والشهوة، وأن تعمل بالهوى، فإذا فطمتها عن العادة انفطمت؛ ألا ترى أن الصبي إنما اعتاد ثدي أمه، كيف سكونه بذلك الثدي، إنما يحنّ إليه إذا فقده، وكيف يفرح به إذا وجده؛ فكذلك النفس الشهوانية، فإذا فطم الصبي انفطم، حتى لا يلتفت إلى ثدي بعد ذلك، لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة، فلا يحن إلى اللبن، كلك النفس إذا وجدت الطيب اليقين، وروح قرب الله تعالى، وحلاوة اختيار الله ﷿ له، وجميل نظره لها، لم تحنّ إلى تلك الشهوات.
قيل له: فبماذا يوجد اليقين؟ قال: بطهارة القلب، لأن اليقين طاهر، فيطهر مكانه ومستقره.
[ ٣٥ ]
قيل له: وما طهارته؟ قال: ترك ما اضطرب القلب عليه ورابك منه تورعًا، دقّ أو جلّ، ثم تطهره من التعلق بالشهوات، والاشتغال بها، فإذا أنت فعلت ذلك صقلت قلبك، فصار لك مرآة بالتورع؛ فكلما تفكرت شيئًا من أمر الآخرة، تمثل في مرآتك، حتى تصير الآخرة لك معاينة، فإذا منعت قلبك عن حريق الشهوات، كما تصون مرآتك عن حرارة أنفاسك، تمثل في قلبك الملكوت، حتى يصير أمر السموات إلى العرش لك معاينة، تبصره بعيني قلبك، كأنك تنظر إليه، كما قال حارثة ﵁: يا رسول الله، كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون، فقال رسول الله ﷺ: عرفت فالزم. عبد نوّر الله الإيمان في قلبه. فإذا صنت قلبك فصنه
بعد ما ذكرنا عن النظر إلى نفسك إعجابًا وفرحًا، بالغطاء لها انقطعت الأسباب منك، وصفًا لك طريقك إلى الله ﷿ بلا غبار ولا غيم، فلا يغان على قلبك،
[ ٣٦ ]
فإذا أصاب قلبك الغين استغفرت، كما قال رسو ل الله ﷺ إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم مائة مرة. وهذا الغين من رسول الله ﷺ ليس كما يجده من بعده فيما نعلمه، فليس نراه من طريق التخليط، ولا من طريق العيب، فقد كان قلبه أطهر، وشأن أمره أعظم، وأجل من أن يظن به.
ولهذا الباب تفسير واضح من هذا، نبينه في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، في صفة القلب وخلقته وشرح اليقين ما هو.
أردنا أن نستتم ذكر النفس ورياضتها عدنا إلى ذكر رياضة النفس. ألا ترى أن البازي كيف كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، فلما ربّ وأمسك على التربية، أنس بصاحبه، وأخذت التربية بقلبه، واعتاد الكون معه، فنزع عن النفار، وترك همّ الطيران، واطمأن إلى صاحبه، حتى إذا أرسله وحثه على الطيران طار، فأصاد وأمسك عليه صيده، تحريًا لموافقة مولاه، ثم إن دعاه ممن الطيران رجع، وآثر هواه على هوى موافقة نفسه، فأجابه منقضًا إلى حبله وسباقه؛
[ ٣٧ ]
أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدا وعبرة وأسفًا على فوت هذا من نفسه، أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشد تحريًا لموافقته، وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه، ألا ترى إلى الدابة الخسيسة قيمتها قليلة، تؤخذ من الدواب وقد اعتادت الرعي حيثما شاءت، كيف يروضها الرائض على قبول السرج واللجام؟ وكيف يؤدبها حتى تأخذ السير؟ وكيف يؤدبها عند القناطر، وفي مواضع الجلبة، يريد أن يشيعها حتى لا تهاب هذه المواضع إذا بلغت؟ وكيف تفتح أذنيها عند المسير. وتميل يمينًا وشمالًا، لا ينقلب عنانها، فإن لم تجد قنطرة فأهوى بعنانها،
وثبت إلى الجانب وثبة مخاطرة بنفسها، وأن استقبلها جلبة لم تهب، ولم تترك سيرها، فتصير بحال تصلح للملك، فإن قوّمت قوّمت بالدنانير رفعة لها، لا بالدراهم، فتجلل وتبرقع، ويصفى لها العلف، وتربط في مربط الملك؛ فإنما بلغت هذا المبلغ، وسقط عنها جهد العمل وكده، وحمل أثقال الحمولات، وتخلصت من دبر الظهر، ومشقة الاستعمال،
[ ٣٨ ]
