المبحث الثّاني:
الأسباب الجالبة للبركة في الرّزق
وهو في عشرة مطالب:
المطلب الأوّل
تقوى الله - ﷿ - والتّقرّب إليه بالطّاعات
لقد أمر الله سبحانه عباده أن يتقوه حق التقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ثم بيَّن سبحانه في آية أخرى أن التقوى تكون بحسب الاستطاعة ومقدور الإنسان فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ٢.
كما تكفَّل - ﷾ - لمن يتقي الله فيما أمره واجتناب ما نهاه عنه بأن ينجيه من كل كرب مما ضاق على الناس، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله، ويقنعه بما رزقه، ويبارك له في رزقه، وتمثَّل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٣.
وعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ كان يقول: "لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك". علقه كل من ابن جرير٤، وابن أبي حاتم٥
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية رقم (١٠٢) . ٢ سورة التغابن: من الآية رقم (١٦) . ٣ سورة الطلاق: من الآيتين رقم (٢-٣) . ٤ جامع البيان عن تأويل القرآن (٩/٨٥) . ٥ تفسير القرآن العظيم (٧/٢٣٣٠) .
[ ٢٦١ ]
عن ابن عباس - ﵄ - وعزاه السيوطي١ إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أقف على من وصله، لكن جاء عند أحمد في غير موضع وبأسانيد عن أبي قتادة وأبي الدهماء - ﵄ - قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله ﵎ وقال: "إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك الله خيرًا منه"٢، وقال الهيثمي: "رواه أحمد بأسانيد ورجاله رجال الصحيح"٣.
قلت: والواقع العملي خير شاهد لمثل هذا، ومن هذا ما جاء في قصة يوسف - ﵇ - مع امرأة العزيز وامتناعه عن الوقوع في الحرام مع تهيئة جميع أسباب السلامة له، مخافة لله تعالى، وفي قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانطبق عليهم، وأخذ كل واحد منهم يدعو الله بصالح عمله، وكان واحد منهم يحب ابنة عم له حبًا شديدًا ويراودها عن نفسها مرارًا فتمتنع، ثم ألجأتها الحاجة إلى إجابته فلما أمكنته من نفسها وقعد بين رجليها، قالت له: اتق الله فانصرف عنها وهي أحب الناس إليه مخافة لله، ولا يخفى ما آل إليه أمر يوسف - ﵇ - في الدنيا والآخرة من النعيم والكرامة والتمكين كما لا يخفى ما حصل لهذا المنصرف عن الفاحشة مع قدرته عليها مخافة لله تعالى من الفرج في الدنيا وانكشاف الشدة عنه وعن أصحابه الذين كانت لهم أعمال صالحة أيضًا٤، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/١٨٢) . ٢ المسند (٥/٧٨، ٧٩، ٣٦٣)، هذا اللفظ في الموضع الأول، ولفظه في بقية المواضع قريب منه. ٣ مجمع الزوائد (١٠/٢٩٦) . ٤ انظر قصة هؤلاء الثلاثة في صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئًا لغيره (٤/٤٠٨)، وباب من استأجر أجيرًا (٤/٤٤٩)، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (٦/٥٠٥-٥٠٦) .
[ ٢٦٢ ]
كما جاء عند مسلم من حديث أنس بن مالك - ﵁ - يرفعه: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدَّخر حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته"١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣، وقال أيضًا: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ٤.
في هذه الآيات الكريمات الإشارة بأن التقوى لله - ﷿ - واتباع كل ما جاء على ألسنة الأنبياء والمرسلين من عمل بالأوامر واجتناب للنواهي، ومنها الأمر لأهل الكتاب باتباع ما جاء به النبي ﷺ لأن كتبهم قاضية بذلك، آمرة به، كل ذلك سبب في نزول بركات السماء من الأمطار الغزيرة وإخراج بركات الأرض، وسعة الرزق والأكل المتواصل منه مع وجود البركات فيه٥.
