وهذه الوصايا المذكورة في كلام الأئمة الأربعة تدل على فضلهم ونبلهم واتباعهم للسّنّة ودعوة
[ ٤١ ]
غيرهم إلى اتباعها وألاّ يصار إلى أقوالهم وأقوال غيرهم إذا وُجد سنّة عن رسول الله ﷺ بخلافها، ومن وُجد له من الأئمة الأربعة وغيرهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فإن لهم في ذلك أعذارًا أوضحها العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ألّف في ذلك رسالة خاصّة وهي (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، قال فيها: «وليُعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنّته، دقيق ولا جليل؛ فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلاّ رسول الله ﷺ، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلابد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله، والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة
[ ٤٢ ]
بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرّع إلى أسباب متعددة"
فذكرها وهي عشرة أسباب، وهذه الرسالة تقع ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/٢٣١-٢٩٠) .
وهي رسالة مختصرة قليلة المبنى واسعة المعنى أثنى عليها الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المتوفى سنة (١٣٣٢هـ)، في كتابه (الجرح والتعديل ص:٢٦)، فقال: «ومن أنفع ما ألف في هذا الباب كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، فإنه جدير لو كان في الصين أن يرحل إليه، وأن يُعض بالنواجذ عليه، فرحم الله من أقام المعاذير للأئمة، وعلم أن سعيهم إنما هو إلى الحق والهدى» .
[ ٤٣ ]