فإنها تركت هواها، ورفعت بالها عن نفسها، فإن خاطرت لم تبال، وإن أتعبت نفسها لم تمل، وإن اقتضاها راكبها السير والركض والوثب، استفرغت مجهودها في إعطاء كل ما يبتغى منها، من غير جمح ولا حزن ولا تلكؤ ولا شمس ولا كسل، ولا تركت أدبها، وقد كانت قبل ذلك هملًا في الرعي، تفعل ما هويت، فهي قريبة القيمة من أشكالها من الدواب، وإنما اختصها الملك وأطاب علفها، وصانها عن رؤية الناس، وجللها وعزلها عن الجهد والكد، بترك مراعيها وهواها ونشاطها، وأنسها بأشكالها، واحتمالها التعب في جنب مالكها، وإعطاء المجهود بالصدق من نفسها، ويقظة قلبها، ونظرها بقلبها إلى راكبها، ولو كانت إذا راضها لم تنقد لمولاها، ولم تأخذ سيرها، ولم تؤدب بأدبه، فإن سيرها أبطأت في السير وإن مال بعنانها امتنعت وشمست، وإن مدّها جمحت فمدّت به، وفي الموضع الذي كان يريد السير منها امتنعت
[ ٣٩ ]
من إعطاء ما فيها من القوة، وفي الموضع الذي أراد منها الوقوف حرنت، فركبت هواها، فجاءت بالقوة التي امتنعت منها هناك في السير، فإن قهرها باللجام، فأمسكت عن الركض، لم تمسك من أجل مولاها، ولكنها أمسكت من كبح اللجام، والألم الذي خلص إلى كبوحيتها، فأشفقت على فيها وأسنانها ولسانها وحنكها، فتركت حينئذ هواها، فجعلت تدور ولا تستقر، لأنها لم تسخ نفسها الدنيئة بطاعة راكبها، ومع ذلك تبول وتروث في مكانها، وتبرك مكانها، فإن استقبلها جلبة نفرت، وتركت سيرها، فرجعت قهقرى، فربما كانت من خلفها بئر أو جرف تتردى فيها، وتنكسر وتقتل
نفسها، فهذه دابة خسيسة، فيها أخلاق السوء، لا تصلح للملك. وإنما تصلح للحمولة، فتراها الشهر والدهر موكفة تحت حمولة، فمرة مهزولة،
[ ٤٠ ]
ومرة دبرة جائعة، في عنف وسير وكد عمل، وهي دابة من الدواب؛ فكذلك يصير العبد إذا راض نفسه بترك الشهوات، وقطع الأسباب، وانقطع عن اللذات، ومجاهدة الهوى، وامتناعه عما يريد، حتى تذل وتنقمع، فحينئذ ينقاد القلب والعقل، وتستقيم في سيرها على حد ما أمر به، ولا تهاب أحدًا في أموره، ولا تخاف فيه لومه لائم، إذا نابتة النوائب خاطر بنفسه في ذات الله، وأذنه مصغية إلى مولاه، وقلبه شاخص إلى مشيئاته وإرادته، وإلى ما يبرز له من حجب الغيب، فيقبله بالطوع والهشاشة، والانطلاق إلى ما يستعمله به، وكيف ينقله من حال إلى حال، فإن رأى نصرته عدّ ذلك منه فضلًا ورحمة، وإن رأى خذلانه فزع إليه، والقى نفسه بين يديه، صارخًا إليه، مستغيثًا به، فهو ولي من أوليائه، رفع باله عن نفسه، فرمى بها إلى ربها، فقال: أنت ربي، وأنت خلقتني لما تشاء، ولا أشاء، ولا علم لي بشأني، وبما فعلت بي، ووجدتك أرأف وأرحم بي مني بنفسي، فرفعت
[ ٤١ ]
بالي عن نفس، وألقيت بيدي إليك مسلمًا، فاقبلني، فإنك قد بينت في تنزيلك: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، قد ألقيت الخلق وراء ظهري، فنظري إليك، وقطعت الأسباب، فتعلقي بك، والله ﵎ قائم عليه، يرعاه ويكلؤه، ويؤيده وينصره، ويقر عينه، والعبد مشغول بربه، ينظر إلى ملكه، وينصر حقوقه، ويحفظ حدوده، ويعظم أموره، ويذب عن دينه ما لا يحمل، ويدعو عباده، فهو وليه، ورب العزة وليه وهذا شأنه حتى يلقاه.
وبيان صفة هذا العبد موجود في الآثار. حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا أبو منذر القطعي، قال: حدثنا عبد الواحد بن حمزة، عن مولى عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، عن رسول الله صلى الله عليه
[ ٤٢ ]
وسلم، عن الله تبارك
وتعالى. وحدثنا إبراهيم بن المستمر البصري، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميمون مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: حدثني جبريل عن الله ﷿ - دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال: (ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء فرائضي، وإن عبدي ليتقرب بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلى عبدي بشيء من النوافل مثل النصح لي حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ويده التي بها يبطش، ورجله التي بها يمشي، ولسانه الذي به ينطق، وفؤاده الذي به يعقل). فما ظننا بعبد يعقل بالله، وينطق بالله، ويسمع بالله، ويبصر بالله، ويبطش بالله، ويمشي بالله، كيف يكون سعيه وآثاره منقلبة في الدنيا.
