نجده أنتجت لَهُ عزة نَفسه فتنزه وَكَانَت فِيهِ طبيعة سخاوة نفس فَلم يهتم لما فَاتَهُ وَكَانَت فِيهِ طبيعة عدل حببت إِلَيْهِ القناعة وَقلة الطمع فَإِذن نزاهة النَّفس متركبة من هَذِه الصِّفَات فالطمع الَّذِي هُوَ ضدها متركب من الصِّفَات المضادة لهَذِهِ الصِّفَات الْأَرْبَع وَهِي الْجُبْن وَالشح والجور وَالْجهل وَالرَّغْبَة طمع مُسْتَوْفِي متزايد مُسْتَعْمل وَلَوْلَا الطمع مَا ذل أحد لأحد وَأَخْبرنِي أَبُو بكر بن أبي الْفَيَّاض قَالَ كتب عُثْمَان بن محامس على بَاب دَاره بأستجة (يَا عُثْمَان لَا تطمع)
أَقْوَال فِي الْمحبَّة من امتحن بِقرب من يكره كمن امتحن ببعد من يحب وَلَا فرق إِذا دَعَا الْمُحب فِي السلو فإجابته مَضْمُونَة ودعوته مجابة إقنع بِمن عنْدك يقنع بك من عنْدك السعيد فِي الْمحبَّة هُوَ من ابْتُلِيَ بِمن يقدر أَن يلقِي عَلَيْهِ قفله وَلَا تلْحقهُ فِي مواصلته تبعة من الله ﷿ وَلَا ملامة من النَّاس وَصَلَاح ذَاك أَن يتوافقا فِي الْمحبَّة وتحريره أَن يَكُونَا خاليين من الْملَل فَإِنَّهُ خلق سوء مبغض وَتَمَامه نوم الْأَيَّام عَنْهُمَا مُدَّة انْتِفَاع بعضهما بِبَعْض وأنى بذلك إِلَّا فِي الْجنَّة وَأما ضَمَانه بِيَقِين فَلَيْسَ إِلَّا فِيهَا فَهِيَ دَار الْقَرار وَإِلَّا فَلَو حصل ذَلِك كُله فِي الدُّنْيَا لم تؤمن الفجائع ولقطع الْعُمر دون اسْتِيفَاء اللَّذَّة
[ ٥٤ ]
إِذا ارْتَفَعت الْغيرَة فأيقن بارتفاع الْمحبَّة الْغيرَة خلق فَاضل متركب من النجدة وَالْعدْل لِأَن من عدل كره أَن يتَعَدَّى إِلَى حُرْمَة غَيره وَأَن يتَعَدَّى غَيره إِلَى حرمته وَمن كَانَت النجدة طبعا لَهُ حدثت فِيهِ عزة وَمن الْعِزَّة تحدث الأنفة من الاهتضام أَخْبرنِي بعض من صحبناه فِي الدَّهْر عَن نَفسه أَنه مَا عرف الْغيرَة قطّ حَتَّى ابْتُلِيَ بالمحبة فغار وَكَانَ هَذَا الْمخبر فَاسد الطَّبْع خَبِيث التَّرْكِيب إِلَّا أَنه كَانَ من أهل الْفَهم والجود درج الْمحبَّة خَمْسَة أَولهَا الِاسْتِحْسَان وَهُوَ أَن يتَمَثَّل النَّاظر صُورَة المنظور إِلَيْهِ حَسَنَة أَو يستحسن أخلاقه وَهَذَا يدْخل فِي بَاب التصادق ثمَّ الْإِعْجَاب بِهِ وَهُوَ رَغْبَة النَّاظر فِي المنظور إِلَيْهِ وَفِي قربه ثمَّ الألفة وَهِي الوحشة إِلَيْهِ إِذا غَابَ ثمَّ الكلف وَهُوَ غَلَبَة شغل البال بِهِ وَهَذَا النَّوْع يُسمى بَاب الْغَزل بالعشق ثمَّ الشغف وَهُوَ امْتنَاع النّوم وَالْأكل وَالشرب إِلَّا الْيَسِير من ذَلِك وَرُبمَا أدّى ذَلِك إِلَى الْمَرَض أَو إِلَى التوسوس أَو إِلَى الْمَوْت وَلَيْسَ وَرَاء هَذَا منزلَة فِي تناهي الْمحبَّة أصلا كُنَّا نظن أَن الْعِشْق فِي ذَوَات الْحَرَكَة والحدة من النِّسَاء أَكثر فَوَجَدنَا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَهُوَ فِي الساكنة الحركات أَكثر مَا لم يكن ذَلِك السّكُون بلها
[ ٥٥ ]