أولًا: اليقين بأن الله مطلع عليه عالم بسره ونجواه:
إذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله عالم بسره ونجواه، وأنه يناجي ربه في الصلاة، خاف من ربه وخشي أن يطلع على قلبه، فيراه منشغلًا عنه في أثناء صلاته بغيره، وهذا يجعله يستحي من ربه ويخشى من مقته إذا انصرف إلى غيره في صلاته، وكل ذلك لا شك مما يزيد خشوعه وحضور قلبه في صلاته وتفريغه لله، فهو يعلم يقينًا أن الله مطلع عليه عالم بالسر والنجوى، لا تخفى عليه خافية، ويشعر أنه في أعظم المواقف بين يدي ربه يناجيه في صلاته، وكما في الحديث الذي سبق، يقول -ﷺ-: "إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ".
وهذه بعض الأدلة على إثبات سمعه وعلمه المحيط بكل شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]. وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨
_________________
(١) والمكابدة من كابد الأمر إذا قاساه بمشقة. ينظر: الصحاح (٢/ ٥٣٠)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣)، لسان العرب (٣/ ٣٧٦) مادة (كبد). أي: بمعنى: جاهد نفسه على بذل أسباب الخشوع فيها.
(٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٢/ ٣٢١)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٤).
[ ٥٦ ]
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ البقرة: ٧٧
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٣٥
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ المائدة: ٩٧
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ المائدة: ٩٩
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].
وفي آيات كثيرة يقول -﷾- عن نفسه: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ الأنعام: ٣
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ النحل: ١٩
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ طه: ٧
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنبياء: ٤
[ ٥٧ ]
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ الحج: ٧٠
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الأنعام: ٥٩
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ المجادلة: ٧
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الحديد: ٤
وإذا علم العبد يقينًا أن الله مطلع على قلبه يعلم مافيه، زاد خشوعه وحضور قلبه في صلاته، قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران: ١١٩
وقال -﷾-: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الملك: ١٣ - ١٤
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ القصص: ٦٩
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ الأنبياء: ١١٠
[ ٥٨ ]
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥١
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آل عمران: ٥.
ثانيًا: اليقين بأن الله يسمعه ويراه:
وإذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله يسمعه ويراه، زاد خشوعه وحضر قلبه في صلاته، لأنه يخشى الله ويستحي منه أن يرى قلبه قد انصرف عنه في صلاته، والتفت إلى غيره، ويستحي من ربه وهو يقرأ الفاتحة، ويردد أذكار الصلاة، ويقوم بأفعالها وقلبه بعيد عنه متعلق بالدنيا، وربه مطلع على مافي قلبه يسمع ما يقول، ويرى فعله في صلاته، وينظر إلى قلبه، إن هذه المعاني العظيمة إذا تذكرها العبد في صلاته، وحصل اليقين بها في قلبه، حينها يفرغ قلبه لله، ويحضر قلبه وعقله الذي يدرك به معاني ما يقوله وما يفعله في صلاته، وقد ذكر تعالى عن نفسه في إثبات أنه السميع البصير في أكثر من آية؛ لتثبت آثار الإيمان بسمع الله وبصره المحيط بكل شيء في القلب، فيشعر العبد بمراقبة الله له، فيخشى ويتقي ويستحي من ربه حق الحياء، ويقدره حق التقدير، ويظهر أثر ذلك عليه في كل أحواله وبالأخص في أعظم موقف يقفه في الدنيا بين يدي الله في صلاته: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].
وفي آيات كثيرة يختم كلامه بقوله -﷾-: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
وكما سبق في الحديث قال -ﷺ-: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ».
[ ٥٩ ]
وقَالَ أَبُو ذَرّ ٍرضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ ﷿ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (^١).
وفي فتح الباري لابن رجب: "وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي ربه، أن ربه أمامه، وإنه يناجيه.
قال عطاء: وبلغنا أن الرب ﷿ يقول: «يا بن آدم إلى من تلتفت، أنا خير لك ممن تلتفت إليه» " (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٥/ ٤٠٠) ح (٢١٥٠٨) بلفظ مقارب، وأبو داود (١/ ٢٣٩) ح (٩٠٩) وهذا لفظه، وصححه الحاكم (١/ ٣٦١) ح (٨٦٢) ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد ط الرسالة (٣٥/ ٤٠٠) ح (٢١٥٠٨) وسنن أبي داود (٢/ ١٧٧) ح (٩٠٩): "صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين".
(٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠)، وقول عطاء روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- لكنه لا يصح رفعه، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢/ ٨٠).
[ ٦٠ ]
المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب
المطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها.
المطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره.
المطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة.
المطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة.
المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع.
المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود.
المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته.
المطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته.
المطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام.
[ ٦١ ]