[ ٤٣ ]
قال له قائل: كيف يكون هذا؟ قال: هذا عبد قد يسره، وولي سياسته، وحفظه ورعايته، واستعمله، فكان في صنعه، قد أمات فيه الشهوات، ويسر عليه الصعاب، وبسط له النور، ومد له في الأسباب، وألهمه وفهمه، وصيره من أولي الألباب، فإن نطق نطق بحكمة، وإن أنصت أنصت بفكرة، وإن نظر نظر بعبرة، وإن مشى مشى بهيبة، وإن بطش بطش بغلبة، قد منع قلبه من التفكير، وسلب في الأمور التدبير. وهذا كله موجود تحققه في الكتاب والخبر.
فأما في الكتاب فشأن الخضر ﵇، حرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، فلو عمل في الظاهر ما قدر على ذلك؛ ثم قال في آخر أمره: (وما فعلته عن أمري). فهذا من الله في الباطن، الذي يؤتيه من يشاء، وقد قال في ذكره له: (فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمنا من لدنا علمًا). فقد
[ ٤٤ ]
بين أن هذا له من طريق العلم الذي علمه ربه. وما ذكر من شأن ذي القرنين، فقال: (إنا مكنا في الأرض، وآتيناه من كل شيء سببًا فأتبع سببًا). فأوتي العلم الذي لم يؤت غيره.
فإن قال قائل: فهل يجوز لأحد أن يفعل على ما يتراءى له في قلبه، أو يقتدى بالخضر ﵇ فيما يبدو؟ قيل: لا، قد ختم الله تعالى بالرسول محمد ﷺ الرسالة، ولم يبق في الأرض بعده إلا الملهمون والمحدثون. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: قد كان في بني إسرائيل محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم فعمر بن الخطاب ﵁. وكان ابن عباس ﵁ يقرأ هذه الآية (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث). والنبي دون الرسول بدرجة، والمحدثون دون النبي بدرجة، وللرسول درجة الرسالة،
[ ٤٥ ]
وللنبي درجة النبوة، وللمحدث درجة الحديث. وقد أحكم الله بهذا الإسلام الذي ارتضاه لنا دينا على لسان الكتاب والسنة، ما ليس لأحد فيه استبداد، ولا تجاوز ولا تقصير، إنما هو حفظ الحدود، واتباع الأمر الجملة؛ ثم الصديقون والملهمون والمحدثون أمور خارجة من الحدود والأحكام، وهو تدبير الله ﷿ وكلاءته، على ما ذكرناه بدءًا.
ولم نجئ بشأن ذكر الخضر ههنا لنطلق لمن بعده مثله، إنما أردنا أن نحقق أن لله عبادًا يضع عندهم من مكنون العلم ما شاء، وأن لهم عنده من المنازل ما يتحقق عند من يفهم هذا، أن ذلك الذي قلنا كيف يكون، حتى به يسمع، وبه يبصر، وبه ينطق، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يعقل.
فأما ما ذكر في الأخبار، حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع بن روح الحمصي، قال: حدثنا ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة الخضرمي، عن شريح بن عبيد الخضرمي، عن عبد الله بن زيد، قال: قال لقمان ﵇: ألا إن يد لله تعالى على أفواه الحكماء، فلا ينطق
[ ٤٦ ]
أحد إلا بما هيأه الله له. وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال حدثنا عمر بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، قال: جاء رجل إلى عمر ﵁، قال: إن عليا شجني. فقال لعلي: لم شججت هذا؟ قال:
إني مررت به وهو مقاوم امرأة، فساءني مقامها، فصغيت لها، فسمعت ما كرهت، فشججته. فقال عمر ﵁: أن لله في الأرض عيونًا، وإن عليًا من عيون الله. حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعه من قيس بن أبي حازم، قال: عرض أبو بكر الصديق ﵁ فرسا له، فقال غلام من الأنصار: احملني عليها يا خليفة رسول الله، قال: لأن أحمل عليها غلامًا قد ركب الخيل بعدلته، أحب إلى من أن أحملك عليها. فقال: لم؟ فولله أنا خير منك فارسًا، ومن أبيك. قال المغيرة: فما ملكت نفسي أن أخذت برأسه فركبته، فأقبلا منخراه كأنهما عزلاء مزادة.