قال القرطبي: "ونظير هذا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الصحيح، كتاب المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة (٤/٢١٦٢) . ٢ سورة المائدة: الآية رقم (٦٦) . ٣ سورة الأعراف: من الآية رقم (٩٦) . ٤ سورة الجن: الآية رقم (١٦) . ٥ جامع البيان عن تفسير القرآن (١٠/٤٦٢-٤٦٣)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/١٠٥) . ٦ الجامع لأحكام القرآن (٦/٢٢٩) .
[ ٢٦٣ ]
ولما كانت الفرائض التي فرضها الله - تعالى - على عباده هي أحب الأعمال إليه تعالى، فلذلك كان أداؤها أحب شئ إليه تعالى وأشد تقربًا منه، كما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري١ وحديث عائشة - ﵂ - عند أحمد٢ من أن النبي ﷺ قال: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشئ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه" الحديث. اللفظ للبخاري، ولفظ أحمد بنحوه، وقال الهيثمي بعد عزو الحديث لأحمد: فيه عبد الواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الروايتين، وبقية رجاله رجال الصحيح٣.
ومن أبرز الفرائض والعبادات التي تقرب العبد بعد إيمانه وتقواه إلى مولاه، ويستجلب بها خيري الدنيا والآخرة، البركة في الرزق والسعادة والحبور في الحياة وبعد الممات، على سبيل المثال: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة، والصدقات، وصلة الأرحام) .
١ - الصلاة:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤. وقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
_________________
(١) ١ الجامع الصحيح، كتاب الرقاق، باب التواضع (١١/٣٤٠-٣٤١) . ٢ المسند (٦/٢٥٦) . ٣ مجمع الزوائد (٢/٢٤٧) . ٤ سورة البقرة: الآية رقم (١٥٣) .
[ ٢٦٤ ]
وَالْمُنْكَرِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢. وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ٣.
قال الحافظ ابن كثير: " قوله: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٥ " أ؟.
وكان ﷺ إذا حزبه٦ أمر صلَّى كما جاء عند أبي داود٧، وأحمد٨، ومن طريق أحمد رواه أبو نعيم٩ من حديث حذيفة - ﵁ - سكت عليه أبو داود. وقال المنذري١٠: وذكر بعضهم أنه مرسل. وقد ذكر المزي١١
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: من الآية رقم (٤٥) . ٢ سورة الذاريات: من الآيات رقم (٥٦-٥٨) . ٣ سورة طه: الآية رقم (١٣٢) . ٤ سورة الطلاق: من الآيتين رقم (٢-٣) . ٥ سورة الذاريات: آية رقم ٥٦، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/٢٣٠) . ٦ حزبه أمر: أي نزل به مهم أو أصابه غم. النهاية في غريب الحديث (١/٣٧٧) . ٧ السنن، كتاب الصلاة، باب أي الليل أفضل (٢/٣٥) . ٨ المسند (٥/٣٨٨) . ٩ معرفة الصحابة (٤/١٨٨١) . ١٠ مختصر سنن أبي داود (٢/٩٤) . ١١ تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (٣/٥٠) .
[ ٢٦٥ ]
الروايات المسندة والروايات المرسلة ولم يرجح، لكن أفاد ابن حجر١ أن بعضهم ذكر عبد العزيز ابن أخي حذيفة في الصحابة على أنه أخو حذيفة بن اليمان فروى حديثه عن النبي ﷺ وصوب أبو نعيم وتبعه ابن حجر بأنه ابن أخي حذيفة كما جاء عند أحمد وأبي داود. وقد اكتفى ابن القيم بعزو الحديث إلى المسند فقط ساكتًا عليه٢.
قلت: والحديث قابل للتحسين، وقد حسنه الألباني٣.
وقد جاء عند الترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦ في الحديث القدسي المرفوع: "إن الله سبحانه يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك" وحسنه الترمذي، واللفظ له، وقريب منه لفظ أحمد وابن ماجه فجاء فيهما لفظ "ملأت صدرك" بدلًا من "يديك"، وقال الألباني: صحيح٧.
