وقد تتبع ابن القيم ﵀ - في كتابه العظيم زاد المعاد- هديه ﷺ في هذه العبادة، فقد جمع في ذلك ما ورد من النصوص في هديه ﷺ في تعامله مع القرآن الكريم، وقد جمع ﵀ في ذلك كعادته علمًا جمًا وفيرًا، فجزاه الله خير الجزاء وتوسع في ذلك بما لا مزيد عليه، فأحببت أن أختصر منه الآتي (^١):
- "كان له ﷺ حزب يقرؤه لا يخل به وكانت قراءته ترتيلًا، لا هذًّا ولا عجلةً، بل قراءةً مفسَّرةً حرفًا حرفًا. وكان يقطع قراءته آيةً آيةً. وكان يمدُّ عند حروف المدِّ، فيمُدُّ (الرحمن)، ويمُدُّ (الرحيم).
- وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول القراءة، فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وربما كان يقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه».
وكان تعوُّذه قبل القراءة.
- وكان يحبُّ أن يسمع القرآن من غيره. وأمرَ عبدَ الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع، وخشع - ﷺ - لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه.
-وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، ومتوضِّئًا ومحدِثًا. ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة.
- وكان يتغنَّى به، ويرجِّع صوته به أحيانًا، كما رجَّع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجيعه آآآ ثلاث مرات. ذكره البخاري.
وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»، وقوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وقوله: «ما أذِن اللهُ لشيءٍ كأَذَنِه لنبيٍّ حسَنِ الصَّوت يتغنَّى بالقرآن» = علمتَ أنَّ هذا الترجيع منه - ﷺ - كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهزِّ الناقة له. فإنَّ هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفَّل يحكيه ويفعله
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (١/ ٦١٣ - ٦٣٢) مع الاحتفاظ بكلامه بحروفه.
[ ٢٣ ]
اختيارًا لِيُتأسَّى، وهو يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: «كان يرجِّع في قراءته» فنسَب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هزّ الراحلة لم يكن منه فعلٌ يسمّى ترجيعًا.
وقد استمع ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: «لو كنتُ أعلم أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا»، أي حسَّنتُه وزيَّنتُه بصوتي تزيينًا.
وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة. فسمعته يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسَن الصوت؟ قال: يحسِّنه ما استطاع.
-وتوسع رحمه في نقل أقوال أهل العلم في مسألة التغني والتطريب في قراءة القرآن، ثم قال ﵀ في خاتمة هذه المسألة مرجحًا ومفصلًا للقول الراجح: "وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي - ﷺ -: «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا». والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، ليس في الطبع السماحةُ به، بل لا يحصل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلَّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلُّم والتكلُّف. فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلَّةُ أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه.
[ ٢٤ ]
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيَّن الصواب من غيره. وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلَّفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها أو يسوِّغوها؛ ويعلمُ قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجًى تارةً، وبطرب تارةً، وبشوق تارةً. وهذا أمر في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارعُ مع شدَّة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». وفيه وجهان، أحدهما: أنه إخبار بالواقع، أي كلُّنا نفعله. والثاني: أنه نفيٌ لهَدْيِ من لم يفعله عن هَدْيه وطريقته. والله أعلم" انتهى المقصود من كلام ابن القيم ﵀.
ومن هديه -ﷺ-: عدم العجلة في ختمه في أقل من ثلاثة أيام؛ لأجل والله أعلم الحرص على تدبره وفهم المقصود منه والعمل به، فقال -ﷺ-: «لَا يَفْقَهُهُ مَنْ يَقْرَؤُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١/ ١٠٤) ح (٦٥٤٦) واللفظ له، وقال محقق المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، ومسند الدرامي (٢/ ٩٣٦) ح (١٥٣٤) وقال محققه: "إسناده صحيح"، وأبو داود (٢/ ٥٤) ح (١٣٩٠)، وابن ماجه (١/ ٤٢٨) ح (١٣٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٥٦) ح (١١٥٧).
[ ٢٥ ]