[ ٤٧ ]
قال: فبلغ أبا بكر ﵁، أن ناسًا من الأنصار يتوعدون المغيرة، فقال أبو بكر ﵁: بلغني أن ناسًا من الأنصار يتوعدون المغيرة، والله لا يخرجوا من ديارهم أسرع من أن أقيدهم بروعة الله.
حدثنا الجارود، عن يزيد بن هرون، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: أرسل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد ﵄ إلى بني سليم، فجعلهم في الحضائر، فحرقهم بالنار. قال عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: تستعمل رجلًا يعذب بعذاب الله؟ فقال أبو بكر ﵁: دعنا عنك يا عمر، والله لا أشيم سيفًا سله الله على المشركين، حتى يكون هو الذي يشيمه. وقول رسول الله صلى الله عيه وسلم لسعد بن معاذ ﵁: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة. والرفيع: السماء، والأرفعة: جماعة. فأخبر رسول الله ﷺ أنه أصاب فيهم حكم الله عنده. وكان
[ ٤٨ ]
حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتكون الغنيمة للمهاجرين دون الأنصار، وذلك في شأن قريظة.
حدثنا عبد الكريم بن عبد الله، عن علي بن الحسن، عن عبد الله، قال: أخبرني أبو
بكر بن أبي مريم، حدثني راشد بن أبي راشد، قال كنت مع خالد بن أبي معدان يومًا في بعض أسواق المدينة بحمص، فإذا نحن بنصراني أظهر الشرك بالله تعالى، فقال لي خالد: احسر عن ذراعيك، ثم قال لي: دق أنفه، قال راشد: فوجأت أنفه أن دققته، فانطلق النصراني فاستعدى علينا، فقال الوالي لخالد: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أرغم الله أنفه وأنف من ثقل عليه تأديبنا له، إنه ليس لهم أن يظهروا شركا ولا صليبًا، فيصنع هذا بهم حتى يكفوا عن إظهار الشرك بالله ﷿.
حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار عن حفص بن سليمان، عن مالك بن دينار ﵀، قال: رأى عامر بن عبد قيس ذميًا يظلم، فألقى رداءه فقال: والله أتخفر ذمة وأنا حي؟ فاستنقذه.
[ ٤٩ ]
فإذا فطمت نفسك عن حرارة الهوى، ووقعت حرارة الفطام على قلبك، فذابت تلك الأخلاط عن قلبك، وطهر قلبك، وخرج صافيًا كما خرج الذهب الذي أحمى، فتهافت عنه تلك الأوساخ والأدناس، لأن للهوى على القلب أوساخًا وأدناسا، كما كان للمعاصي على قلب نكت سود، على ما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ، قال: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد نكت أخرى، فإذا تاب ونزع صقل قلبه، ثم تلا: (كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). فإذا ذهبت المعصية بالتوبة ذهب سواده، وبقى دخانه، وذهب الشيطان، وبقى ظله، كما ذهب الليل وبقى سدفه وآثاره عند وجه الصبح؛ فإذا تاب عن المعصية
[ ٥٠ ]
وهو ممن يستعمل الهوى، فالهوى باق بعد، فهذا قلب قد تاب ولم ينزع، فلم يصقل قلبه بعد؛ وذلك أن المرآة المصقولة إذا نظرت فيها أرتك عن اليمين وعن الشمال، وخلفك وأمامك، فإذا قلبت بها إلى عين الشمس هكذا، فلاقى نور المرآة نور الشمس، وجدت الشمس تشرق في مكانك وفي بيتك؛ فكذلك إذا صقلت
مرآتك، وهي قلبك، نظرت عنها إلى الجنة والنار، وإلى بهاء الحسنات، وإلى جمالها مرتبتها، وإلى قبح السيئات، والى الدنيا والآخرة، وإذا نظرت فيها إلى تدبير خالقك، تراءى لك عجائب، وذلك النور الذي تجده عندك، إذا أقبلت بمرآتك إلى عين الشمس، ليس هو الشمس، إنما هو نور حدث من بينهما، فإذا صفا قلبك من الهوى، حينئذ تجد اليقين، لأن اليقين هو نور يحدث على قلبك من نور معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السموات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين؛ وإذا كان بالمرآة صدأ فقلب بها إلى عين
[ ٥١ ]
الشمس، لم يشرق في البيت منه شمس، لأنه قد حال بين نور المرآة ونور الشمس ذلك الصدأ، فكذلك القلب إذا أقبلت على الله تعالى وعليه الهوى، لم يشرق بالنور الأعظم، لأن الهوى قد حال بين نور المعرفة وبين النور الأعظم، وهو اليقين، فإذا ذهب الهوى، فنظرت له، تلاقى النوران، فأشرق في صدرك، فأبصرته عين قلبك، فصار يقينا. واليقين في لغة العرب هو الشيء المستقر الثابت، تقول العرب: قد يقن الماء في الحفيرة.