وعند الترمذي٨ أيضًا من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من
_________________
(١) ١ الإصابة (٣/١٥٧) . ٢ زاد المعاد (٤/١٩٩) . ٣ صحيح سنن أبي داود (١/٢٤٥) . ٤ الجامع، كتاب صفة القيامة، باب منه (٧/١٦٦) . ٥ السنن، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا (٢/١٣٧٦) . ٦ المسند (٢/٣٥٨) . ٧ صحيح سنن ابن ماجه (٢/٣٩٣) . ٨ الجامع، كتاب صفة القيامة، باب منه، (٧/١٦٥) .
[ ٢٦٦ ]
الدنيا إلاَّ ما قدر له"، وقال الألباني صحيح١.
وعند ابن ماجة٢ من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - مرفوعًا بنحو حديث أنس السابق. وقال البوصيري٣: إسناده صحيح رجاله ثقات، وقال الألباني - أيضًا -: صحيح٤.
وأحسن ابن قيم الجوزية إذ قال: "الصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنوِّرة للقلب، ومبيِّضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة"٥ أ؟.
وقال المناوي: "الصلاة معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، وذلك شأن كل كبير في حق من أقبل بكليته عليه"٦.
٢ - الحج والعمرة:
وقد ثبت عنه ﷺ أن المتابعة بين الحج والعمرة يسبب الغنى، ويطرد
_________________
(١) ١ صحيح سنن الترمذي (٢/٣٠٠) . ٢ السنن، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا (٢/١٣٧٥) . ٣ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة (٣/٢٧١) . ٤ صحيح سنن ابن ماجه (٢/٣٩٣) . ٥ زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/٢٠٩) . ٦ فيض القدير (٥/١٢٠) .
[ ٢٦٧ ]
الفقر، فقد جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - وغيره عند كل من الترمذي١، والنسائي٢ وابن ماجه٣ (لكن عند هذا الأخير من حديث عمر - ﵁ -)، وأحمد٤، أنه قال ﷺ: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود، وفي الباب عن عمر وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وعبد الله بن حبشي وأم سلمة، قلت: وهذا اللفظ للترمذي وأحمد في الموضع الأول، وعند النسائي قريبًا من هذا اللفظ، وعند ابن ماجه نحوه.
قال المباركفوري قوله: "ينفيان الفقر" يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب٥.
٣ - الزكاة وما يتبعها من صدقات وصلة أرحام:
أما الزكاة فقد جعلها - ﷾ - طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء الموسرين فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاة ماله، فيحفظه الله عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات والمهلكات، ويجعلها سورًا عليه وحصنًا منيعًا وحارسًا أمينًا له.
ولهذا قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ
_________________
(١) ١ الجامع، كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج (٣/٥٣٨) . ٢ السنن، كتاب الحج، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة (٥/١١٥) . ٣ السنن، كتاب المناسك، باب فضل الحج والعمرة (٢/٩٦٤) . ٤ المسند (١/٣٨٧)، (٣/٤٤٦)، (٣/٤٤٧) . ٥ تحفة الأحوذي (٣/٥٣٩) .
[ ٢٦٨ ]
صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وفي حديث ابن عباس - ﵄ - المرفوع عند كل من أبي داود٢، والحاكم٣، والبيهقي٤: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ٥، قال: كبر ذلك على المسلمين، وفيه أن الرسول ﷺ قال: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم". هذا لفظ أبي داود، وهو عند الحاكم، والبيهقي بنحوه، وقال الحاكم عقبه: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قلت: والحديث عند أبي داود بسند متصل، رجاله ثقات لا مطعن في واحد منهم، ما خلا جعفر بن إياس (أبو بِشْر) فإنه وإن وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والعجلي، والنسائي، والبرديجي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد احتج به الجماعة، إلا أن شعبة قال حديثه عن مجاهد من صحيفة - يعني أنه لم يسمع منه - وحديثه هنا هو من روايته عن مجاهد عن ابن عباس٦، فالله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٧.
