وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]؛ أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه (^١)، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كَلٌّ عليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]؛ أي غيرَ تَخسير، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]؛ فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخِذلان والذم.
والمقصود أن هذين الوجهين في المخلوق ضدُّهما في الخالق، فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.
الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم؛ فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة؛ بل رحمةً منه وإحسانًا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثّر بهم من قِلّة، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلّة، ولا ليرزقوه، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
_________________
(١) ظ: «أصحابهم».
[ ١ / ٦٤ ]
[الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١].
وهو سبحانه لا يُوالي من يواليه من الذل، كما يُوالي المخلوقُ المخلوقَ، وإنما يُوالي أولياءه إحسانًا ورحمة ومحبة لهم، وأما العباد فإنهم كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يُحْسِن بعضُهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقًا إلى حصول (^١) نفع ذلك الإحسان إليه؛ فإنه إما أن يُحسِن إليه لتوقع جزائه في العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، ومُعاوِضٌ بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو أيضًا إنما يُحسِن إليه ليحصل له منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو أيضًا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخَّر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير مَلُوم في هذا القصد؛ فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه.
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا (^٢) مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله -ﷺ-: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن
_________________
(١) في بعض النسخ: «وصول».
(٢) في جميع النسخ: «وما تفعلوا».
[ ١ / ٦٥ ]