نشرت سنة ١٩٣٠ (١٣٤٩)
الأديب في الأمة هو لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها، وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها، فهو ذخر لها لا يعدله ذخر، وقصيدةٌ أو مقالة تحرّرها أنملة أديب بليغ -مؤمن بما يقول مخلص لما يدعو إليه- أنفع للأمة المظلومة وأَعْوَن على نيلها حقَّها من مئة جندي مدجَّج بالسلاح! فهل عندنا من أمثال هذا الأديب أحد؟
هل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها، وبحث فيما يسرّها وما يسيئها، ثم انتدب نفسه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟ هل عندنا الأديب الذي قتل التاريخ علمًا، وغاص على خفاياه ومعضلاته فأحاط بها فهمًا، ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء، تكون كل قطرة من المداد أريقت على صفحتها بمثابة قطرة من الدم أُهرقت على مذبح الحرية والاستقلال؟ هل عندنا الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن وفائدته، ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها؟ هل عندنا الأديب «الأديب» الذي ترفّع
[ ١٥٠ ]
بنفسه عن أقوال الناس، فلا يثيره مدح ولا ذم ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ، ما دام سالكًا الصراط المستقيم ومتبعًا الطريق القويم؟
كنا نأمل أن ينشأ فينا هذا الأديب، وكان يقوّي هذا الأملَ ما نراه من الشبان المبرزين في الأدب المخلصين للوطن، ولبث ينمو ويزداد ثباتًا حتى فاجأنا صوتٌ يقول لأدبائنا: دعوا الوطن وشأنه، لا تسخّروا أدبكم له ولا تتعبوا أنفسكم من أجله، بل الهُوا والعبوا، فما الأدب إلا أُلْهِيَّة!
هذا ما قاله الأستاذ جبري لتلاميذه في الكلية، وأفهمهم أن هذه الكلية لم تنشأ لمثل ما أنشئت له كلية الحقوق وكلية الطب من تخريج رجال عاملين لمنفعة الأمة، بل لإخراج أناس يدركون جمال هذا العالم! قال الأستاذ ما نصه: "إن الثقافة الأدبية لا تكون غايتها الكسب (وزد أنت: ولا منفعة الأمة!) فلا يدرس الإنسان الأدب ليعيش به (وزد أنت: أو لتعيش به أمته) كما يدرس الطب مثلًا، وإنما يحصل الأدب لِلَذَّته، وما ينبغي للأدب أن يكون إلا أُلْهِيَّة يتلاهى بها العقل"!
فالأستاذ يدعو إلى أدب مجرَّد يُدرَك به جمال العالم، ويستمد من النفس عواطفها وميولها وآلامها وآمالها، ومن الطبيعة جمالها وجلالها وحبها وإلهامها، ولا يعنيه أخلاق ولا عادات ولا يهمّه أمة ولا وطن، فهو ليس إلا ألهيّة، شأنها شأن الملاهي الأخرى، وإن قال إنها ألهيّة شريفة!
وهو يريد من شبّاننا الأدباء أن لا يروا الحياة إلا وسيلة من وسائل اللهو واللعب، وأن يسعوا للذتهم فيها ويفتشوا على
[ ١٥١ ]
الجمال أين يقع منها، ويمضوا في طريقهم هذا دون أن يلتفتوا لأمتهم الملقاة على جانبه تئنّ وتشتكي، ودون أن يمدوا إليها يدًا بمساعدة، وإنهم على مساعدتها لقديرون. وهو يريد من شباننا أن يستغنوا بوصف أحزان نفوسهم وأشجانها عن وصف شقاء الأمة وعذابها، وأن يصبّوا شعرهم ومواهبهم على قدمَي فتاة يعشقونها (أو يتخيلون أنهم يعشقونها) وربما كانت ساقطة أو بغيًّا، عن أن يصبوا بعضها على قاعدة بنيان الوطنية العظيم!
وهو يرى أن هذه الأمة قد بلغت من كل شيء ما تريد وأصبح لها كيانها واستقلالها، ولم يبق عليها إلا أن تلهو وتلعب، فهو يدلها على هذه الألهيّة الشريفة! بل هو يريد أن يُحِلّ هذا النوع من الأدب (وما هو إلا اتباع الهوى) محل الدين ووحي السماء! فيقول في محاضرته الأولى نقلًا عن أحد العلوج: "لقد ضَعُفَ الدين في كثير من رجال العصر وبَعُدَ أفق العلم عن كثير من الناس، فالأدب وحده (هذا الأدب الذي ذكره وحده من غير دين ولا علم!) هو الذي ينزع بنا عن الأثَرة الضيقة التي تغرس فينا غرائز الحيوانية".
* * *
على رسلك أيها الأستاذ، واعلم أننا في حرب، في نضال مستمر، في جهاد على البقاء وكفاح على الحياة، وأدباؤنا قادتنا، فماذا تكون الحال في جيش تركه قادتُه تحت أزيز الرصاص ودويّ القنابل، وراحوا يفتشون عن الجمال في بقعة الحرب ليلهوا ويلعبوا ويفرّجوا عن أنفسهم غمَّ هذه المعركة وهمّها؟
هؤلاء قادتنا، فيجب أن يَدَعوا اللعب واللهو جانبًا، ويشمّروا
[ ١٥٢ ]
عن ساعد الجِدّ والعمل، ويلقوا بأنفسهم في غمرات هذه الحرب الزَّبون، متخذين من أدبهم عدّة لأمتهم قوية ولواء لها مرفوعًا، ومثيرًا لها وشادًّا من عزمها، لا مخدِّرًا لأعصابها وصارفًا لها عن سبيل نجاحها كما فعلت أنت بأدبك! حتى إذا ما انجلى الغبار وآبوا بالنصر، وعُقد على جبينهم غار الظفر وأصبح لهم في الدنيا كيان ووجود، حُقَّ لهم أن يلعبوا ما شاؤوا ويتلهّوا ما أرادوا.