قال القرطبي: "في معناه قولان: أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات،
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية رقم (١٠٣) . ٢ السنن، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال (٢/١٢٦) . ٣ المستدرك (١/٤٠٩) . ٤ السنن الكبرى (٤/٨٣) . ٥ سورة التوبة: الآية رقم (٣٤) . ٦ تهذيب التهذيب (٢/٨٣-٨٤)، هدي الساري (ص ٣٩٥) . ٧ سورة الروم: الآية رقم (٣٩) .
[ ٢٦٩ ]
والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم أي هم أصحاب أضعاف"١.
وأما صدقات التطوع والإنفاق وصلة الأرحام: - وقد يدخل (أحيانًا) في مفهومها الصدقة الواجبة - فقد اهتم الإسلام بها اهتمامًا كبيرًا، وقد كان سيد البشر ﷺ أعظم الناس صدقة بما يملك، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره بما يعطيه أعظم من سرور من يأخذ منه بما أخذ، وكان يؤثر على نفسه، هذا كله مع تنويع أساليب العطاء بحسب الحالات، وظروف من يعطيهم، وهكذا علَّم أصحابه وبهذا أمرهم وكان يدعو للمتصدق منهم، فتحصل لهم البركة بما أنفقوا وبما أصابهم من بركات دعائه ﷺ.
والآيات والأحاديث التي تبين أن الصدقة والإنفاق سبب في جلب الرزق وحصول البركة ودوام النعمة كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٢. قوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي ينميها في الدنيا بالبركة، ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة٣.
وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. أي أن الشيطان يعد الإنسان ويمنيه بالفقر وفقد الأموال، وذلك بتأدية الزكاة ويأمره بالمعاصي وترك الطاعات.
بينما الله﷿- يعد المؤمنين بغفران ذنوبهم وسترها بتأدية الصدقة، كما يعدهم أن يخلف عليهم فيتفضل عليهم من عطاياه ويسبغ عليهم في أرزاقهم٥.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٤١) . ٢ سورة البقرة: الآية رقم (٢٧٦) . ٣ الجامع لأحكام القرآن (٣/٣٦٢) . ٤ سورة البقرة: الآية رقم (٢٦٨) . ٥ جامع البيان عن تأويل القرآن (٥/٥٧١) بتصرف.
[ ٢٧٠ ]
وقال ابن عطية في معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ المغفرة، هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل، هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والنعيم في الآخرة١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ٢. قال القرطبي: "هذه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى"٣.
وقال ابن كثير: "يخلفه عليكم بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب٤. ومن الأحاديث التي بهذا المعنى ما جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "قال الله ﵎: يا ابن آدم أنفق أُنفق عليك" ٥، وفي الحديث الآخر، قال رسول الله ﷺ: "إن الله قال لي: أنفق أُنفقُ عليك" ٦.
وروى البخاري٧، ومسلم٨، وأحمد٩ حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول
_________________
(١) ١ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/٤٥٤) . ٢ سورة سبأ: الآية رقم (٣٩) . ٣ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٢٩٥) . ٤ تفسير القرآن العظيم (٣/٧١٥) . ٥ الصحيح، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (٢/٦٩٠-٦٩١) . ٦ المصدر السابق. ٧ الصحيح، كتاب الزكاة باب قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى ) (٣/٣٠٤) . ٨ الصحيح، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك (٢/٧٠٠) . ٩ المسند (٢/٣٠٥-٣٠٦) .
[ ٢٧١ ]
أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا"، هذا لفظ البخاري ومسلم، وهو عند أحمد بنحوه.
ذكر ابن حجر أن الحديث فيه الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل بالزيادة وفي الآجل بالثواب١.
