أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حى ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فى النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته فى نفسه، فالقلب الصحيح الحى إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر".
[ ١ / ٢٠ ]
وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.
وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هى عليه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر ﷾ هذين الأصلين فى مواضع من كتابه. فقال تعالى:
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِى به مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِى إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
فجمع بين الروح الذى يحصل به الحياة، والنور الذى يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذى أنزله على رسوله ﵌ متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضىء وتشرق به، كما قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ ميْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فى النَّاسِ كَمَنْ مَثَلهُ فِى الظُّلمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
أى أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورًا فى ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيرًا بعد ظلمته؟ فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحيده وشرائع دينه، وترك الأخذ بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذى لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل فى خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضىء به، فيمشى بنوره بين الناس، وهم فى سدف الظلام، كما قيل:
لَيْلى بِوَجْهِكَ مُشْرِقٌ وَظَلامُهُ فى النَّاسِ سَارِى
النَّاسُ فى سُدُفِ الظّلا م وَنَحْنُ فِى ضَوْءِ النّهَارِ
ولهذا يضرب الله ﷾ المثلين المائى والنارى لوحيه ولعباده.
أما الأول فكما قال فى سورة الرعد ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثُلهُ كَذلِكَ يَضرِبُ اللهُ الحقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزّبَدُ فيذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] .
[ ١ / ٢١ ]
فضرب لوحيه المثل بالماء، لما يحصل به من الحياة، وبالنار لما يحصل بها من الإضاءة والإشراق، وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها، فواد كبير يسع ماء كثيرًا، وواد صغير يسع ماء قليلا. كذلك القلوب مشبهة بالأودية، فقلب كبير يسع علما كثيرًا، وقلب صغير إنما يسع بقدره. وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات، بسبب مخالطة الوحى لها، وإمارته لما فيها من ذلك، بما يحتمله السيل من الزبد. وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها، بذهاب ذلك الزبد، وإلقاء الوادى له، وإنما يستقر فيه الماء الذى به النفع. وكذلك فى المثل الذى بعده: يذهب الخبث الذى فى ذلك الجوهر، ويستقر صفوه.
وأما ضرب هذين المثلين للعباد، فكما قال فى سورة البقرة:
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِروُنَ صُم بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧-١٨] .فهذا المثل النارى ثم قال ﴿أَوْ كَصيبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] .
فهذا المثل المائى.
وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم فى كتاب المعالم وغيره.
والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين. قال تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرٌآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيا﴾ [يس: ٦٩-٧٠] .
فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حى القلب، كما قال فى موضع آخر:
﴿إِنّ فِى ذلِكَ لَذِكرَى لمنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] .
وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لما يُحيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
فأخبر ﷾ أن حياتنا إنما هى بما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان. فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك.
وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت فى أبدانهم. فقال الله تعالى:
﴿إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] .
ولقد أحسن القائل:
[ ١ / ٢٢ ]
وَفِى الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ لأَهْلِه وَأَجْسَامُهُمْْ، قَبْلَ القُبُورِ، قُبُورُ
وَأَرْوَاحُهُمْ فى وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهم وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
ولهذا جعل سبحانه وحيه الذى يلقيه إلى الأنبياء روحا، كما قال تعالى:
﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] . فى موضعين من كتابه، وقال ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ لأن حياة الأرواح والقلوب به، وهذه الحياة الطيبة هى التى خص بها سبحانه من قَبِلَ وحيه، وعمل به فقال:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
فخصهم ﷾ بالحياة الطيبة فى الدارين، ومثله قوله تعالى:
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِروُا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبوا إِلَيْهِ يُمَتعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] . ومثله قوله تعالى ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا فى هذِهِ الدُّنْيَا حسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتّقِينَ﴾ [النحل:٣٠] ومثله قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] .
فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه فى الدنيا وفى الآخرة، كما أخبر أنه يشقى المسىء بإساءته فى الدنيا والآخرة. قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَومَ الْقيَامَة أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] .
وقال تعالى، وقد جمع بين النوعين:
﴿فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقًا حَرَجًا كَأَنمَا يَصَّعَّد فى السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج.
وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
فأهل الإيمان فى النور وانشراح الصدور، وأهل الضلال فى الظلمة وضيق الصدور.
وسيأتى فى باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء الله تعالى.
والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه.
[ ١ / ٢٣ ]