيات الوعد والوعيد.
(٣) تفسير البغوي (٧/ ١١٦)، تفسير ابن كثير (٧/ ٩٥).
[ ٦٥ ]