وقال النووي: "الإنفاق الممدوح هنا ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات"٢.
وقال القرطبي: "وهو يعم الواجبات والمندوبات"٣.
وعن أبي هريرة - ﵁ - وغيره مرفوعًا، وفيه لفظ: "أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" عند كل من البزار٤، والطبراني٥، وأبي نعيم٦، والبيهقي في الشعب٧، وعند بعضهم من حديث بلال وابن مسعود بنحوه أيضا.
وقال البزار عقب حديث أبي هريرة: لا نعلم أحدًا رواه عن يونس إلا مبارك، وقال عقب حديث بلال: مرسل. وقال الهيثمي: "إسناد البزار
_________________
(١) ١ فتح الباري (٣/٣٠٤-٣٠٥) بتصرف. ٢ فتح الباري (٣/٣٠٥) . ٣ فتح الباري (٣/٣٠٥) . ٤ البحر الزخار، الأحاديث (١٣٦٦، ١٩٧٨)، وانظر كشف الأستار عن زوائد البزار (٤/٢٥٠-٢٥١) . ٥ المعجم الكبير، الأحاديث (١٠٢٠، ١٠٢١، ١٠٢٥، ١٠٢٦) . ٦ الحلية (١/١٤٩)، (٦/٢٧٤) . ٧ شعب الإيمان (٢/١١٨) .
[ ٢٧٢ ]
والطبراني حسن"١.
وقد أطلق العراقي٢ أن الحديث ضعيف من جميع طرقه، لكن قال ابن حجر عقب حديث أبي هريرة: إسناده حسن٣.
وحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ عند كل من البخاري٤، ومسلم٥، وأبي داود٦، والترمذي٧، والنسائي٨، وأحمد٩، وعبد الرزاق١٠، والبيهقي١١ أن رسول الله ﷺ قال لها: "أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك". هذا لفظ عند البخاري ومسلم وأحمد إلا أنه قال عند مسلم "انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي " وعند هؤلاء - أيضًا - وعند الآخرين بنحوه، وقد اقتصر بعضهم على الشطر الأول فقط أو الشطر الثاني من الحديث.
قال النووي: "ولا تحصي " معناه: يمنعك كما منعت ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل معنى لا تحصي: أي لا
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد (١٠/٢٤١) . ٢ المغني عن حمل الأسفار حديث (٤٠٩٢)، وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣/٦١) . ٣ مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد (٢/٤٩٤) . ٤ الصحيح كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة (٣/٢٩٩-٣٠٠)، وباب الصدقة فيما استطاع (٣/٣٠١)، وكتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها (٥/٢١٧) . ٥ الصحيح، كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء (٢/٧١٣) . ٦ السنن، كتاب الزكاة، باب في الشح (٢/١٣٤) . ٧ الجامع، كتاب البر، باب ما جاء في السخاء (٦/٩٤) . ٨ السنن، كتاب الزكاة، باب الإحصاء في الصدقة (٥/٧٤) . ٩ المسند (٦/٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦) . ١٠ المصنف (١١/١٠٨) . ١١ السنن الكبرى (٤/١٨٧) .
[ ٢٧٣ ]
تعديه فتستكثريه فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك١.
وقال ابن حجر: "النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة، لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب، والإحصاء عد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه، وأحصاه الله قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة٢ ".
وقال السندي: لا تمنعي ما في يدك فيشدد الله عليك أبواب الرزق، وفيه أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه٣.
وقال المباركفوري: "دل الحديث على أن الصدقة تنمي المال وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه ويمنعه من البركة في ماله والنماء فيه"٤.
وحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا عند كل من مسلم٥، والترمذي٦، والدارمي٧، وأحمد٨ بلفظ: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (٧/١١٩) . ٢ فتح الباري (٣/٣٠١) . ٣ حاشية السندي على سنن النسائي (٥/٧٤-٧٥) . ٤ تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (٦/٩٤) . ٥ الصحيح، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع (٤/٢٠٠١) . ٦ الجامع، كتاب البر، باب ما جاء في التواضع (٦/١٧٧) . ٧ السنن (١/٣٣٣) . ٨ المسند (٢/٢٣٥) .
[ ٢٧٤ ]
الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: هذا لفظ مسلم، والترمذي والدارمي، ولفظ أحمد بنحوه.
معنى "ما نقصت صدقة من مال" أي ما نقصت صدقة مالًا، أو بعض مال، أو شيئًا من مال، بل تزيد أضعاف ما يعطي منه بأن ينجبر بالبركة الخفية وذلك بدفع المضرات، أو بالعطية الجلية، أو بالمثوبة العلية١.
وحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا عند كل من البخاري٢، ومسلم٣ وغيرهما: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبتان، (وفي لفظ جُنتان) من حديد من ثُدَيِّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت - أو وفرت - على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقه مكانها، فهو يوسِّعها ولا تتسع". هذا لفظ البخاري، وهو عند مسلم بنحوه.
فبين الحديث أن المنفق يستره الله تعالى بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، وينمي ماله بالصدقة والإنفاق، كستر هذه الجبة وضفائها على لابسها، وأما البخيل فهو كمن لبس جبة إلى ثدييه فقط فيبقى مكشوفًا بادي العورة مفتضحًا في الدنيا والآخرة وذلك بمحق ماله في الدنيا وحسناته في الآخرة٤.
_________________
(١) ١ انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٦/١٧٧) . ٢ الصحيح، كتاب الزكاة، باب مثل المتصدق والبخيل (٣/٣٠٥)، وكتاب الجهاد، باب ما قيل في درع النبي - ﷺ - (٦/٩٩)، وكتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق (٩/٤٣٧)، وكتاب اللباس، باب جيب القميص (١٠/٢٦٧) . ٣ الصحيح، كتاب الزكاة، باب مثل المنفق والبخيل (٢/٧٠٨-٧٠٩) . ٤ شرح صحيح مسلم (٧/١٠٩) بتصرف.
[ ٢٧٥ ]
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الدعاء للمتصدق وباذل المال له أهمية كبيرة في حصول النماء والبركة، فقد كان النبي ﷺ يدعو لمن يدفع الزكاة، أو الصدقات ويأمر عماله بأن يدعوا لمن يبذل المال كذلك، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
فقد قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄ كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللهم صلِّ عليهم". فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته فقال: "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" ١. يريد هنا الدعاء له. ويقول أحيانًا: "اللهم بارك فيه وفي إبله" ٢ إذا كانت الصدقة إبلًا، وهكذا.
وأما صلة الرحم: فقد أمر الله تعالى بصلة الأرحام وهي الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وأكد على ذلك الرسول الكريم ﷺ، وبين أن في صلة الأرحام خيرات كثيرات، من زيادة في العمر، وفي الرزق، والذكر الجميل، والدرجات الرفيعة في الآخرة بفضل الله تعالى ومنِّه وكرمه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٣.
وعن أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري٤ ومسلم٥
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (٣/٢٨٦) . وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته (٢/٧٥٦-٧٥٧) . ٢ سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب الجمع بين المتفرق (٥/٣٠) . ٣ سورة محمد: الآيتان رقم (٢٢-٢٣) . ٤ الصحيح، كتاب التفسير باب (وتقطعوا أرحامكم) (٨/٥٧٩)، وكتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (١٠/٤١٧)، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (١٣/٤٦٥) . ٥ الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/١٩٨١) .
[ ٢٧٦ ]
وغيرهما مرفوعًا بطرق وألفاظ عديدة: "خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك". قال أبو هريرة: فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ . هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه مختصر.
وحديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري١، وحديث عائشة ﵂ عند مسلم٢ مرفوعًا ولفظه: "إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته". هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه.
وحديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عند الترمذي٣، مرفوعا قال الله ﵎: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتتُّه". وقال الترمذي: حديث صحيح.
وحديث عبد الله بن عمرو عند كل من البخاري٤ والترمذي٥، مرفوعًا بلفظ: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَتْ رحمُه وصلها"، هذا لفظ البخاري، والترمذي مثله إلا أنه قال: "انقطعت رحمه" بدلًا من "قطعت رحمه". وقال الترمذي عقبه: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن سلمان وعائشة.
_________________
(١) ١ الصحيح، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (١٠/٤١٧) . ٢ الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/١٩٨١) . ٣ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (٦/٣٣) . ٤ الصحيح، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ (١٠/٤٢٣) . ٥ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في صلة الرحم (٦/٣٥) .
[ ٢٧٧ ]
ومن الأحاديث التي جاء فيها أن صلة الرحم من الأسباب الجالبة للرزق والبركة ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من سرَّه أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه". وفي لفظ: "من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه". عند كل من البخاري١، ومسلم٢، وهو عند أبي داود٣ بنحوه.
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - المرفوع عند كل من الترمذي٤، وأحمد٥، والحاكم٦، وغيرهم وفيه: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر". وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه الطبراني٧ بنحوه من حديث العلاء بن خارجة مرفوعًا. وقال الهيثمي٨ بعد أن عزاه للطبراني في الكبير: رجاله موثقون.
مما سبق - ومن خلال إمعان النظر في أقوال العلماء شراح الأحاديث - يمكن الخروج بما يأتي:
١ - تأكيد صلة الرحم وأن الله تعالى اشتق اسمها من اسمه ﷿
_________________
(١) ١ الصحيح، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (٤/٣٠١)، وفي كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (١٠/٤١٥) . ٢ الصحيح، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم (٤/١٩٨٣) . ٣ السنن، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (٢/١٣٢-١٣٣) . ٤ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب (٦/١١٣) . ٥ المسند (٢/٣٧٤) . ٦ المستدرك (٤/١٦١) . ٧ المعجم الكبير (١٨/٩٨) . ٨ مجمع الزوائد (١/١٩٣)، و(٨/١٥٢) .
[ ٢٧٨ ]
وأنه أنزلها في جواره، وفي حمايته، وجار الله - ﷿ - غير مخذول.
٢ - تحريم قطيعة الرحم، وأن القاطع لها مقطوع من رحمة الله سبحانه وعظيم إحسانه، مخذول دنيا وآخرة.
٣ - الرحم التي أمر الله بوصلها رحم عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة.
وأما الرحم الخاصة فتزيد على الرحم العامة، النفقة على الأقرباء وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، وقضاء حوائجهم، ودفع الضرر عنهم والبشاشة والدعاء لهم، إذا كانوا من أهل الاستقامة والصلاح، فإن كانوا عصاة فساقًا، فمقاطعتهم بعد بذل الوسع في نصحهم هو صلتهم، مع الدعاء لهم بالهداية بظهر الغيب.
٤ - أما فائدة صلة الرحم وهذا هو بيت القصيد هنا، فهي أن الواصل، لا يزال موصولًا بالإحسان العظيم من الرحمن الرحيم، وبحصول الرزق ودفع الضر، وتوالي البركات، والتوفيق في الحياة، والسرور والحبور بعد الممات. وهذا يدرك كثيرًا بالحس والمشاهدة، ويتحدث الناس به ويعرفونه. وقد سبق حديث أبي هريرة وأنس ﵄ بأن الواصل، يبسط له في رزقه.
قال النووي: "بسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه١". وقال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه، لأن صلة أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو٢.
هذا فيما يتعلق بحصول البركة في الرزق وأما الفوائد الأخرى فهي كثيرة وليس هنا محل ذكرها.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١٦/١١٤) . ٢ فتح الباري (٤/٣٠٣) .
[ ٢٧٩ ]