هؤلاء قادتنا، فيجب أن يتولى كل واحد منهم ثغرًا من الثغور، ثم يرابط فيه حتى لا ينفذ البلاء من جهته إلا على جثته.
* * *
ألا إن أدبًا تكون غايته الجمال واللذة لَهو أدب زائف لا يليق بأمة تريد أن تَجِدّ وتكافح وتريد أن تتبوأ تحت الشمس مكانًا لها ساميًا، وهو -فوق هذا- أدب مضطرب مزعزع لأن الجمال واللذة شيء لا قاعدة له ولا مقياس، بل إن مقياسه الذوق، والذوق يتبدل بتبدل الأزمان والأمكنة والأفراد والأمم.
وهَبْ أن الفن يؤيد الأستاذ فيما دعا إليه ويقول به، فما هو هذا الفن؟ ولماذا ندرسه ونحترمه إذا كنا لا نريد به صلاح أمرنا وخدمة قضيتنا؟ أندرسه للهو واللعب؟ أنحترمه لأنه يخدّر أعصابنا ويقعد بنا عن العمل حتى ينزل الدمار برؤوسنا وتقع الخطوب على عواتقنا؟
ومن يقيس الأديب الذي يصور آلام الفرد بالذي يصور آلام الأمة، ومَن يستمد إلهامه من ذكرياته بمَن يستمده من ماضي الأمة الجليل، ومن يفكر في مستقبله مع حبيبته بمن يفكر في مصير
[ ١٥٣ ]
الأمة، ومن يجثو بين يدي امرأة ويصب عقله في كأس من الخمر بمن يسير على رأس أمة عظيمة في حومة حرب ضروس إلى قمة الظفر وذروة الانتصار؟
أنلهو وأيّامنا تذهبُ ونلعبُ والدهر لا يلعبُ؟
* * *
لقد طغى الأدب الفرنسي على طائفة من أدبائنا وأغراهم به ما فيه من لذة ومتعة، فأقبلوا عليه وغاصوا على جواهره ولآلئه، وأصبحوا يتفاخرون بما لديهم منه وما عندهم من معرفة بمذاهبه وفنونه، فكان من ذلك ما نشكوه اليوم من ضعف العزة العربية في نفوسهم وهوان القضية الوطنية عليهم، وكان من ثمرة ذلك احتقارهم الأدب العربي وازدراؤهم إياه.
وأنا لا أنكر أن الأدب الفرنسي خليق بالدرس، ولا أنكر أنه لذيذ وممتع وأننا في حاجة إليه لنقوّي فينا ملكة الوصف ونتعلم فن القصة. أنا لا أنكر شيئًا من هذا، ولكني أنكر على أدبائنا أن يؤمنوا ببعض منه ويكفروا ببعض! إنهم يأتمّون بلامارتين ويَقْفون أثره في هذا الأدب المجرد، ناسين أن لامارتين نفسه يقول إن من يعيش في عالم الأحلام ويحيا في الخيال وغيرُه يسعى ويعمل إنما هو أضحوكة من أضاحيك الحياة خُلقت ليتسلى بها العقلاء العاملون! هذا في أمة بلغت في الميدان الاجتماعي مبلغًا جعل لها مكانتها السامية وقوتها العظيمة، فما قولك بأمة تعمل على أن يكون لها في الدنيا وجود كالوجود؟
* * *
[ ١٥٤ ]
ألا إن الأدب لا يجدي إذ لم يكن أدب الحياة، ولا يكون أدب الحياة حتى يتصل بها ويداخلها، فيعرف أمكنة ضعفها ومحالّ فسادها ويسعى لإصلاحها وتقويتها. ألا إن الأديب الذي يلهو بنفسه ويقنع بأحلامه -والأمة أحوج إلى أدبه في حياتها ونمائها- لَهو خائن بعهد الأمة كافر بدينها. ألا إن هذا الأدب المجرد، أدب الألهيّة الشريفة، ضرر علينا، وفي دعوتنا إليه عقوق وطننا، بل طعنة في صدره. فلنتركه غيرَ مأسوف عليه، ولننفض عن أنفسنا غبار الكسل ولندخل في دَور العمل.
إن الغلالة الرقيقة من الحرير لا تُلبَس يوم المعركة، فلنستبدل بها درعًا ولامة! إن درس الأدب للتلهّي سمّ زعاف تبثّه فينا أيدٌ معادية لتقعد بنا عن الجهاد وتسوقنا إلى الهلاك. ألا إن أخذنا بهذا المذهب، ونحن أبناء شعب في دَور التكوين والنضال لأجل الحياة، قتلٌ لشعبنا وقضاء على مستقبلنا.
إن الأدب المنتِج هو الأدب الذي يخدم القضية الوطنية الكبرى، ويربط ماضي الأمة بحاضرها ويعينها على النجاح في مستقبلها. فإن كان هذا، وإلا فسلام على أدب لا يُقصَد منه إلا التلهّي واللذة، وسلام على أصحابه المخلصين العاملين! (١)
* * *
_________________
(١) اقرأ مع هذه المقالة المقالةَ الأخرى: «الأستاذ شفيق جبري والوظيفة»، وهي في الصفحة ٣٠٨ في هذا الكتاب، وانظر الحاشية في آخرها (مجاهد).
[ ١٥٥ ]